رحلت بنين سعيد الصابرة المؤمنة، نعيم الخفاجي 

رحلت بنين سعيد الصابرة المؤمنة، نعيم الخفاجي 

اليوم وبتاريخ الثالث والعشرين من شهر كانون الثاني عام ٢٠٢٥، غيب الموت الشابة المهذبة العراقية المؤمنة المولالية إلى محمد ص وآل بيته الكرام في مستشفى كوبنهاكن الرئيسي بالعاصمة الدنماركية كوبنهاكن.
الحديث عن الشابة بنين والتي ولدت بالدنمارك من أبوين عراقيين اضطروا لمعارضة نظام صدام المجرم بسبب طائفيته وشوفينيته، ولدت بنين الحاج سعيد حمود السراي الحياوي في عام ١٩٩٩، في كوبنهاكن، تربطني علاقة صداقة مع عائلة الفقيدة من العراق، بل الصداقة لم تكن جديدة، بل كان آباؤنا وأجدادنا أصدقاء حيث يسكنون في مدينة الحي منذ بداية تأسيسها بالنصف الثاني من القرن التاسع عشر.
بنين عرفتها وهي طفلة صغيرة، كانت محبوبة، طيبة، ذكية في دراستها ومحبوبة في تعاملها مع الأطفال ومع المعلمين والمعلمات، لازلت كيف كانت تأتي إلينا في بيتنا وهي مسرورة، تتحدث معنا عن دراستها وتعرض لنا رسوماتها في الصف الدراسي.
ذكية إلى درجة جدا عالية، تحصل على درجات كاملة، ذكاء بنين كان متميز، وهي من عائلة علمية، شقيقتها الأكبر منها طبيبة نفس، شقيقها الأصغر منها يوسف طالب مرحلة ثالثة طب بشري في جامعة كوبنهاكن، شقيقها الأصغر حمزة قارئ قرآن من الطراز الأول ومتفوق في دراسته الاعدادية، وايضا هو بطريقة للدخول في الجامعة، والدتها لم يثنيها مرض بنين بل كانت ترعى بنين وتدرس وحصلت على دكتوراه بعلم النفس بتربية الاطفال.
عندما بلغت بنين سن التاسعة فوجئنا وصدمنا في اصابتها بمرض سرطان أصاب يدها، اتخذ الأطباء قرار في بتر يدها، لكن والدها رفض، واتصل في الأصدقاء في بريطانيا وألمانيا، عن طريق السيد الدكتور إبراهيم الجعفري اول رئيس وزراء في الحكومة الانتقالية بعد سقوط نظام صدام جرذ العوجة، تم التواصل مع طبيبة عراقية متخصصة بالأورام تعمل في بريطانيا، تم ارسال التقارير اليها، قالت الصور والتقارير تؤكد قدرتي على عمل عملية جراحية إليها دون بتر يدها، تم إرسال بنين إلى بريطانيا وتم إجراء العملية بنجاح، الأطباء بالدنمارك طلبوا عنوان الطبيبة العراقية في لندن، وقالوا من الان سوف نعرض الأشخاص المصابين بالدنمارك الذين يحتاجون بتر أطراف على هذه الدكتورة العراقية التي تعمل في بريطانيا، وأصبحت بنين سبب في إنقاذ عشرات المرضى من بتر الأطراف.
لكن بعد شفاء بنين في فترة قصيرة عاد إليها المرض، دخلت في عمليات جديدة، بعدها اكتشف الأطباء أن حالة مرض السرطان لدى بنين حالة نادرة جينية، وهي أول حالة من هذا المرض بالدنمارك، دخلت في عمليات جراحية متواصلة، ورغم العمليات الجراحية كانت تدرس في مدرستها، وواصلت الدراسة وأكملت الدراسة المتوسطة والاعدادية، ورفضت الإحالة على التقاعد المباشر، بعد اكمالها سن ال ١٨ سنة عرض عليها المشرفين الدنماركيين احالتها على التقاعد المبكر، رفضت بنين وطلبت منهم البحث عن عمل، بل هي بنفسها بحثت عن عمل واشتغلت رغم المرض الذي أصابها.
اتذكر عندما كانت في سن التاسعة من العمر ولدى إجراء أول عملية جراحية، كانت غير مهتمة إلى المرض وقالت لاداعي للخوف من الموت مازلنا ننتقل إلى حياة الآخرة الابدية، لا اخفيكم سرا فقد فوجئت بصمودها، وكنت كل ما اشاهدها بالشارع أقول إلى نفسي هذه من اهل الجنة.
كانت دائما تقول إلى أهلها وإلى والدها ما زال كل البشرية مصيرها الموت فأهلا وسهلا بالموت الذي يضعنا مع ال بيت رسول الله ص، لديها ايمان بيقين خالص وقوي.
ورغم مرضها لكن بنين لم تستسلم للموت، عرفها وتعاطف معها الشعب الدنماركي، عملت حملات خيرية بمساعدة مرضى السرطان بالدنمارك والعراق، عملت حملة تبرعات إلى الأيتام العراقيين لدى الأخ الأستاذ الذهبي، حتى الأطباء الدنماركيين الذين عملوا لها ٧٩ عملية جراحية كانوا يكنون كل الاحترام والتقدير إلى بنين، كانوا يتصلون بها للتخفيف عن بعض مرضى السرطان الذين يخافون من المرض الراقدين بالمستشفيات، تأتيهم بنين لتعلمهم أنها تعايشت مع المرض وهي بعمر التاسعة من عمرها، وعليكم التعايش مع المرض وعدم الخوف منه،  يوم أمس حضر إلى مستشفى كوبنهاكن أطباء سبعة دنماركيين جراحين من خيرة أطباء الدنمارك إلى إلقاء النظرة الأخيرة على بنين، هؤلاء الأطباء اشرفوا على إجراء العمليات الجراحية طيلة ال ١٨ سنة الماضية من فترة مرض بنين،  قالوا لم نر موقف من مريض مصاب بمرض السرطان مثل موقف بنين التي صارعت المرض بكل قوة ولم تخف منه، لا نستطيع وصف هذا الموقف البطولي المقاوم.
هناك حقيقة أن المرض ابتلاء من الله تعالى، ولكن هل تعلمون  أن للمرض فوائد، أن  تحمل المرض المرض، يعود عليه بفائدة كبيرة، الحكمة من المرض، لا يفعل الله شيء إلا بحكمة، حتى المرض يصيب الله به عباده لحكمة ما، قد تكون أن يرفعه درجة، أو يحط عنه خطيئة، أو أن الله سبحانه وتعالى يشتاق إلى سماع صوة عبده  بالدعاء.

والدليل على ذلك قوله تعالى{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}.
إن أعظم الناس بلاء هم الأنبياء والصالحين، محمد ص النبي العظيم ولد  يتيم الأب والأم، بل الموت غيب جده، بحياة رسول الله ص توفيت زوجته التي وقفت معه وناصرته، خديجة الكبرى، وتوفى أولاده حتى قريش وصفوه بالابتر وعوضه الله في بنته فاطمة ع ونزلت سورة إنا اعطيناك الكوثر بحق ابنته فاطمة الزهراء عليها السلام..
المرض هو تكفير للذنوب
قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍ ولا حزنٍ ولا أذىً ولا غمٍ حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه.

إن الله تعالى إذا احب عبدا ابتلاه حيث ورد عن رسول الله ص الحديث التالي، إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه.
فقد ورد عن الامام أبي عبد الله (عليه السلام) جعفر الصادق  قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) رفع رأسه إلى السماء فتبسّم فسُئل عن ذلك، قال: نعم عجبت لملكين هبطا من السماء إلى الأرض يلتمسان عبداً صالحاً مؤمناً في مصلّى كان يصلّي فيه ليكتبا له عمله في يومه وليلته فلم يجداه في مصلّاه فعرجا إلى السماء فقالا: ربّنا! عبدك فلان المؤمن التمسناه في مصلّاه لنكتب له عمله ليومه وليلته فلم نصبه فوجدناه في حبالك، فقال الله (عزّ وجلّ) اكتبا لعبدي مثل ما كان يعمل في صحّته من الخير في يومه وليلته ما دام في حبالي، فإنّ عليّ أن أكتب له أجر ما كان يعمل، إذ حبسته عنه‌.
حديث اخر، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يقول الله (عزّ وجلّ): للمَلك الموكّل بالمؤمن إذا مرض: اكتب له ما كنتَ تكتب له في صحّته، فإنّي أنا الذي صيّرته في حبالي‌.قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): سهر ليلة في مرض أفضل من عبادة سنة.
عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: “حمّى ليلة تعدل عبادة سنة، وحمّى ليلتين تعدل عبادة سنتين، وحمى ثلاث ليال تعدل عبادة سبعين سنة، قال: قلتُ: فإن لم يبلغ سبعين سنة؟ قال: فلأبيه ولأمّه، قال: قلتُ: فإن لم يبلغا؟ قال: فلقرابته، قال: قلتُ: فإن لم يبلغ قرابته؟ قال: فجيرانه‌.
رُويَ عن رسول الله ص،  أنّ المؤمن إذا حمّ حماة واحدة  تناثرت الذنوب منه كورق الشجر، فإن صار على فراشه فأنينه تسبيح وصياحه تهليل وتقلّبه على الفراش كمَن يضرب بسيفه في سبيل الله وإن أقبل يعبد الله (عزّ وجلّ) بين أصحابه كان مغفوراً له، فطوبى له إن مات وويله إن عاد، والعافية أحبّ إلينا.
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: “إنّ في كتاب علي (عليه السلام) إنّ أشدّ الناس بلاء النبيّون، ثم الوصيّون، ثمّ الأمثل فالأمثل، و إنّما يُبتلى المؤمن على قدر أعماله الحسنة، فمَن صحّ دينه وحسُن عمله اشتدّ بلاؤه، وذلك أنّ الله (عزّ وجلّ) لم يجعل الدّنيا ثواباً لمؤمن ولا عقوبة لكافر ومن سخُف دينه وضعُف عمله قلّ بلاؤه، وإنّ البلاء أسرع إلى المؤمن التقيّ من المطر إلى قرار الأرض‌.
واخيرا وداعا يا بنين، يامن سطرتي موقف بطولي شجاع في مواجهة مرض السرطان، اقدم عزائي إلى والد بنين الصديق الحاج سعيد حمود والذي كان زميلي في مرحلة الدراسة المتوسطة، وأقدم التعازي إلى الحاجة الدكتورة ام يوسف الكناني والدة الفقيدة الغالية، وعزائي إلى أشقاء وشقيقة الفقيدة بنين، تعازينا الحارة على اعمام الفقيدة الغالية الصديقان الحاج وليد والحاج مسلم حمود رفقاء  دربي في معارضة نظام البعث والعيش في المهجر، عزائي إلى عم الفقيدة الحاج خالد ابو احمد واشقائه الكرام أبو عبدالله حاج هاني وحاج حيدر، عزائنا إلى اعمام واخوال الفقيدة وجدها الحاج الاستاذ المربي ماجد الكناني وأولاده وخاصة الصديق الاستاذ الشيخ حامد ماجد الكناني، عزائي إلى كل أقارب الفقيدة الغالية  رحم الله الصابرة الفقيدة بنين ونسأل الله أن يحشرها مع محمد وآل بينه ويرزقها جنة الخلد، ابن الفقيدة الغالبية بنين الكثير من أبناء الجالية العراقية في مملكة الدنمارك نضع إليكم نص تأبين السيد الكابتن رؤوف الحلو حيث كتب( وداعا بنين، بنين لم تكن مجرد اسم، كانت حكاية صب،، وكانت درسًا في القوة والإيمان، أكثر من ستين عملية،وألم يفوق الوصف، ومع ذلك لم تنكسر… بل قاومت، وابتسمت، وحاربت حتى آخر نفس، رحلت بنين، لكنها لم تُهزم، غادرت الجسد المتعب، وبقيت روحها شاهدة على الشجاعة والعزيمة، يا بنين، تعبكِ لم يضع هدرًا، ووجعكِ رفعكِ درجة، ونحن نشهد أنكِ كنتِ بطلة حقيقية، واجهتِ المرض بقلبٍ أقوى منه، وداعًا أيتها المحاربة،سلامٌ على روحكِ الطاهرة، وسلامٌ على صبركِ الذي علّمنا معنى الثبات.
نسأل الله أن يجعل كل ألمٍ عشته
نورًا في قبركِ،
وجنّةً بلا وجع ولا عمليات ولا أوجاع.

إنا لله وإنا إليه راجعون).
رحلت بنين وبقيت مواقفها الشجاعةمع خالص التحية والتقدير.
نعيم عاتي الخفاجي 
كاتب وصحفي عراقي مستقل.
23/12/2025