دروس الرجولة التي لا تُنسى

ضياء أبو معارج الدراجي

في حياتنا تمرّ مواقف كثيرة، بعضها يمرّ مرور الكرام، وبعضها يُشكّل نقطة تحوّل في وعينا وأخلاقنا. لكن قلّما نجد موقفًا واحدًا يبقى عالقًا في الذاكرة لا يبهت مع السنين، لأنه صقل فينا معنى الرجولة والاحترام والإنسانية.

كنت صغيرًا يومها، مفعمًا بحماسة الشباب وحدّة اللسان، حين هجوت أحد أبناء عمومتي علنًا أمام الناس بسبب خطأ ارتكبه. كنت أظن أنني بذلك أؤدّبه أو أنتصر للحق، لكنني كنت في الحقيقة أرتكب خطأً أكبر من خطئه.

اقترب منّي يومها المرحوم أبو جمال (فاخر الشيخ محمد الدراجي)، ووضع يده على كتفي، وهمس في أذني بكلماتٍ ما زالت ترنّ في قلبي حتى اليوم:

“إن كان ابن عمك على خطأ، لا تفضحه أمام الناس، أصلح له الخطأ بينك وبينه، فإن الناس إن احتقروه احتقروك معه.”

كانت تلك الجملة القصيرة درسًا في الفراسة والكرم والتربية العشائرية الأصيلة، درسًا في كيف تكون الهيبة مقرونة بالحكمة، لا بالصوت العالي.

منذ ذلك اليوم، أدركت أن نصح القريب واجب، ولكن فضحه خيانة. وأن ستر العيب ليس ضعفًا، بل هو رقيّ في الأخلاق. تعلّمت أن الرجال الحقيقيين لا يرفعون شأنهم بانتقاص الآخرين، بل بسترهم وإصلاحهم.

رحم الله أبو جمال تربية (شيخ محمد عشير اجدادي) ، فقد كان من رجال الزمن الجميل الذين لا يعلّمون بالكلام، بل بالموقف. ترك فيّ أثراً لا يُمحى، علّمني أن الهيبة ليست في الهجاء، بل في الستر، وأن الكلمة التي تُقال بهدوء بين اثنين قد ترفع شأن قبيلة بأكملها.

إننا اليوم، في زمنٍ كثر فيه الظهور وقلّ فيه الستر، أحوج ما نكون إلى مثل أولئك الرجال الذين يُعلّمون بالصمت أكثر مما يُعلّمون بالخطابة، ويغرسون القيم في المواقف لا في الدروس.

رحم الله أبا جمال، فقد رحل جسدًا، وبقي أثره فينا نهجًا ووصية.

ضياء ابو معارج الدراجي