ضياء المهندس
(نظام انتخابي مشوّه… ومصمم لحماية الأحزاب المهيمنة)
القضية لا تتعلق فقط بسلوك الناخب أو المرشح، بل بمنظومة انتخابية كاملة جرى تفصيلها بما يخدم الأحزاب التقليدية ويضمن بقاءها في السلطة.
قانون الانتخابات، وطريقة تقسيم الدوائر، وآليات الفرز والعد، وحتى شكل الحملات، كلها صُممت بشكل يفتح أبواب البرلمان لمن يملك النفوذ السياسي والمال الفاسد، ويغلقه في وجه المستقلين والوطنيين.
فالأحزاب الكبيرة تستخدم موارد الدولة كما لو كانت ملكاً خاصاً:
ـ سيارات الدولة تتحول إلى أدوات دعاية،
ـ الموظفون يُحشَدون للضغط على الناخبين،
ـ المؤسسات الحكومية تُسخّر لخلق “قواعد انتخابية” وهمية،
– والمال العام يُعاد ضخه في السوق الانتخابية عبر شبكات وسطاء وسماسرة.
وفي المقابل، يقف المرشح النزيه وحيداً، بلا ظهر سياسي، وبلا جيش إعلامي، وبلا قدرة على شراء الأصوات أو توظيف الناس أو استغلال حاجاتهم.
(حين يدخل الشرفاء إلى السباق… يدخلون وهم يعرفون أنهم خاسرون مسبقاً)
المرشحون النزيهون الذين دخلوا الانتخابات الأخيرة فعلوا ذلك وهم يدركون تماماً أن المنافسة غير متكافئة.
هؤلاء الذين رفضوا شراء الذمم أو المتاجرة بفقر الناس، دفعوا ثمن التزامهم الأخلاقي، لأنهم واجهوا منظومة انتخابية اعتادت أن تكافئ الفاسد وأن تعاقب الشريف.
الناخب البسيط، الذي يعيش في ظل بطالة وضغط اقتصادي وانعدام الخدمات، أصبح ضحية سهلة. مبلغ صغير، أو وعد بوظيفة، أو بطاقة تعبئة هاتف، يمكن أن تغيّر اتجاهه الانتخابي.
وهكذا، يصبح صوت المواطن سلعة مؤقتة تُباع وتُشترى، بدل أن يكون أداة تغيير سياسي.
(فائزون بلا برامج… وبائعو أصوات بلا مسؤولية)
كثير من الذين فازوا لم يقدموا برنامجاً انتخابياً، ولم يُعرف لهم نشاط سياسي أو اجتماعي.
لكنهم عرفوا كيف يدخلون اللعبة بحسابات تجارية:
ـ شراء أصوات،
ـ شراء ولاءات،
ـ شراء صمت،
ـ وشراء طريقهم نحو البرلمان.
نجحوا لأن النظام يخدمهم؛ فهو لا يراقب المال السياسي بجدية، ولا يمنع استغلال الدولة، ولا يحاسب على شراء الأصوات إلا شكلياً، ولا يوفر بيئة عادلة تمنح المرشح المستقل فرصة حقيقية.
(برلمان لا يمثل روح الأمة)
عندما يخسر النزيه ويرتفع الفاسد إلى الواجهة، يفقد البرلمان جزءاً من شرعيته، وتفقد العملية الديمقراطية معناها.
لا يمكن لبرلمان أفرزته الأموال الفاسدة أن ينتج إصلاحاً أو يحارب فساداً.
ولا يمكن لمن وصل بالصفقات أن يحمل مشروع دولة أو رؤية مستقبلية.
إنه ببساطة إعادة تدوير لنفس الطبقة السياسية التي صنعت الأزمات وأدارتها لعقود.
(الأزمة ليست أزمة نزاهة فقط… بل أزمة وعي ونظام وقانون)
المشكلة أعمق من سلوك فردي.
هي أزمة:
ـ ثقافة انتخابية ضعيفة،
ـ قانون انتخابي يفصل بين المواطن وصوته،
ـ غياب رادع قانوني حقيقي يمنع المال السياسي،
ـ مراقبة شكلية،
ـ واقتصاد يضغط على المواطن ويدفعه لبيع صوته من أجل منفعة مؤقتة.
الخلاصة:
الانتخابات الأخيرة لم تكن مجرد أرقام ونتائج، بل كانت مرآة لأزمة سياسية وأخلاقية عميقة.
لقد هُزمت النزاهة لا لأنها ضعيفة، بل لأن النظام الانتخابي نفسه صُمم ليُسقطها، ولأن خصومها تحالفوا مع المال الفاسد ونفوذ الدولة واحتياجات الناس.
وما لم يُعَد بناء النظام الانتخابي من جذوره—بتجريم المال السياسي بصرامة، ومنع استغلال الدولة، ووضع آليات شفافة للفرز والعد، وتمكين المستقلين—فإن المشهد سيبقى كما هو:
(الشرفاء يُهزمون… والفاسدون ينتصرون.)
البروفيسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي