جديد

مفاهيم الشريعة والاحياء والوصية والاجتباء عند العلامة الطباطبائي في الميزان

د. فاضل حسن شريف

جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز وجل “شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ” ﴿الشورى 13﴾ فصل ثالث من الآيات يعرف الوحي الإلهي بأثره الذي هو مفاده وما احتوى عليه من المضمون وهو الدين الإلهي الواحد الذي يجب على الناس أن يتخذوه سنة في الحياة وطريقة مسلوكة إلى سعادتهم. وقد بين فيها بحسب مناسبة المقام أن الشريعة المحمدية أجمع الشرائع المنزلة وأن الاختلافات الواقعة في دين الله على وحدته ليست من ناحية الوحي السماوي وإنما هي من بغي الناس بعد علمهم، وفي الآيات فوائد أخر أشير إليها في خلالها. قوله تعالى: “شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى” ﴿الشورى 13﴾ يقال: شرع الطريق شرعا أي سواه طريقا واضحا بينا. قال الراغب: الوصية التقدم إلى الغير بما يعمل مقترنا بوعظ من قولهم: أرض واصية متصلة النبات ويقال: أوصاه و وصاه انتهى. وفي معناه إشعار بالأهمية فما كل أمر يوصى به وإنما يختار لذلك ما يهتم به الموصي ويعتني بشأنه. فقوله: “شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا” ﴿الشورى 13﴾ أي بين وأوضح لكم من الدين وهو سنة الحياة ما قدم وعهد إلى نوح مهتما به، واللائح من السياق أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمته، وأن المراد مما وصى به نوحا شريعة نوح عليه السلام. وقوله: “والذي أوحينا إليك” ﴿الشورى 13﴾ ظاهر المقابلة بينه وبين نوح عليه السلام أن المراد بما أوحي إليه ما اختصت به شريعته من المعارف والأحكام، وإنما عبر عن ذلك بالإيحاء دون التوصية لأن التوصية كما تقدم إنما تتعلق من الأمور بما يهتم به ويعتنى بشأنه خاصة وهو أهم العقائد والأعمال، وشريعته صلى الله عليه وآله وسلم جامعة لكل ما جل ودق محتوية على الأهم وغيره بخلاف شرائع غيره فقد كانت محدودة بما هو الأهم المناسب لحال أممهم والموافق لمبلغ استعدادهم. والالتفات في قوله: “والذي أوحينا” من الغيبة إلى التكلم مع الغير للدلالة على العظمة فإن العظماء يتكلمون عنهم وعن خدمهم وأتباعهم.

وقوله تعالى: “وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى” ﴿الشورى 13﴾ عطف على قوله: “ما وصى به” والمراد به ما شرع لكل واحد منهم عليهم السلام. والترتيب الذي بينهم عليهم السلام في الذكر على وفق ترتيب زمنهم فنوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى عليه السلام، وإنما قدم ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم للتشريف والتفضيل كما في قوله تعالى: “وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ” (الأحزاب 7) وإنما قدم نوحا وبدأ به للدلالة على قدم هذه الشريعة وطول عهدها. ويستفاد من الآية أمور: أحدها: أن السياق بما أنه يفيد الامتنان وخاصة بالنظر إلى ذيل الآية والآية التالية يعطي أن الشريعة المحمدية جامعة للشرائع الماضية ولا ينافيه قوله تعالى: “لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا” (المائدة 48) لأن كون الشريعة شريعة خاصة لا ينافي جامعيتها.

وقوله سبحانه: “كبر على المشركين ما تدعوهم إليه” ﴿الشورى 13﴾ المراد بقوله: “ما تدعوهم إليه” دين التوحيد الذي كان يدعو إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا أصل التوحيد فحسب على ما تشهد به الآية التالية، والمراد بكبره على المشركين تحرجهم من قبوله. وقوله: “الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب” ﴿الشورى 13﴾ الاجتباء هو الجمع والاجتلاب، ومقتضى اتساق الضمائر أن يكون ضمير “إليه” الثاني والثالث راجعا إلى ما يرجع إليه الأول والمعنى الله يجمع ويجتلب إلى دين التوحيد وهوما تدعوهم إليه من يشاء من عباده ويهدي إليه من يرجع إليه فيكون مجموع قوله: “كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء” في معنى قوله: “هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ” (الحج 78). وقيل: الضميران لله تعالى، ولا بأس به لكن ما تقدم هو الأنسب، وعلى أي حال قوله: “الله يجتبي إليه” إلى آخر الآية موضوع موضع الاستغناء عن إيمان المشركين المستكبرين للإيمان نظير قوله تعالى: “فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ” (فصلت 38). وقيل: المراد بما تدعوهم إليه ما تدعوهم إلى الإيمان به وهو الرسالة أي إن رسالتك كبرت عليهم، وقوله: “الله يجتبي” إلخ في معنى قوله: “اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ” (الأنعام 124) وهو خلاف الظاهر.