الكاتب : الاستاذ حسين شكران الاكوش العقيلي
—————————————
بقلم: الأستاذ حسين شكران الأكوش العقيلي – ماجستير فقه مقارن
تمثل المدرسة واحدة من أهم المؤسسات التربوية التي تصوغ شخصية الإنسان منذ سنواته الأولى، فهي ليست مجرد مكان يتلقى فيه الطالب العلوم والمعارف، بل هي فضاء تتشكل فيه الملامح الأولى لهويته الاجتماعية والفكرية والنفسية. وعلاقة الطالب بالمدرسة علاقة مصيرية، لأنها تحدد إلى حد كبير مسار شخصيته وتفاعله مع المجتمع، كما تكشف عن مدى نجاح المؤسسة التعليمية في أداء رسالتها.
إن الطالب حين يدخل المدرسة لا يأتي إليها وعقله صفحة بيضاء، بل يحمل معه خلفيات أسرية وثقافية واجتماعية، إلا أن المدرسة تعيد صياغة هذه الخلفيات في إطارٍ تربويّ يسعى إلى تنظيمها وتوجيهها نحو خدمة الفرد والمجتمع. وهنا تكمن قيمة المدرسة في قدرتها على أن تكون بيتًا ثانيًا للطالب، ليس على مستوى المكان فحسب، بل على مستوى الشعور بالانتماء والطمأنينة والهوية. فالطالب الذي يشعر بالقبول داخل المدرسة ويتلقى الاهتمام والاحتواء من معلميه وزملائه، ينمو وهو مقتنع بأن العلم تجربة ممتعة، وبأن المدرسة فضاء للحرية المسؤولة والإبداع البنّاء.
وليس من المبالغة القول إن المدرسة تشكّل مختبرًا صغيرًا للمجتمع الكبير، إذ يتعلم الطالب من خلالها أسس التعامل مع الآخر، وقيم التعاون والانضباط والمسؤولية. فالمقاعد الدراسية ليست مجرد أماكن لحفظ الدروس، بل هي ساحة للحوار والتفاعل وتبادل الخبرات. هنا تتجلّى العلاقة الجوهرية بين الطالب والمدرسة بوصفها علاقة شراكة، لا علاقة تلقين من طرف واحد. فعندما تُبنى هذه العلاقة على أساس من الثقة والاحترام المتبادل، يتحول الطالب من متلقٍّ سلبي إلى شريك فاعل يسهم في صناعة بيئة مدرسية نابضة بالحياة.
إن جوهر هذه الشراكة يتمثل في عملية متبادلة: الطالب يقدّم فضوله وأسئلته وطاقته، والمدرسة تقدّم معارفها وأدواتها وأساليبها التربوية. ومن هذا التفاعل يولد الوعي، وتنمو الشخصية المتوازنة التي لا ترى في العلم عبئًا، بل ترى فيه طريقًا للتحرر والارتقاء. أما إذا فقدت المدرسة دورها التفاعلي، وتحولت إلى مجرد آلة للامتحانات والشهادات، فإن الطالب يشعر بالاغتراب، وتضعف علاقته بالمكان الذي كان من المفترض أن يكون بيته الثاني.
ومن زاوية أخرى، تحمل علاقة الطالب بالمدرسة بعدًا نفسيًا عميقًا، إذ تمنحه الشعور بالهوية والانتماء إلى جماعة أكبر من أسرته. هذا الانتماء هو الذي يعزز ثقته بنفسه، ويدفعه إلى تحمل المسؤوليات، ويعلمه كيف يكون عضوًا نافعًا في المجتمع. وإذا غاب هذا الانتماء، فإن المدرسة تفقد دورها التربوي، ويغدو التعليم مجرد عملية شكلية لا تترك أثرًا في بناء الشخصية.
لقد أثبتت التجارب التربوية الحديثة أن الطالب الذي يقيم علاقة إيجابية مع مدرسته يحقق نتائج أعلى ليس فقط على المستوى الأكاديمي، بل على مستوى السلوك الاجتماعي والنضج النفسي. فالإحساس بالانتماء يولّد الدافعية الداخلية، وهذه الدافعية هي التي تدفع الطالب نحو الإبداع، بعيدًا عن الخوف من العقاب أو البحث عن المكافأة. إن المدرسة في هذه الحالة تصبح مصنعًا حقيقيًا للوعي، وميدانًا لترسيخ القيم التي يحتاجها المجتمع.
وهنا تتضح أهمية أن تدرك المدرسة أن الطالب ليس وعاءً يُملأ بالمعلومات، بل هو عقل وقلب وروح تحتاج إلى رعاية متكاملة. إن الطالب يتأثر بأسلوب المعلم وطريقة تعامل الإدارة ومناخ الصف، بل حتى بألوان الجدران وتصميم البيئة المدرسية. فكل تفصيل صغير يسهم في بناء صورة الطالب عن مدرسته، وهذه الصورة هي التي تحدد نوع العلاقة بينهما: علاقة انتماء وفخر، أم علاقة نفور وهروب.
إن ما تحتاجه المدرسة اليوم هو أن تعيد النظر في مفهوم علاقتها بالطالب، وأن تتحول من مؤسسة تلقين إلى مؤسسة احتضان ورعاية وصناعة وعي. فالطالب هو مشروع إنسان، والمدرسة هي مصنعه الأول، وما تزرعه فيه سيبقى أثره مدى الحياة. فإذا كان الزرع صالحًا مثمرًا، أخرج للمجتمع مواطنًا صالحًا مبدعًا، وإذا كان الزرع ميتًا بلا روح، خرج للمجتمع فردًا ناقص الانتماء فاقد البوصلة.
وبذلك يمكن القول إن علاقة الطالب بالمدرسة ليست مجرد علاقة زمنية مؤقتة، بل هي علاقة مصيرية تتجاوز حدود المرحلة الدراسية لتؤسس لمستقبل الفرد والأمة. إنها علاقة تضع المدرسة أمام مسؤولية تاريخية في أن تكون بيئة تنمّي العقول، وتزكّي النفوس، وتبني شخصيات قادرة على مواجهة تحديات العصر. فالتعليم ليس عملية حسابية محضة، بل هو بناء إنسان متكامل، والطالب ليس متلقيًا خاملاً، بل هو شريك أصيل في مسيرة الوعي.
إن المدرسة، بما هي فضاء للتربية والعلم معًا، تظلّ بحاجة إلى أن ترى في الطالب قلب رسالتها وغاية وجودها، فيما يحتاج الطالب أن يرى في المدرسة أفقه الرحب وأمله الكبير. ومن هذا التلاقي يولد النور الحقيقي، نور الوعي الذي يضيء الدرب، ويصنع شخصية متوازنة قادرة على حمل مسؤولياتها تجاه ذاتها ومجتمعها وأمتها.
الطالب والمدرسة ( شراكة تربوية في صناعة الوعي وبناء الشخصية)