شارع المتنبي: ذاكرة من ورق

رياض الفرطوسي

ليس من العدل أن يُختصر شارع المتنبي في كونه سوق كتب. فالمتنبي ليس شارعاً بالمعنى العمراني، بل منظومة ثقافية كاملة، تراكمت عبر قرن ونصف، حتى صارت تختصر بغداد وهي تفكر، وتقرأ، وتجادل، وتختلف، ثم تعود لتجلس معاً حول طاولة قهوة وكتاب.

اختيار اسم المتنبي لم يكن مصادفة، ولا زينة لغوية. المتنبي، القائل: (وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ)، لم يمنح الشارع اسمه فقط، بل منح روحه. هنا، الكتاب ليس سلعة، بل جليساً فعلياً، يُمسك باليد، ويُشمّ، ويُجادَل حوله، ويُورّث من جيل إلى جيل.

يمتد الشارع بمحاذاة دجلة، كأن النهر هو الهامش المائي لكتاب مفتوح. على جانبيه، تتراص دور النشر والمكتبات وبسطات الكتب، لا بوصفها محلات تجارية، بل بوصفها خلايا ذاكرة. دور نشر عريقة، وأخرى حديثة، كتب نادرة، ومخطوطات، وطبعات نفدت من العالم وبقيت هنا، كأن المتنبي قرر أن يكون مخزن ما نسيه الآخرون.

ولا يكتمل المتنبي دون سوق القرطاسية، حيث الورق هنا لا يقل قداسة عن الفكرة، الأقلام، الدفاتر، الحبر… أدوات التفكير قبل أن تكون أدوات كتابة. كأن الشارع يقول: قبل أن تقرأ، تذكّر كيف تُصنع القراءة.

في قلب هذا المشهد، تقف القشلة، بثقلها التاريخي، لا كمبنى صامت، بل كذاكرة حجرية تراقب تحولات الشارع. وإلى جوارها، مقر المدى، الذي لم يكن مجرد مؤسسة ثقافية، بل منصة دائمة للنقاش الحر، ورافعة للندوات الأسبوعية التي تحوّل المتنبي من سوق إلى منتدى، ومن شارع إلى ساحة فكر مفتوحة. في ندوات المدى، لا يُلقى الكلام من فوق، بل يُدار أفقياً، حيث المثقف، والقارئ، والعابر، شركاء في السؤال.

وعندما نذكر الأيقونات، لا يمكن تجاوز مقهى الشاهبندر، المكان الذي يشبه ذاكرة بغداد الجالسة على كرسي. هنا، لا تُشرب القهوة فقط، بل تُستعاد الأسماء، وتُروى السِيَر، وتُناقش الكتب التي لم تُكتب بعد. الشاهبندر ليس مقهى، بل أرشيف حيّ، يختزن وجوهاً غابت وبقيت حاضرة في الحكايات.

وإلى جانبه، مقهى حنش، مقهى المثقفين بامتياز. أقل ضجيجاً، أكثر تركيزاً، يشبه غرفة كتابة جماعية. هنا تُصاغ الأفكار الأولى، وتُناقش المخطوطات، وتتشكل صداقات فكرية لا تعلن عن نفسها، لكنها تؤثر طويلًا.

وإذا تقدمت قليلًا، ستصل إلى القارب، ذلك العبور الرمزي والفعلي إلى جهة الكرخ. القارب ليس وسيلة نقل فقط، بل استعارة: عبور من ضفة المعرفة إلى ضفة الحياة اليومية، ومن الورق إلى المدينة، ومن الفكرة إلى الواقع. كأن المتنبي لا يكتفي بأن يمنحك الكتب، بل يرافقك حتى تعود بها إلى بغداد الأخرى.

ما يجعل المتنبي حياً، ليس أنه مفتوح طوال الأسبوع فقط، بل لأنه يتغير دون أن يفقد نفسه. في أيام الجمع، يبلغ ذروته، يتحول إلى كرنفال ثقافي: شعر، موسيقى، نقاشات، وجوه جاءت لتُرى بقدر ما جاءت لترى. أما في الأيام العادية، فيبقى نابضًا بهدوء، مثل قلب لا يحتاج إلى ضجيج ليؤكد أنه يعمل.

اليوم، يمكن القول إن المتنبي لم يعد مجرد شارع ثقافي، بل نبض بغداد الثقافي. في زمن العزلة الرقمية، صار المتنبي مساحة مضادة: يذكّرك بأن المعرفة علاقة، وأن الثقافة فعل جماعي، وأن الكتاب حين يخرج إلى الشارع، يصبح قوة اجتماعية لا مجرد نص.

لهذا كُتب عن المتنبي، ولهذا سيُكتب عنه دائماً. لأنه ليس ذاكرة محفوظة في الأرشيف، بل ذاكرة من ورق تمشي، تتكلم، وتجادل، ثم تبتسم وهي تفتح كتاباً جديداً.