هل يتحرر العراق من الهيمنة ويستعيد قراره السيادي في حال سقوط النظام الديني الثيوقراطي الإيراني؟

إعداد وتقديم صباح البغدادي

ما تزال تشهد العاصمة طهران وبقية المحافظات والمدن الإيرانية احتجاجات ومظاهرات جماهيرية وشعبية واسعة لليوم الـ15 تواليا وسط انقطاع شامل للإنترنت، منذ أن انطلقت الاحتجاجات في 28 كانون الأول الماضي بسبب ارتفاع الأسعار وسوء الأوضاع المعيشية والاقتصادية ، بعد أن وصل سعر صرف العملة المحلية الريال إلى مستويات متدنية وارتفع التضخم إلى 43% وفق الأرقام الرسمية وسقوط قتلى وجرحى حسب ما نقلته وكالة “أنباء نشطاء حقوق الإنسان” -ومقرها الولايات المتحدة– أن حصيلة القتلى في الاحتجاجات ارتفعت إلى أكثر من 116 قتيلا وأكثر من 2600 معتقل لغاية اليوم الأحد 11 ك2 ويرجح بان الإعداد سوف ترتفع اذا استمرت المظاهرات على هذا المنوال .

تأتي المظاهرات في لحظة إقليمية حساسة، حيث تتقاطع الأزمات الداخلية مع ضغوط خارجية متراكمة. هذه التطورات لا تهم الداخل الإيراني وحده، بل تفتح الباب أمام أسئلة استراتيجية عميقة تتعلق بمستقبل نفوذ إيران في المنطقة، وعلى رأسها السؤال العراقي:
هل يشكّل سقوط النظام الديني الثيوقراطي في إيران فرصة حقيقية لتحرر العراق من الهيمنة واستعادة قراره السيادي؟

هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بعاطفة أو أمنيات، بل عبر تفكيك بنية النفوذ، وطبيعة الدولة العراقية، وسيناريوهات ما بعد أي تحول جذري في طهران سواء اكان نظام حكم مكلي دستوري او من خلال البقاء على النظام الجمهوري الاسلامي من دون سلطة ولاية الفقيه والتي قد يترأسها التيار الإصلاحي وهذا هو المرجح اكثر من خلال قراءة متانية الى الاوضاع وطبيعة المجتمع الايراني الذي يرزخ بالكثير من القوميات والمذاهب والأحزاب وأفكارها اليسارية والاشتراكية وحتى الرأسمالية . ويمكن ان نلخص التطورات التي قد تاتي خلال الايام والاسابيع القادمة على ضوء تقبلها في الداخل العراقي وتاثيرها على القرار السيادي !

أولًا: طبيعة الهيمنة الإيرانية على العراق

النفوذ الإيراني في العراق لم يكن يومًا أحادي البعد، بل تشكّل عبر أربعة مسارات متداخلة:

  1. المسار السياسي: دعم قوى وأحزاب عراقية نشأت أو تعززت في ظل العلاقة العضوية مع طهران.
  2. المسار الأمني والعسكري: عبر فصائل مسلحة تتجاوز أحيانًا سلطة الدولة وتعمل ضمن منطق “الدولة الموازية”.
  3. المسار الاقتصادي: ربط قطاعات حيوية من السوق العراقية بالاقتصاد الإيراني، خاصة في الطاقة والتجارة.
  4. المسار الأيديولوجي/الديني: توظيف الخطاب العقائدي لتبرير النفوذ ومنحه غطاءً “مقدسًا”.

وبالتالي، فإن سقوط النظام الإيراني – إن حدث – لا يعني تلقائيًا انهيار هذه الشبكات دفعة واحد

ثانيًا: ماذا يعني سقوط النظام الثيوقراطي الإيراني؟

إذا افترضنا سيناريو سقوط النظام الديني القائم في إيران، فهناك ثلاثة احتمالات رئيسية لطبيعة ما بعد السقوط:

  1. انتقال منظم إلى نظام وطني أقل أيديولوجية
    في هذا السيناريو، ستنشغل إيران بإعادة بناء الداخل، ما يقلّص اندفاعها الخارجي، ويضعف قدرتها على إدارة نفوذ مكلف في دول مثل العراق.
  2. فوضى داخلية أو صراع على السلطة
    وهنا قد تلجأ بقايا النظام أو مراكز القوة إلى استخدام أوراقها الخارجية – ومنها العراق – كورقة ضغط أو تصدير أزمة.
  3. إعادة إنتاج النظام بشكل مختلف
    أي تغيير شكلي مع الحفاظ على جوهر النفوذ الإقليمي، وهو السيناريو الأكثر تعقيدًا وخطورة.

ليس كل “سقوط” بالضرورة تحررًا للآخرين.

ثالثًا: هل العراق جاهز لاستعادة قراره السيادي؟

السؤال الأهم ليس فقط: ماذا سيحدث في إيران؟ بل: ماذا سيفعل العراق إن حدث ذلك؟

تحرر العراق لا يعتمد على ضعف الخارج فقط، بل على توفر ثلاثة شروط داخلية:

  1. إرادة سياسية وطنية عابرة للطوائف
    دون مشروع وطني جامع، سيبقى أي فراغ خارجي فرصة لقوى داخلية متصارعة، لا لبناء السيادة.
  2. احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني
    لا سيادة مع تعدد مراكز القوة، حتى لو تغيّر الداعم الخارجي.
  3. تحرير القرار الاقتصادي
    الاستقلال السياسي لا يُبنى على اقتصاد هشّ أو تابع.

إذا غابت هذه الشروط، فإن سقوط الهيمنة الإيرانية قد يُستبدل بهيمنة أخرى، إقليمية أو دولية.

رابعًا: السيناريوهات المحتملة للعراق

يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:

  • سيناريو الفرصة التاريخية
    تستغل فيه النخب الوطنية العراقية التحول الإيراني لإعادة ضبط العلاقة على أساس المصالح المتبادلة، لا التبعية.
  • سيناريو الفوضى والارتداد
    حيث تتصارع القوى الداخلية، وتتحول الساحة العراقية إلى ساحة تصفية حسابات ما بعد إيران.
  • سيناريو الجمود
    لا تغيير جوهري، لأن أدوات النفوذ انتقلت من دولة إلى شبكات محلية متجذرة. ولان سقوط النظام الديني الثيوقراطي في إيران – إن حدث – سيكون بدوره ليس فقط حدثًا مفصليًا في الشرق الأوسط، ولكنه في الوقت نفسه ليس ضمانة أكيدة وتلقائية لتحرر العراق.
    التحرر الحقيقي يبدأ من الداخل: من بناء دولة، لا انتظار انهيار الآخرين.

الفرص التاريخية لا تأتي كثيرًا، لكنها أيضًا لا تُجدي نفعًا إذا لم تجد من يلتقطها. ونحن نتابع عن كثب تطورات الاحداث وما يتم تدجاوله من خلال القنوات الاخبارية العراقية حيث تذهب بعض التحليلات المتداولة في البرامج الحوارية السياسية مؤخرًا إلى افتراضات غير واقعية، من بينها الادعاء بأن إيران قد تتحول، في حال حدوث تغيير جذري، إلى “دولة سنّية”. هذا الطرح يفتقر إلى الأسس الدستورية والتاريخية والاجتماعية، ويقع في إطار التبسيط المخلّ للتحولات البنيوية المعقّدة.

فمن الناحية الدستورية، ينص الدستور الإيراني صراحة على أن المذهب الجعفري الاثني عشري هو المذهب الرسمي للدولة، وهو نصّ تأسيسي لا يمكن تجاوزه عبر تحولات سياسية آنية أو احتجاجات شعبية، حتى في حال سقوط النظام القائم. وعليه، فإن أي نقاش جاد حول مستقبل إيران يجب أن يميّز بين تغيير طبيعة النظام السياسي وبين تغيير الهوية المذهبية للدولة، وهما مساران مختلفان جذريًا.

السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل في تحوّل مذهبي، بل في إعادة تشكيل النظام السياسي، سواء عبر الانتقال من النظام الجمهوري الديني القائم على مبدأ ولاية الفقيه إلى:

  • نظام جمهوري مدني مع تقليص أو إلغاء البعد الديني في الحكم،
  • أو إعادة إنتاج شكل من أشكال النظام الملكي الدستوري،
  • أو صيغة هجينة تحافظ على الجمهورية مع إزاحة البنية الثيوقراطية.

كما أن أحد السيناريوهات المحتملة يتمثل في صعود التيار الإصلاحي الإيراني بوصفه بديلاً “من داخل النظام”، حيث قد يتم إلغاء أو تعطيل مبدأ ولاية الفقيه مع الإبقاء على الإطار الجمهوري، بما يسمح بإعادة تطبيع علاقة إيران مع المجتمع الدولي دون انهيار كامل لمؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق، لا يمكن استبعاد استلهام نماذج انتقالية من تجارب دول أخرى، مثل الحالة الفنزويلية، حيث تسعى القيادة الحالية – رغم طبيعتها الإشكالية – إلى فتح قنوات تفاوض مع الإدارة الأمريكية لإعادة دمج الدولة في النظام الدولي، دون تغيير جذري في هوية النظام بقدر ما هو تعديل في سلوكه الخارجي ووظائفه الاقتصادية.

وعليه، فإن القراءة الاستباقية الرصينة لمستقبل إيران تشير إلى أن التحولات المحتملة ستكون سياسية – مؤسساتية بالدرجة الأولى، لا مذهبية أو هوياتية، وأن أي تحليل يتجاوز هذا الإطار يبتعد عن المنهج العلمي ويدخل في دائرة الخطاب الإعلامي الشعبوي.

تتداول بعض التحليلات الإعلامية، لا سيما في البرامج الحوارية السياسية، افتراضات تفتقر إلى الأساس العلمي، من بينها القول بإمكانية تحوّل إيران إلى “دولة سنّية” في حال سقوط النظام الديني القائم. هذا الطرح يعكس خلطًا واضحًا بين التحول السياسي والتحول الهوياتي، ويتجاهل البنية الدستورية والتاريخية للدولة الإيرانية.

فإيران، وفقًا لنصوصها الدستورية التأسيسية، تُعرّف نفسها كدولة ذات مرجعية شيعية جعفرية اثني عشرية، وهو عنصر بنيوي في هوية الدولة، وليس مجرد خيار سياسي قابل للتبديل السريع. وعليه، فإن أي تغيير محتمل – حتى في ظل احتجاجات واسعة أو انهيار النظام القائم – لا يُترجم بالضرورة إلى تغيير في الهوية المذهبية للدولة.

التحولات الأكثر واقعية تتمثل في إعادة تشكيل النظام السياسي لا في إعادة تعريف الهوية الدينية. ومن بين السيناريوهات المطروحة:

  • الانتقال من نظام جمهوري ديني قائم على مبدأ ولاية الفقيه إلى نظام جمهوري مدني،
  • أو إعادة إحياء صيغة ملكية دستورية،
  • أو الإبقاء على الإطار الجمهوري مع إلغاء أو تحجيم ولاية الفقيه عبر قوى إصلاحية من داخل النظام.

وفي هذا السياق، يمكن تصور سيناريو انتقالي يستلهم تجارب دول أخرى لم تشهد قطيعة كاملة مع بنيتها السياسية، بل أعادت تموضعها دوليًا عبر تسويات مرحلية، كما هو الحال في التجربة الفنزويلية، حيث تُستخدم المفاوضات مع القوى الدولية كأداة لإعادة الدمج في النظام الدولي دون تغيير جذري في هوية الدولة.

بناءً على ذلك، فإن التحليل الاستباقي الرصين يخلص إلى أن مستقبل إيران، في حال حدوث تغيير، سيكون محكومًا بمعادلات سياسية ومؤسساتية معقّدة، وليس بتحولات مذهبية جذرية، وأن تجاهل هذا التمييز يُضعف أي قراءة استراتيجية جادة.

النقطة الثانية: انعكاسات التغيير المحتمل في إيران على القرار السياسي والاقتصادي العراقي

من الضروري، في أي قراءة استشرافية للتحولات الإقليمية، إدراك أن أي تغيير جوهري في بنية نظام الحكم الإيراني سينعكس بشكل مباشر، وربما فوري، على الواقع السياسي والاقتصادي في العراق. فالعلاقة بين الدولتين خلال العقدين الماضيين لم تكن علاقة جوار تقليدية، بل علاقة تأثير بنيوي متداخل طال آليات صنع القرار، وتوازنات السلطة، وحتى مسارات الاقتصاد العراقي.

وفي حال سقوط نظام ولاية الفقيه واستبداله بنظام سياسي آخر، فإن العراق سيدخل مرحلة ترقّب حاسمة، ستتضح ملامحها خلال الأيام والأسابيع الأولى من التحول. هذا التحول لن يقتصر أثره على مستوى الخطاب السياسي، بل سيمتد إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل المنظومة الحاكمة العراقية نفسها.

وفق قراءة استباقية، قد تبدو صادمة للبعض، فإن عددًا غير قليل من القيادات المنضوية ضمن الإطار التنسيقي – وربما غالبيتها – تنظر في قرارة نفسها إلى سقوط نظام ولاية الفقيه بوصفه فرصة للتحرر من علاقة تبعية طويلة الأمد فرضتها ظروف ما بعد الغزو والاحتلال. هذه التبعية، التي قيّدت هامش المناورة السياسي لهذه القوى، جعلتها في كثير من الأحيان تعمل تحت مظلة خارجية وفّرت الحماية بقدر ما فرضت الوصاية.

انهيار هذه المظلة سيؤدي بالضرورة إلى نتيجتين متوازيتين:

  • الأولى، تحرير نسبي للقرار السياسي العراقي، بما يسمح بإعادة تعريف مفهوم السيادة الوطنية بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.
  • والثانية، كشف عدد من القيادات السياسية، الشيعية والسنية على حد سواء، للمساءلة القانونية، في حال توفرت إرادة مؤسساتية حقيقية داخل مجلس النواب لمحاسبة المسؤولين المتورطين في الفساد، بعد زوال عامل الحماية الإقليمية.

وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن استعادة القرار السيادي العراقي أكثر واقعية، لا سيما فيما يتعلق بحرية اختيار المناصب السيادية العليا، كمنصبي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، على أساس التوازنات الوطنية الداخلية لا التوافقات المفروضة من الخارج.

اقتصاديًا، يُعدّ هذا التحول محتملًا ذا أثر بالغ الأهمية، إذ قد يفتح الباب أمام:

  • تقليص النفوذ الإيراني في مفاصل الاقتصاد العراقي،
  • تحرير السوق العراقية من أشكال التبعية غير المتكافئة،
  • والحد من أنماط الهدر والفساد المرتبطة بآليات مالية حساسة، من بينها ملف مزاد العملة في البنك المركزي، الذي طالما ارتبط بشبكات مصالح عابرة للحدود.

وعليه، فإن أي تحول في النظام الإيراني لا ينبغي قراءته فقط كحدث داخلي، بل كعامل مفصلي قد يعيد رسم معادلة السيادة السياسية والاقتصادية في العراق، شريطة توفر الإرادة الوطنية والمؤسسات القادرة على استثمار هذه اللحظة التاريخية.

النقطة الثالثة: إشكالية ازدواج القوة المسلحة واحتمالات الانزلاق إلى الصراع الداخلي في إيران

أُنشئ الحرس الثوري الإيراني، بما يمتلكه من تفرعات أمنية واستخبارية وعسكرية، بوظيفة محددة تتمثل في حماية النظام السياسي القائم على ولاية الفقيه من أي تهديد داخلي محتمل، سواء تمثل ذلك في انقلاب عسكري تقليدي تقوده القوات المسلحة النظامية، أو في انتفاضة شعبية تهدد استمرارية “الثورة الإسلامية” بوصفها نظام حكم. ومنذ تأسيسه، لم يكن الحرس الثوري مؤسسة عسكرية تقليدية بقدر ما كان جهازًا أيديولوجيًا مسلحًا يتجاوز في ولائه الدولة إلى النظام.

هذه الصيغة تم استنساخها، مع اختلاف السياق، في التجربة العراقية عبر تشكيل “الحشد الشعبي” تحت غطاء مواجهة تنظيم داعش. غير أن الدور الوظيفي لهذا التشكيل تطور لاحقًا من قوة طوارئ أمنية إلى أداة سياسية–عسكرية تهدف إلى حماية منظومة الحكم الطائفي والمذهبي، بما يشبه إلى حد بعيد نموذج “حماية النظام” لا “حماية الدولة”.

في ضوء ذلك، تكتسب المظاهرات الواسعة التي تشهدها إيران اليوم دلالات تاريخية مقارنة، إذ تستحضر – من حيث الحجم والانتشار – الاحتجاجات التي سبقت سقوط نظام الشاه. غير أن الفارق الجوهري بين التجربتين يكمن في طبيعة المطالب؛ فبينما كانت احتجاجات ما قبل 1979 ذات طابع أيديولوجي وديني، تتمحور الاحتجاجات الراهنة حول قضايا معيشية واقتصادية واجتماعية، ما يمنحها قاعدة جماهيرية أوسع وأقل قابلية للاحتواء الأيديولوجي.

وفق القراءة الاستباقية، فإن تفاقم الأوضاع الاقتصادية قد يدفع هذه الاحتجاجات إلى مرحلة أكثر حدة، تتجاوز الطابع السلمي إلى احتمالات الانفلات الأمني أو ما يمكن توصيفه بـ”حرب الشوارع”، لا سيما في حال انقسام مؤسسات القوة المسلحة. ويُطرح هنا سيناريو بالغ الحساسية يتمثل في احتمال انحياز الجيش الإيراني النظامي إلى المطالب الجماهيرية، أو على الأقل التزامه الحياد، في مقابل تمسك الحرس الثوري بالدفاع عن النظام بوصفه الضامن الأساسي لبقائه.

هذا الانقسام، إن تحقق، سيضع إيران أمام معضلة خطيرة تشبه نماذج معاصرة لصراعات داخلية ناتجة عن ازدواج القوة المسلحة، كما في الحالة السودانية، حيث أدى الصدام بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع إلى انهيار الاستقرار وتحول الدولة إلى ساحة صراع مفتوح.

وعليه، فإن أخطر سيناريوهات المرحلة القادمة لا يتمثل فقط في سقوط النظام أو بقائه، بل في كيفية إدارة الصراع داخل مؤسسات القوة، لأن انزلاق إيران إلى مواجهة داخلية مسلحة لن تكون تداعياته محصورة داخل حدودها، بل ستطال مجمل التوازنات الإقليمية، وفي مقدمتها العراق.

النقطة الرابعة: المواقف الإقليمية والدولية واحتمالات الخيار العسكري في مواجهة الحرس الثوري

من زاوية إقليمية أوسع، تتابع دول الخليج العربي تطورات المشهد الإيراني بدرجات متفاوتة من القلق والحذر، سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا. وتأتي المملكة العربية السعودية في مقدمة هذه الدول، ليس فقط بحكم ثقلها الإقليمي، بل أيضًا بسبب تجربتها الطويلة مع تداعيات السياسات الإيرانية العابرة للحدود.

تشير القراءة الاستراتيجية إلى أن التفضيل الخليجي العام، والسعودي على وجه الخصوص، يتمثل في حدوث التغيير داخل إيران من الداخل، أي عبر مسار سياسي أو مجتمعي يؤدي إلى إعادة تشكيل النظام، لا عبر تدخل عسكري خارجي مباشر تقوده الولايات المتحدة. ويعود ذلك إلى إدراك عميق بأن أي تغيير مفروض بالقوة العسكرية قد يُدخل المنطقة في حالة فوضى أمنية مفتوحة يصعب احتواؤها.

في المقابل، لا يمكن تجاهل البعد الأمريكي في المعادلة، خاصة في ظل الخطاب التصعيدي الذي عاد للظهور مع تهديدات صريحة بالتدخل في حال استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين. ووفق سيناريو استباقي محتمل، فإن أي تدخل عسكري أمريكي – إن وقع – لن يكون على شكل حرب شاملة، بل على هيئة ضربات دقيقة ومركّزة تستهدف البنية القيادية واللوجستية للحرس الثوري الإيراني، بما في ذلك مقراته، ومعسكراته، وشبكاته الصاروخية، وبناه التحتية العسكرية، بهدف إخراجه من معادلة الصراع الداخلي بوصفه الفاعل الأكثر تشددًا.

غير أن هذا الخيار، رغم طابعه “المحدود” نظريًا، ينطوي على مخاطر استراتيجية عالية. فالحرس الثوري، إذا وجد نفسه محاصرًا داخليًا ومعزولًا خارجيًا، قد يلجأ إلى استراتيجية التصعيد الشامل بوصفها “الخيار الأخير”، مستندًا إلى قدراته الصاروخية وشبكاته الإقليمية. وفي هذه الحالة، يصبح إشعال المنطقة احتمالًا واقعيًا، من خلال استهداف المصالح والقواعد الأمريكية في الخليج العربي، إضافة إلى توسيع نطاق المواجهة ليشمل إسرائيل.

تكمن خطورة هذا السيناريو في أنه ينقل الأزمة من إطارها الداخلي الإيراني إلى صراع إقليمي واسع متعدد الجبهات، وهو ما تسعى غالبية الفاعلين الإقليميين إلى تجنبه، لما يحمله من كلفة سياسية وأمنية واقتصادية باهظة، ليس فقط على إيران، بل على استقرار الشرق الأوسط ككل.

وعليه، فإن المفاضلة الاستراتيجية المطروحة أمام الأطراف الإقليمية والدولية لا تتمحور حول إسقاط النظام من عدمه، بل حول كيفية تحييد الحرس الثوري بوصفه عامل تفجير محتمل، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة قد تخرج عن السيطرة.

النقطة الخامسة: دور “الدولة العميقة” والمعارضة المنظمة في ترجيح مسارات التحول داخل إيران

على الرغم من أن التظاهرات الجارية في إيران تمثل الواجهة الأبرز للأحداث الراهنة، فإن العامل الحاسم في ترجيح مسار التحول لا يكمن في الشارع وحده، بل في البنية غير المرئية للسلطة، أو ما يمكن توصيفه بـ**“الدولة العميقة”**. هذه البنية، التي تشكلت عبر عقود، تتكون من تداخل مصالح ثلاث قوى رئيسية: تجار البازار، والمؤسسة الدينية، وأجزاء مؤثرة من المؤسسة العسكرية والأمنية، بما في ذلك الجيش النظامي والحرس الثوري.

في حال تطورت الاحتجاجات خلال الأيام أو الأسابيع القادمة وخرجت عن نطاق السيطرة، فإن هذه الدولة العميقة قد تتدخل بوصفها فاعلًا ترجيحيًا، ليس دفاعًا بالضرورة عن نظام ولاية الفقيه، بل حفاظًا على استمرارية الدولة والمصالح العليا للنخب الحاكمة. ووفق القراءة الاستباقية، فإن أحد السيناريوهات المرجحة يتمثل في التضحية بمبدأ ولاية الفقيه بوصفه عبئًا سياسيًا، مقابل إعادة إنتاج النظام من خلال التيار الإصلاحي، على غرار تجربة مرحلة الرئيس الأسبق محمد خاتمي، بما يسمح بامتصاص الغضب الشعبي وإعادة الانفتاح الخارجي.

ولا يمكن، نظريًا، استبعاد سيناريو القبول بصيغة ملكية دستورية، غير أن هذا الخيار يبقى ضعيف الاحتمال في المرحلة الراهنة، نظرًا لحساسيته الرمزية، ولعدم توفر توافق داخلي واضح حوله حتى الآن.

إلى جانب ذلك، يبرز دور المعارضة الإيرانية في الخارج بوصفها عنصرًا مكملًا لا محركًا رئيسيًا. وتضم هذه المعارضة طيفًا متنوعًا، من أبرز مكوناته منظمة مجاهدي خلق، إضافة إلى أحزاب وتيارات يسارية واشتراكية وشيوعية. ورغم محدودية تأثيرها المباشر داخل إيران في الوقت الحالي، فإن حضورها الإعلامي والسياسي قد يزداد أهمية في حال حدوث فراغ في السلطة أو انتقال سياسي غير منظم.

وتجدر الإشارة، في هذا السياق التاريخي المقارن، إلى أن سقوط نظام الشاه عام 1979 لم يكن نتاج الحراك الديني وحده بقيادة آية الله الخميني، بل ساهمت فيه بشكل فاعل قوى يسارية وثورية ومنظمة، كان لها دور محوري في تسريع انهيار النظام الملكي. غير أن رجال الدين المتشددين نجحوا لاحقًا في احتكار السلطة عبر إقصاء هذه القوى، من خلال السجون، والإعدامات، ودفع جزء كبير من المعارضة إلى المنفى، وهو درس تاريخي ما زال حاضرًا في حسابات مختلف الفاعلين اليوم.

وعليه، فإن مستقبل إيران لا يتوقف فقط على زخم الشارع، بل على قرارات النخب العميقة وقدرتها على إدارة الانتقال، إما عبر إصلاح منضبط يعيد إنتاج النظام، أو عبر صراع مفتوح يعيد تكرار أخطاء الماضي بصيغ جديدة.

دور البازار الإيراني في التحولات السياسية ودعم الحراك الشعبي

يمثل البازار الإيراني أكثر من مجرد شبكة اقتصادية؛ فهو مؤسسة اجتماعية وسياسية متجذرة في تاريخ إيران الحديث، تمتلك تأثيرًا بالغ الأهمية على استقرار الحكومات والسياسات الداخلية. تاريخيًا، شكل البازار مركزًا للنفوذ المدني والتجاري، حيث يضم نخبة من التجار الذين يمتلكون رأس المال، والعلاقات الاجتماعية، والقدرة على تحريك الموارد الاقتصادية، فضلاً عن شبكة واسعة من العلاقات المحلية وبالاخص من تاثيرهم المباشر على صناع القرار السيادي الحكومي وحتى التواجد الإقليمي وفي السياق الراهن ، تلعب شبكة البازار دورًا استراتيجيًا في المشهد السياسي والاجتماعي، لاسيما في ظل المظاهرات الصاخبة التي تشهدها المدن الإيرانية. فبينما تمثل الاحتجاجات الشعبية المطالب الاقتصادية والمعيشية محور الحركة، يمتلك البازار القدرة على تحويل هذه المطالب من احتجاجات موسمية إلى ضغط مؤسسي على النظام ولاية الفقيه .

لقد أثبت البازار دوره كـ مؤشر ومؤثر سياسي خلال مراحل مختلفة من التاريخ الإيراني الحديث، بدءًا من الثورة الدستورية مطلع القرن العشرين، وصولًا إلى الانتفاضات ضد الشاه في سبعينيات القرن الماضي، وصولًا إلى الاحتجاجات الحالية. ويستند تأثير البازار إلى ثلاثة عناصر رئيسية:

  1. القدرة الاقتصادية والضغط المالي في الأسواق والاقتصاد المحلي : يمتلك البازار أدوات اقتصادية قوية، مثل القدرة على تنظيم الإضرابات، ووقف حركة التجارة، والتأثير على الأسواق المحلية، بما يخلق ضغوطًا مالية مباشرة على الدولة، مما يجعله فاعلًا مؤثرًا في استقرار الحكومة، مما يضاعف من وقع الاحتجاجات على قدرة الدولة على الاستجابة ويخلق حالة من الضغط المالي والسياسي المتزامن.
  2. المصداقية الاجتماعية والسياسية والتاريخية كقوة وسيطة بين الدولة ومؤسساتها والشعب : يحظى البازار بمكانة اجتماعية رفيعة بين فئات واسعة من المجتمع الإيراني، حيث يُنظر إليه بوصفه حاميًا للمصالح الاقتصادية المحلية والحياة المعيشية للطبقة الوسطى والتجارية. هذه المصداقية تمكنه من التأثير على الرأي العام وتوجيه الحراك الشعبي، ومن حيث يتيح له التواصل مع القطاعات الشعبية والخطاب الديني الاعتدالي لتوجيه الحراك بطريقة تحفظ استمرارية الدولة، لكن مع فرض مطالب إصلاحية ملموسة.
  3. التفاعل والتكامل مع المؤسسات الدينية المؤثرة : تاريخيًا، ارتبط البازار بعلاقات وثيقة مع رجال الدين، ما مكّنه من لعب دور وسيط أو داعم للحركات الاحتجاجية، خاصة عندما تتقاطع المصالح الاقتصادية مع المطالب الاجتماعية والسياسية. وقد أظهر ذلك بشكل واضح خلال الثورة الإيرانية عام 1979، حيث كان للبازار دور محوري في دعم الاحتجاجات ضد الشاه، مساهماً في تعبئة الموارد اللوجستية والمالية، وتوفير غطاء اجتماعي للحراك، بما فيها التيارات الإصلاحية، التي يمكن أن تستفيد من شبكة البازار لتسريع عملية إعادة التوازن السياسي، سواء عبر تخفيف نفوذ الحرس الثوري أو دعم إصلاحات محددة داخل النظام.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن البازار الإيراني يشكل أحد الأعمدة الاستراتيجية في الحراك الشعبي الإيراني، ليس فقط من خلال دوره الاقتصادي، بل أيضًا كعامل مؤثر في توجيه السياسة الداخلية، ودعم تيارات الإصلاح أو التغيير، وفي بعض الحالات، كقوة ضغط قادرة على إضعاف أو إسقاط الحكومات التي تفشل في تلبية مصالحه الاقتصادية والاجتماعية.لذلك، يظهر البازار اليوم كعامل موازن ومحدد لمسار التحولات السياسية، إذ يمكن أن يساهم في دفع النظام نحو إصلاحات مدروسة، أو في تعزيز الدور الشعبي المؤثر في السياسة، دون اللجوء إلى انهيار كامل للبنية السياسية للدولة. ومن زاوية استشرافية، فإن قدرة البازار على تحويل الاحتجاجات الاقتصادية إلى ضغط سياسي يجعل منه رافعة محتملة لترجيح كفة التيار الإصلاحي، بما يعيد صياغة العلاقة بين مؤسسات الدولة والشعب، ويحد من قدرة المكوّنات المتشددة داخل الدولة على الاحتفاظ بالسيطرة المطلقة.

تُظهر القراءة الاستباقية أن البازار الإيراني، بكونه مؤسسة اقتصادية واجتماعية متجذرة، يشكل رافعة استراتيجية قادرة على توجيه الحراك الشعبي ودعم المسارات الإصلاحية داخل إيران. فبينما تمثل المظاهرات المطالب الاقتصادية والمعيشية، يمتلك البازار القدرة على تحويل هذه المطالب إلى ضغط مؤسسي على النظام، بما قد يفضي إلى إعادة ترتيب القوى السياسية داخليًا.

وتتداخل هنا أدوار عدة: التيار الإصلاحي الذي يمكن أن يستفيد من شبكة البازار لتقليل نفوذ الحرس الثوري؛ الدولة العميقة التي قد تضطر إلى إعادة إنتاج النظام عبر إصلاح محدود لتجنب الانهيار؛ المعارضة الإيرانية في الخارج التي تضيف بعدًا إعلاميًا وسياسيًا؛ وأخيرًا القوى الإقليمية والدولية التي تراقب المشهد عن كثب لتحديد حدود التدخل أو الضبط الاستراتيجي.

من منظور العراق، يمثل هذا التحول المحتمل فرصة لإعادة القرار السيادي والتحرر النسبي من النفوذ الخارجي، شرط أن تتوفر الإرادة الوطنية لمأسسة الحكم، ومحاسبة الفاسدين، وإصلاح الاقتصاد، وتحييد أي أدوات نفوذ خارجي كانت تفرض نفسها عبر شبكات مثل الحرس الثوري أو الحشد الشعبي.

بالتالي، فإن البازار ليس فقط لاعبًا داخليًا محليًا، بل عامل حاسم في موازنة القوى وصياغة المستقبل السياسي الإيراني، ومن ثم له أثر مباشر على العراق، سواء في تحريك الخيارات السياسية، أو تحرير الاقتصاد، أو تعزيز القدرة على استعادة السيادة الوطنية بشكل مستدام، بما يجعل أي تحليل استراتيجي لإيران لا يكتمل دون تقدير دوره.

ومن خاتمة القول وما جاء أعلاه ومن خلال قراءة متانية استراتيجية استشرافية: هل يشكّل التحول في إيران مدخلًا حقيقيًا لاستعادة العراق قراره السيادي؟

إن التطورات المتسارعة التي تشهدها إيران، في ظل المظاهرات الواسعة والضغوط الداخلية والخارجية، تضع المنطقة بأسرها أمام لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية. غير أن الربط التلقائي بين سقوط محتمل لنظام ولاية الفقيه وبين تحرر العراق من الهيمنة الخارجية يظل افتراضًا مبسطًا ما لم يُقرأ ضمن إطار بنيوي أشمل.

تُظهر القراءة الاستباقية أن أي تغيير محتمل في إيران سيكون سياسيًا ومؤسساتيًا في جوهره، لا مذهبيًا أو هوياتيًا، وأن مركز الثقل الحقيقي يكمن في كيفية تفكيك أو إعادة توظيف أدوات النفوذ، وفي مقدمتها الحرس الثوري وشبكاته الإقليمية. وفي هذا السياق، فإن تحييد البعد الأيديولوجي للنظام الإيراني، سواء عبر إصلاح من الداخل أو إعادة إنتاج سياسية تقودها “الدولة العميقة”، قد يقلّص منسوب التدخل في الشأن العراقي، لكنه لا يُنهيه بالضرورة.

بالنسبة للعراق، فإن لحظة التحول الإيراني – إن وقعت – ستفتح نافذة فرص نادرة، لكنها في الوقت ذاته ستكشف هشاشة البنية الداخلية للدولة العراقية. فاستعادة القرار السيادي لا تتحقق تلقائيًا بانسحاب الوصاية الخارجية، بل تتطلب إرادة سياسية وطنية قادرة على استثمار الفراغ، وبناء مؤسسات تحتكر السلاح، وتُخضع الفساد للمساءلة، وتحرر الاقتصاد من شبكات التبعية والريع.

كما أن السيناريوهات الأخطر لا تتمثل فقط في بقاء النظام الإيراني أو سقوطه، بل في احتمالات الفوضى أو الصراع الداخلي داخل إيران، وما قد ينتج عنه من تصدير أزمات أو إشعال ساحات نفوذ بديلة، يكون العراق أحد أبرز مسارحها. وهو ما يجعل من التحوّل المنضبط داخل إيران خيارًا إقليميًا أقل كلفة من الانهيار غير المسيطر عليه.

خلاصة القول، إن سقوط النظام الديني الثيوقراطي في إيران، إن حدث، لا يشكّل بحد ذاته ضمانة لتحرر العراق، لكنه قد يكون شرطًا مساعدًا إذا تزامن مع مشروع عراقي داخلي يعيد تعريف مفهوم السيادة على أساس الدولة لا المحاور الحكم الطائفية وهيمنة الأحزاب الإسلامية التقليدية ، والمصلحة الوطنية لا التبعية. عندها فقط، يمكن للعراق أن ينتقل من موقع التأثر بالتحولات الإقليمية إلى موقع الفاعل في صياغة مستقبله السياسي والاقتصادي وتنميته البشرية .