صباح البغدادي
(*) وعود المرشحين، التي كانت وما تزال، أشبه بالثقب الأسود، الذي يبتلع بلا رحمة ولا هوادة ما تبقى من أحلام العراقيين وآمالهم في مستقبل أفضل لأطفالهم ، ليترك خلفه ظلامًا دامسا لا أمل في الخروج منه , وكما ذكر بالكتاب المنزل الكريم ” إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ” الرعد/11.
(*) اعصبوها برأسي وقولوا لم تصدق معنا يا هذا ؟ وانتم تعرفون جيدا باني الصادق الأمين , لان هذه الانتخابات سوف لن تجلب لكم سوى مزيد من البؤس والفقر والمأساة والفساد المالي والإداري ومن يظن بان التغيير قادم لا محال عبر صناديق الانتخابات فهو واهم وما يزال ضمن محور القطيع .(*) تذكّر جيدا أيها “الناخب”، وانت تسير لاهثا خلف سراب وتحسبه الامل الذي ضاع منك , وحينما تُلقى بصوتك في صندوق الاقتراع ، أنك لا تودع صوتك في صندوق أمل لمستقبل وغد أفضل ، بل هي حفرة بلا قاع تكونت خلال زمن العقدين الماضيين وملئتها من الخيبات والمآسي والآلام وما تزال تريد المزيد . أنت بالنسبة لهم لست أكثر من “رقمٍ ” يتنقل بين أوراقهم ، بل انته مجرد “عابرٌ” سبيل بلا وجه أو حياة . ولان هؤلاء ( المرشحين) لا يهمهم إن كنت إنسانًا أو حلمًا ، بقدر ما يهمهم منك أن يضيفوا بطاقة انتخابية جديدة إلى رصيدهم، ليكملوا مسلسل نهبهم . وفي نظرهم، أنت لست كائنًا يعيش من أجل غدٍ أفضل، بل مجرد ورقة في لعبة رهانهم على طاولة تقاسم الغنائم والامتيازات ، أنهم يرونك ايها “الناخب” مجرد خزينة مفتوحة لا تنضب وكطفلًا يمكن سرقة مستقبله بلعبة الوعود الكاذبة ومرجل خطاباتهم الطائفية . فصوتك وصرختك لديهم ليست صرخة تغيير وتعبير عن الوجع والالم … بل مجرد “توقيعٌ” على استمرار مهزلة فسادهم والذي لا نهاية له.أعلنت وزارة التخطيط في 24 شباط 2025 بأن إجمالي عدد سكان العراق وإقليم كردستان وفق النتائج النهائية، يبلغ 46 مليون و118 ألف و 793 نسمة، وحسب بيان المفوضية بان الذي يحق لهم التصويت في الانتخابات البرلمانية ، يتجاوز 29 مليون ناخبًا، وكما أن عدد المسجلين بعد التحديث البيومتري للبيانات بلغ حوالي 21 مليونًا و223 ألفًا و319 ناخبًا. ويشارك في الانتخابات البرلمانية بدورتها الحالية 7743 مرشحًا يتنافسون على 329 مقعدًا نيابيًا داخل المجلس التشريعي . للمتابع سوف يخرج بنتيجة واحدة لا ثاني لها : بان هذه الانتخابات سوف تكون كسابقتها , في الانتخابات السابقة (2021) بلغت نسبة المشاركة الرسمية المعلنة نحو 41٪، وبمشاركة فعالة ومؤثرة وواسعة النطاق من قبل جماهير التيار “الصدري” الذي حصد فيها 73 مقعدا ,والان فان نسبة المشاركة سوف تقل حتما بكثير جدا , لان عدم مشاركة جماهير “التيار الصدري” ومقاطعة كذلك القوى الوطنية الشبابية المتمثلة واغلبهم بحراك “ثورة تشرين” ومن حيث لن تتعدى نسبة المشاركة وفي احسن الاحوال بين 25% إلى 30 % وبالتالي فإن انخفاض نسبة المشاركة إلى 30% أو أقل يُضعف الشرعية الشعبية بشدة، حتى وإن بقيت ما تسمى بالشرعية “القانونية” قائمة وسيُنظر إلى البرلمان الناتج على أنه فاقد التمثيل الحقيقي للشعب، مما سوف يفتح الباب على مصراعيه أمام احتجاجات شعبية أو حتى مطالبات بإصلاحات سياسية أو حتى إجراء انتخابات مبكرة وهذا ما سوف يقوم به “التيار الصدري” وقوى المجتمع المدني والمعارضة الشبابية ويعتبرون ذلك دليلًا واضحا على انهيار الثقة بالنظام السياسي القائم , وكما حصل مع رئيس الوزراء السابق السيد “عادل عبد المهدي” الذي استقال من منصبه إثر اندلاع
في 1 تشرين الأول 2019 احتجاجات عفوية شبابية في بغداد ومحافظات الجنوب، رفضًا للبطالة، الفساد، وسوء الخدمات، وتدخل الأحزاب والميليشيات في جميع مفاصل الدولة والتي تحولت الى غنائنم ومكاسب شخصية لهم تاركين جيوش العاطلين عن العمل في الطرقات بلا اي امل ونتيجة لذلك فقد تحوّلت بسرعة إلى انتفاضة شعبية وطنية شاملة، تطالب بإسقاط الحكومة وإصلاح النظام السياسي برمّته ولكن الرد الحكومة والميليشيات على هذه المطالب الشرعية طان عنيفا وغير مبرر وغير اخلاقي مما ادى الى استشهاد اكثر من أكثر من 600 متظاهر وجُرح الآلاف منهم، ناهيك عن عشرات الشخصيات الوطنية الذين تم اختطافهم وتصفيتهم واغتيال صوتهم وهذا السيناريو قد يتكرر ولكن بصورة اكثر دموية من السابق وبالاخص اذا شارك فيه التيار الصدري المقاطع لهذه الانتخابات لانها ستكون بداية النهاية لنظامهم السياسي الفاسد والدخول في حرب اهلية.في هذا السيرك (الديمقراطي) تتحوّل صناديق الاقتراع إلى صناديق مليئة باوراق خيبة الامل ، لانها سوف تُفرز مع اوراقها الملوثة بالفساد بدل من التغيير الحقيقي الذي ينتظره الناخب ، وتُعيد تدوير ذات الوجوه التي اعتادت أن تُقسم بالوطن ثم تُقسِّمه فيما بينهم على شكل غنائم وامتيازات لا حصر لها . كلّ دورة انتخابية تبدأ بالوعود ولكنها تنتهي بالنهب وسلب ما تبقى للوطن من كرامة ، وكلّ مرشّحٍ رأيناه يتحدّث في كرنفال مهرجاناتتهم عن “إنقاذ البلاد” وكأنه لم يكن أحد أسباب غرقها.
من هنا يبدأ المشهد الحقيقي , وتتكشّف “وعود” المرشحين لتبدو مع اعلان النتائج وكأنها أوراقٍ مبللة بعد المطر لاتكاد تقرأ كلمات حبرها ، وتظهر التحالفات على حقيقتها، لا برامج سياسية واقتصادية وتنموية بل هي مجرد صفقات مقاولات بواجهة وطنية. وتتحول العشيرة إلى كتلةٍ سياسية، والطائفة إلى شعارٍ دعائي ( عبد الزهرة لن يخدم عمر مرة ثانية ) والآخر يصرخ ( لا تضيعوها ) …
في الانتخابات السابقة واليوم , ليست تنافسًا على خدمة المواطن والوطن، بل هو مجرد “مزاد” نفوذٍ تُباع فيه المناصب مقدّمًا وتُسعَّر فيه الولاءات بالدولار والدينار والتومان والريال. ووسط كل هذا الضجيج والصراخ ، يبدو “الوطن” كمتفرّجٍ وحيدٍ على مسرحٍ يعرض حكايته ببطولة القادة الأحزاب المزورين للتاريخ وللحقيقة ، وبينما يُكتب اسمه ” المرشح ” بخطٍ كبيرٍ على الملصقات فقط كي يُمحى سريعًا بعد إعلان النتائج فوزه بالمقعد النيابي وبداية مشواره في رحلة البحث عن الغنائم والامتيازات وفي كل موسم انتخابي، تتحوّل البلاد إلى كرنفالٍ سياسي ضخم؛ لافتاتٌ تملأ الشوارع، وجوهٌ تبتسم على الجدران أكثر مما تبتسم في الواقع، ووعودٌ تتكاثر بسرعة أكبر من عدد الناخبين أنفسهم. كأننا أمام عرضٍ مسرحي متقن الإخراج، رديء المضمون، تُوزَّع فيه الأدوار بعناية: مرشحٌ يتقمص دور المنقذ، وآخر دور الثائر، وثالث يلبس عباءة القداسة الدينية ليكسب شرعية لا يمنحها الصندوق بل الرمز الطائفي الذي ارتداه.
وهكذا، سوف يبقى الوضع على حاله لا يتغير ولا حتى بصيص امل او ضوء قد يراه الناخب في اخر النفق الذي ما يزال يبحث عن مخرجه وبعد كل هذا الصخب الانتخابي، تعود البلاد إلى صمتها المألوف؛ صمت ما بعد المهرجان. تُزال اللافتات، وتُطفأ مكبرات الصوت، ويُعاد المواطن إلى حياته اليومية كأن شيئًا لم يكن. المرشحون الفائزون يعتلون المنصات كأبطالٍ في نهاية عرضٍ هزلي، يتحدثون عن “العبور إلى المستقبل” بينما الجسر ذاته ما زال مهدومًا. يُقال إن الديمقراطية هي حكم الشعب وصندوق يضعون فيه امال مستقبلهم ، ولكن عندنا الصندوق يختلف فانه أشبه بصندوق المرشح الحاوي الساحر حيث يدخل فيه صوت المواطن الناخب فيخرج منه هذا المشرح “وزير” أو “زعيم” أو “مقاول وطن”. ولا أحد يعرف كيف ، لكن جميع الناخبين يصفقون على هذا العرض المسرحي وفي النهاية , قبل إسدال الستار على هذا العرض الهزلي , يتفاجأ ” الناخب” بأن “الوطن” لم يضيع بين القوائم والتحالفات فقط، بل ضاع بين ذاكرة التجارب الانتخابية الماضية والخذلان المرشحين والنواب ، بين الدم الذي سال في ثورة تشرين والكرسي المنصب الذي سال عليه . وما دام السياسيون يتعاملون مع الانتخابات كغنيمة حرب ، ومع الشعب كجمهور في سيرك او مزاد انتخابي ، فسوف يظل المواطن والناخب على حدآ سواء يبحث عن “الوطن” في كتب التاريخ ونشرات الأخبار والبرامج الحوارية ، و البعض قد يرى صورته فقط في الشعارات المطبوعة على اليافطات الممزقة بعد العاصفة . فهل ستكون لنا “ثورة تشرين” ثانية أو أمتداد لها , لأنهم يرونها بعيدآ ونراها قريبآ ؟sabahalbaghdadi@gmail.com