فقدان الثقة بالنفس

فقدان الثقة بالنفس .
قلم (كامل سلمان )
الثقة بالنفس أو ما يسمى باللغة الإنكليزية ( self-confidence ) هي السر الأكبر لقوة شخصية الإنسان وقدرته على رسم مسار حياته بمعنوية عالية وهي مصدر الإلهام والسعادة والنجاح ، فالحياة تبدأ وتنمو وتزدهر مع الثقة بالنفس . الفاشل أو التعيس هو الذي يفتقر إلى الثقة بالنفس ، قد يسأل سائل هنالك فاشلون لكنهم واثقون من أنفسهم ومثال ذلك الجهلاء والمجرمون والعدوانيون هؤلاء سلوكياتهم مليئة بالثقة والجرأة والجسارة . ليس من الإنصاف تسمية السلوك المنحرف ثقة بالنفس بل هو مرض نفسي ، لا نتحدث هنا عن الفشل الذي تخلقه مصاعب الحياة إنما الفشل الذي يخلقه الإنسان لنفسه ، مالا يعرفه الناس هو أن الجاهل ثقته بنفسه نابعة من العقل الجمعي أي عن طريق القطيع ، وعندما ينقطع عن القطيع تنهار ثقته بنفسه ، فهو تمام الثقة ضمن القطيع وسعادته مع القطيع ، فالقطيع هو تيار الشحن للثقة بالنفس بالنسبة للجاهل ، متى ما أنقطع هذا التيار انطفئت ثقته بنفسه ، العاقل لا يعلن نفسه واثق جداً مهما بلغت به مراتب الثقة فهو يترك مجالاً للشك أو عدم اليقين ولا يدعي بأنه واثق جداً لكنه يسير بخطى ثابته و يتكأ على الرؤيا العلمية الصحيحة ولا يتردد مع القناعة الكاملة التي تعزز الثقة بالنفس . أما المجرمون والعدوانيون في حقيقتهم هم أكثر الناس انعداماً للثقة بالنفس وهذا ما يقوله الاخصائيون في الطب النفسي ، فكل إنسان غير طبيعي السلوك هو يفتقر إلى الثقة بالنفس ، فلننظر إلى رأي الفلسفة الوجودية حول الثقة بالنفس وكلنا نعلم بأن مبادىء وأفكار الفلسفة الوجودية التي هي الفلسفة المعتمدة في حياة المجتمعات المتقدمة ، الفلسفة الوجودية تعتبر الإنسان هو من يصنع وجوده بنفسه وهو من يكتب عليها الفناء ومقولاتهم الشهيرة ( الإنسان يصنع الحياة ) ( أنا أفكر أنا موجود ) ( إذا وجد شخص معاق ولم يصبح في يوم من الأيام عدّاءاً من الطراز الأول فلا يلومن إلا نفسه ) هذه المقولات تتدرب عليها المجتمعات الناجحة بشكل عملي ، فأن مثل هذه الأفكار لا تأتي صدفة لكنها تأتي لتقول بأن الحياة قائمة على الثقة بالنفس وبدونها لا معنى للحياة ، العوائل المتعلمة تسعى لزرع الثقة بالنفس عند الأطفال لكي يصبح هذا الطفل قادراً على مواجهة الحياة بقوة ، الرجل الناجح يسعى لزرع الثقة بالنفس عند أفراد عائلته وخاصة الزوجة لتدير حياة العائلة بنجاح ، المدارس بالمجتمعات المتحضرة تبني الثقة بالنفس عند التلاميذ وخاصة الصغار لأن كيان المجتمع يقف على الفرد الواثق بنفسه ، فمثلاً في تلك المجتمعات نجد الإنسان ذي الشكل القبيح والإنسان المعاق والقصير والضعيف والمشوه خلقياً لا يشعر بالنقص بل العكس نجده يشعر بثقة عالية رغم النقص الذي يعاني منه ، تلك المجتمعات تربوا أن ينظروا للجوانب الإيجابية في شخصياتهم وتركيبتهم بدل أن يتحسروا على الجوانب السلبية أو النواقص لتصبح كابوساً في حياتهم ، لذا فهم يمارسون حياتهم بثقة عالية ومن موقع القوة وفعلاً نراهم ينجحون دون إنكسار ، بينما نجد في مجتمعاتنا كل هؤلاء الذين يعانون من النقص في تركيبتهم يشعرون بالنقص و الإنهزام والأكثر من ذلك نجد المجتمع ذاته يعيبهم ويزيد من إنكسارهم ويعمق جراحاتهم ، هذه الحالة لا ينتبه إليها من لا يمتلك الثقافة و الوعي العالي بأن نقص الثقة بالنفس سبباً لكثير من مشاكل وهموم المجتمع ولا يدري بأن الثقة بالنفس عمود قيام الفرد والمجتمع . . من أكبر المشاكل التي تعانيها شعوب الدول المتخلفة هي صراع الثقة والثقة بالنفس بين المواطن والحكومة ، فالحكومات أو الأنظمة في دول العالم النائم دائماً ما تكون تحت تأثير ايدلوجيات عنيفة تعمل على أن تحبط الثقة بالنفس عند المواطن ، لماذا ؟ لأن هذه الأيدولوجيات هي بالأساس ايدولوجيات ثورية تطالب المواطن أن يضحي من اجلها فالمواطن المحترم ذو العقلية الناضجة والشخصية المتزنة الواثق من نفسه في ظل هذه الأنظمة يشكل عائقاً كبيراً لهذه الأنظمة ، هذا المواطن سيصبح في موقع الراصد المتحدي لأي إداء سيء تقوم به الحكومة لذلك تسعى تلك الأنظمة لنزع هذه الثقة عند المواطن ليبتعد عن طريقها ولكي تنجح أيديولوجياتها يبدأون بخلق المعاناة ويجعلون المواطن مبتلى بالمشاكل والأزمات فاقد الثقة بنفسه لأن الهموم الزائده تحطم نفسية الإنسان ، يحيطونه بالفقر والفاقة وضعف الأمن والأمان والخوف وقلة الخدمات وعدم توفر فرص العمل والمستقبل المبهم المجهول ، كل هذه الأمور تضعف تطلعات المواطن وتثبط عزيمته وبالتالي تضعف ثقته بنفسه ، هذه مشكلة مزمنة تعاني منها المجتمعات البائسة وتعودت عليها الأنظمة التي لا يهمها سوى استمراريتها في السلطة . وختاماً يجب الإشارة إلى أن بناء الثقة بالنفس ليست عملية توعوية ببضع كلمات بل هي تربية عقلية نفسية علمية تحتاج إلى مناهج علمية متطورة تشارك بها الدولة والبيت والمجتمع وتقف خلفها أيدولوجيات إنسانية متفتحة علمياً ، فمن الخطأ أن ننظر إلى التخلف الذي يعصف بمجتمعاتنا من زاوية واحدة ، فهناك زوايا وأسباب كثيرة تقف في مقدمتها نقص الثقة بالنفس عند عموم الناس والتي أمست موروثاً تتناقله الأجيال دون إرادة منها . فهل يعقل أن رجلاً بالغاً يفكر بمستوى عقل الأطفال ؟ نعم هذا الشيء شائع في مجتمعاتنا للأسف الشديد .