التشيّع بين الشرعية الأخلاقية والانتهازية السياسية في العراق

نوري حسين نور الهاشمي

يشهد العراق منذ عام 2003 تحولات سياسية واجتماعية معقدة، جعلت من المذهب الشيعي محوراً أساسياً في إعادة تشكيل المشهد الوطني. غير أنّ هذه المكانة لم تنعكس دائماً بصورة إيجابية، إذ تحوّل التشيّع في كثير من الحالات إلى أداة بيد مجموعة من الانتهازيين الذين نصبهم الاحتلال. استغل هؤلاء الانتماء المذهبي لإضفاء شرعية زائفة على أفعالهم، محولين صورة المذهب من منظومة قيمية قائمة على العدالة ومقاومة الظلم إلى غطاء لأهداف شخصية وفئوية.
امتلكت هذه الطبقة المصطنعة بعد الاحتلال أدوات نفوذ أساسية تتمثل في السلطة والمال والإعلام. مكنت هذه الثلاثية الانتهازيين من توجيه الرأي العام وإعادة صياغة الخطاب السياسي بما يخدم مصالحهم الضيقة. مع مرور الوقت، أصبح الفساد ممارسة مغطاة بخطاب شعائري أو مذهبي يمنحها قدسية زائفة، فيما يُصوّر الاعتراض الشعبي على هذه الممارسات على أنه خروج عن الطاعة أو تجاوز للوحدة المذهبية. وهكذا تعطلت آليات المحاسبة والرقابة، وترسخت شبكة نفوذ مغلقة يصعب اختراقها، مستفيدة من التوترات الاجتماعية والمذهبية القائمة في المجتمع العراقي.
لم تكتفِ هذه القوى المصطنعة بإدارة السلطة وفق الأساليب التقليدية، بل عملت على تضخيم المخاوف الطائفية، ونشر الشائعات، وبثّ روايات تُشيطن “الآخر”. وقد شكّل التنوع المذهبي والعرقي في العراق بيئة خصبة لهذه السياسات، فصار الانقسام الداخلي جزءاً من استراتيجية السيطرة على المجتمع. لم يكن هذا الانقسام نتيجة الضغوط الخارجية فقط، بل نتج أيضاً عن أدوات داخلية موجّهة، تتناغم أحياناً مع مصالح قوى إقليمية ودولية تسعى إلى إضعاف الدولة العراقية وتمزيق نسيجها الوطني.
يبدو التهديد الداخلي أكثر خطورة من التهديد الخارجي، لأنه ينبع من داخل البنية السياسية والاجتماعية نفسها. الانتهازيون الذين يستخدمون التشيّع لإضفاء شرعية زائفة على ممارساتهم، وفي الوقت ذاته يقوّضون قيمه الأخلاقية، يمثلون خطراً وجودياً على المذهب. فهم يحوّلون منظومة قيمية تقوم على مقاومة الاستبداد ونصرة المظلوم إلى أداة نفعية تخدم مصالحهم الضيقة، مما يترك المجال أمام خصوم التشيّع الخارجيين لاستثمار هذا التصدع وتشويه صورته، وتقديمه في المخيال العام كرمز للفساد والفشل.
يمكن وصف هذا الانحراف، باستخدام تعبير حنّا أرندت، بأنه “العنف المشرعن”، حيث يُمارس الفساد باسم المذهب ويُمنح الغطاء الأخلاقي باسم الهوية الدينية، دون أن يحظى بالقبول المجتمعي. يمثل هذا الانقلاب على جوهر التشيّع تآكلاً للشرعية، وانكشافاً للتناقض بين الخطاب والممارسة، مما يؤدي إلى أزمة ثقة عميقة بين المواطنين والدولة، وإلى فجوة واضحة بين القيم الدينية التي يعلنها المذهب وسلوك الانتهازيين المستفيدين من الاحتلال.
تبرز هنا أهمية حماية التشيّع من الداخل عبر مراجعة نقدية شجاعة للممارسات التي حوّلته إلى مجرد لافتة سياسية. فالقيم التي تأسس عليها المذهب، مثل مقاومة الظلم ونصرة المظلوم والالتزام بنهج العترة الطاهرة، لم تعد حاضرة كما ينبغي في الواقع السياسي، بل استُبدلت بشعارات فضفاضة تخدم استمرار الانتهازيين في السلطة. واستمرار هذا الانحراف يهدد بفقدان التشيّع لمكانته الإصلاحية، ويحوّله إلى صورة مشوهة لا تعبّر عن أصالته التاريخية ودوره الأخلاقي في المجتمع.
أدركت المرجعية الدينية العليا منذ وقت مبكر خطورة هذا الانحراف، فامتنعت عن استقبال القوى المصطنعة التي صعدت على أكتاف الاحتلال، وأكدت أن الشرعية لا تُمنح بمجرد الانتماء المذهبي، بل تستمد من النزاهة وخدمة الناس. وقد شكل هذا الموقف رسالة واضحة إلى المجتمع بأن التمييز بين التشيّع كقيمة أخلاقية وبين الانتهازيين المستفيدين من الاحتلال أمر حاسم، وأن الدين لا يمكن أن يُستغل كغطاء للانحراف السياسي أو لمصالح شخصية ضيقة.
يتطلب تجاوز هذه الأزمة تعاوناً متكاملاً بين مؤسسات المجتمع المدني والمرجعيات الدينية والنخب الأكاديمية. فالمجتمع المدني قادر على رصد التجاوزات وتنبيه الرأي العام إلى مخاطرها، فيما تستطيع المرجعيات المعتدلة إعادة توجيه الخطاب الديني ليبتعد عن الاستخدام السلطوي ويستعيد دوره الأخلاقي. أما النخب الأكاديمية، فيمكنها وضع إطار نظري واضح يعيد تعريف العلاقة بين الدين والسياسة، ويضمن استقلال المجال الديني عن مصالح الانتهازيين، بما يوفر نوعاً من الرقابة المجتمعية على السلطة ويعزز التوازن بين القيم الدينية والسلطة السياسية.
ولا يكتمل الإصلاح السياسي دون إنشاء آليات شفافة للمساءلة تحد من الفساد وتمنع احتكار المال العام. فالدولة لا تُبنى بالشعارات أو بالخطاب المذهبي وحده، بل بالمؤسسات الرصينة والقوانين العادلة التي تحمي حقوق المواطنين وتضمن المساواة أمام القانون. وإعادة الاعتبار لقيم المواطنة، وتحويل التشيّع من أداة للهيمنة إلى رافعة أخلاقية للإصلاح، يمثلان شرطاً أساسياً لنجاح أي مشروع وطني قادر على إعادة بناء الثقة بين السلطة والمجتمع.
يكمن التحدي الأكبر ليس فقط في تشخيص الانحرافات أو نقدها، بل في بلورة مشروع وطني جامع يعيد بناء الثقة المجتمعية، ويستعيد البعد الأخلاقي للتشيّع، ويحوّل السياسة من أداة للسيطرة إلى وسيلة لخدمة الإنسان. العراق بحاجة إلى مشروع سياسي يدمج بين القيم التاريخية للتشيّع ومبادئ الدولة الحديثة القائمة على سيادة القانون والمواطنة المتساوية، بحيث تصبح السلطة خدمة عامة، لا وسيلة للهيمنة الشخصية.
إلا أن أي مشروع إصلاحي يظل رهين استعادة السيادة الوطنية. فطالما بقي العراق فاقداً لسيادته، وطالما سيطر الاحتلال على تحريك البيادق السياسية، فإن أي محاولة لإصلاح أو مراجعة الانحرافات ستظل ناقصة، وستبقى الدولة عاجزة عن استعادة تماسكها الداخلي، وسيستمر التشيّع في أن يكون جزءاً من أداة السيطرة، بدلاً من أن يستعيد دوره كقوة إصلاحية حقيقية.