صباح البغدادي
من الضروري، قبل الخوض في هذا الطرح النقدي، التأكيد بوضوح أننا لا ننطلق من موقع الإساءة أو الإهانة لأي شعب أو مذهب أو جماعة، كما قد يحاول أن يصوّر ذلك بعض ضعاف النفوس أو المؤدلجين سلفًا، ممن اعتادوا الخلط المتعمد بين النقد الفكري والعداء الشخصي. إن ما نطرحه هنا هو دعوة صريحة لتحرير العقول، وإطلاق انتفاضة فكرية ودينية واعية في مواجهة منظومات الهيمنة والدكتاتورية الدينية التي حوّلت الإنسان إلى تابع، والمجتمع إلى جمهور صامت لا يُسمح له بالسؤال أو الاعتراض أو حتى التفكير.
لقد فُرض على الشيعي العراقي، لعقود طويلة، نموذجٌ من التدين القائم على التقليد الأعمى، حيث يُختزل الدين في رجال دين، وتُختزل الحقيقة في فتاوى، ويُختزل العقل في الطاعة. هذا النموذج لم يكتفِ بتقييد حرية التفكير، بل مارس هيمنة طائفية ذات بعد فارسي واضح، غذّتها نصوص، وخطابات، وموروثات ثقافية، يمكن لأي مراجعة موضوعية لكتبهم وشعرهم أن تكشف ما تحمله من استعلاء على العرب، وانتقاص أخلاقي وثقافي، وأوصاف مهينة لا تمت إلى القيم الإسلامية بصلة.
إن الإشكال هنا ليس دينيًا، بل سياسي–ثقافي، يتمثل في توظيف الدين لتكريس شعور بالنقص، وسلب الهوية، وإضعاف الانتماء، خصوصًا لدى الشيعة العراقيين العرب، الذين جرى فصلهم نفسيًا عن قوميتهم العربية، وتشويه وعيهم التاريخي، وإقناعهم بأن كرامتهم لا تُستمد إلا من الخارج.
ومن هنا، فإن دعوتنا ليست ضد أحد، بل من أجل الإنسان:
من أجل أن يدرك الشيعي العراقي أنه عربيٌ قُحّ، قوميته عربية، لغته عربية، ودينه إسلامي، ومنبع الرسالات والأنبياء كان أرضًا عربية. هذه حقائق ليست موضع مساومة ولا ينبغي أن تُطمس تحت أي سردية طائفية أو هيمنة أيديولوجية.
إن التحرر الفكري والديني لا يعني القطيعة مع الدين، بل العودة إلى جوهره، ولا يعني العداء للآخر، بل رفض الاستعلاء عليه أو الخضوع له. هذا هو الإطار الذي يجب أن يُفهم فيه هذا المقال: تحرير لا تحقير، ووعي لا شتيمة، ونهضة لا كراهية.
مشهد صادم يجري اليوم أمام أعيننا في إيران: المواطنون يحرقون صور الخامنئي وقاسم سليماني، يهتفون ضد حزب الله ولبنان وغزة، ويهتفون للحرية والعدالة الاجتماعية. صور تماثيلهم تُسقط في الشوارع والجداريات المنتشرة في جميع المحافظات والمدن تُمحى، في رسالة صريحة بأن الشعب لم يعد يقبل الهيمنة الرمزية أو الاستبداد الأيديولوجي. وما يحدث اليوم في إيران من احتجاجات شعبية صاخبة ، ويهتفون ضد تدخلات إيران في لبنان وغزة، يطرح سؤالاً صادمًا: كيف يمكن أن يكون هذا الشعب الثائر قادرًا على تحدي رموزه العليا، بينما في العراق ما يزال جزء كبير من المجتمع الشيعي يقدس هؤلاء الزعماء ويحتفل بهم في كل مناسبة؟
والمفارقة التي تصدم العقل والضمير هي ما يحدث في العراق: نفس القيادات التي تُحرق صورها في إيران يُقدسها الشيعة العراقيون، يُحتفى بها في كل مناسبة، وتُعلَّق صورها في المكاتب والمنازل والنوادي الحزبية. كيف يمكن أن يكون هناك شعب يقدس من أساء إليه، ويحتفل بمن فرض عليه وصاية ثقافية وسياسية، ويُستغل شعوره بالدونية؟ وإن هذه ازدواجية صارخة تكشف عن أبعاد اجتماعية ونفسية عميقة: شعور بالدونية والعقدة تجاه القومية الفارسية، واستسلام مبكر للهيمنة الثقافية والسياسية الإيرانية، على الرغم من أن العراقيين العرب هم أمة مستقلة، ذات تاريخ وكيان أصيل. المفارقة أن هؤلاء الشيعة العراقيين يحتفلون ويقدسون قيادات لم يخففوا يومًا عنهم من الضيم والتهميش، ويمارسون نوعًا من الولاء الرمزي لمن أساء إليهم في فترات اللجوء، كما وثق التاريخ في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
هذه ازدواجية فاضحة ليست بريئة؛ إنها نتيجة سنوات طويلة من الهيمنة الفكرية للرجال الدين المتشددين، واستغلالهم لسردية مظلومية آل البيت لترويج الولاء المفرط، وترسيخ الطاعة المطلقة، وتحويل المجتمع الشيعي إلى جمهور مستهلك للرموز، غير قادر على التفكير المستقل، وغير مدرك لأصله وهويته العربية.
إن هذا الولاء الأعمى ليس إلا نتيجة استغلال رجال الدين المتشددين لسردية مظلومية آل البيت، التي تُروّج بشكل منحاز لتثبيت السيطرة على العقول الجمعية، وجعل الجماهير أسيرة وهم التضحية والولاء المفرط لقيادات لا تمثل سوى مصالحها الخاصة. هذه السيطرة الفكرية دمرت القدرة على النقد الذاتي، وعطّلت الانتماء الوطني الحقيقي، وأبقت المجتمع الشيعي في العراق رهين الطائفية والوصاية الخارجية.
هذه ازدواجية فاضحة ليست بريئة؛ إنها نتيجة سنوات طويلة من الهيمنة الفكرية للرجال الدين المتشددين، واستغلالهم لسردية مظلومية آل البيت لترويج الولاء المفرط، وترسيخ الطاعة المطلقة، وتحويل المجتمع الشيعي إلى جمهور مستهلك للرموز، غير قادر على التفكير المستقل، وغير مدرك لأصله وهويته العربية.
الشيء المروع أن هذا الولاء الأعمى يبقى ثابتًا على الرغم من التجارب التاريخية: معاملة العراقيين اللاجئين في إيران خلال سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي كانت مليئة بالإذلال والتفوق الفارسي، ومع ذلك يواصل بعض الشيعة العراقيين تبجيل من أساء إليهم.
اليوم، إيران تقدم درسًا صارخًا لكل شيعي عراقي: الحرية تبدأ من مواجهة الرموز، من رفض الغطرسة الرمزية، ومن التخلص من الوصاية الفكرية والدينية. الاحتجاج على الصور والجداريات ليس مجرد فعل رمزي، إنه إعلان تحرر فكري واجتماعي.
المتظاهرون الإيرانيون اليوم يقدمون درسًا عمليًا لكل شيعي عراقي: الحرية تبدأ من القدرة على مواجهة القيادات المتسلطة، والتخلص من الغطرسة الرمزية المفرطة، وفك قيود الطائفية التي تفرضها المؤسسة الدينية. إن الاحتجاج على صور الزعماء أو الجداريات ليس مجرد فعل رمزي، بل يمثل رفضًا لمبدأ الهيمنة الأيديولوجية والسياسية، وهو ما يجب أن يُستلهم في العراق على صعيد الفكر والثقافة والسياسة.
الشيعي العراقي بحاجة إلى انتفاضة ثقافية وفكرية حقيقية: التحرر من الهيمنة الطائفية، استعادة الكبرياء العربي، رفض السيطرة الدينية على العقل، وتمهيد الطريق لإعادة بناء مجتمع وطني مستقل، حر، متطلع إلى النهضة الفكرية والمعرفية وهذا التحرر الفكري والاجتماعي ليس ترفًا، بل ضرورة لتجاوز سنوات طويلة من الاستلاب والوصاية: الشيعي العراقي يجب أن يعرف أصله العربي، ويستعيد ثقته بنفسه، ويكسر قيود الهيمنة الدينية والطائفية، ويؤسس مشروعًا وطنيًا مستقلًا عن أي نفوذ خارجي. . فكما قال الله عز وجل:
“إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” [الرعد: 11]
فالتغيير يبدأ من الداخل، من التحرر الفردي والجماعي،من تحرير العقول، من رفض الطائفية من كسر الوصاية الفكرية والثقافية، ومن رفض الخضوع لرموز لا تمثل الشعب ولا مصالحه. الوقت اليوم يتطلب انتفاضة ثقافية وفكرية، تحرر العقول من غسيل الدماغ، وتمهد الطريق لإعادة بناء المجتمع الشيعي العراقي على أساس وطني مستقل، حر، ومنفتح على النهضة الفكرية والمعرفية، بعيدًا عن الهيمنة الدينية والطائفية، ومن كسر عقدة الدونية المزروعة في الوعي. على الشيعة العراقيين أن يدركوا أنهم ليسوا خاضعين لرموز فارسية، وأن ولاءهم الحقيقي يجب أن يكون للوطن، ولثقافتهم، ولحريتهم، وليس لصور وزعماء لا يمثلون إلا مصالحهم الخاصة.
أيها الشيعة العراقيون، انظروا إلى ما يحدث اليوم في إيران: المواطنون يحرِقون صور الخامنئي وقاسم سليماني، يهتفون ضد حزب الله ولبنان وغزة، يمسحون الجداريات، ويسقطون تماثيل القيادات. هذا هو الشعب الذي قرر أن يقول كلمته بصوت عالٍ: لا للهيمنة، لا للطغيان، لا للوصاية على عقولنا.
والآن انظروا إلى أنفسكم في العراق: نفس القيادات التي يُحرق اسمها في إيران ما زلتم تقدسونها، ترفعون صورها، تحتفلون بها، وتعلّقون تماثيلها في كل مناسبة. كيف يمكن أن يكون هناك شعب يقدس من أساء إليه، ويحتفل بمن كان سببًا في إذلاله؟!
هذه الازدواجية ليست بريئة. إنها نتيجة سنوات طويلة من استغلال رجال الدين المتشددين لسردية مظلومية آل البيت، لتحويلكم إلى جماهير مستهلكة للرموز، بلا تفكير، بلا استقلال، بلا كرامة. لقد زرعوا فيكم عقدة الدونية تجاه الفرس، واستمروا في تكريس الوصاية الفكرية والسياسية على حياتكم ومصيركم.
تذكروا كيف عاملت إيران اللاجئين العراقيين في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي: إذلال، تفوق فارسي، تهميش مستمر. ومع ذلك، نجد اليوم بعض الشيعة العراقيين ما زالوا يقدسون هذه الرموز ويحتفلون بها! هل هذا عدل؟ هل هذا منطق؟
يا إخوتي، الوقت قد حان لتحرير العقل والفكر والثقافة. الوقت قد حان لكسر القيود الطائفية، لكسر الغطرسة الرمزية، للتوقف عن التبعية الفكرية لأي قوة خارجية، ولإعادة الاعتبار لهويتكم العربية المستقلة. المتظاهرون الإيرانيون قدموا لكم درسًا عمليًا: الشجاعة تبدأ من مواجهة الرموز، والحرية تبدأ من تحرير العقل.
دعونا نعلنها بصوت واحد:
- لا للهيمنة الدينية والطائفية.
- لا للولاء الأعمى لرموز لا تمثل مصالحنا.
- نعم لاستعادة الكرامة الوطنية، والحرية الفكرية، والاستقلالية الثقافية.
تذكروا قول الله عز وجل:
“إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” [الرعد: 11]
لن يتحقق أي تغيير ما لم نبدأ نحن بأنفسنا، بتحرير عقولنا، وكسر وصاية رجال الدين، والتمرد على الازدواجية التي استمرت لعقود. حرروا عقولكم، استعيدوا كرامتكم، وكونوا أمة حرة، مستقلة، قادرة على بناء مستقبلها دون وصاية أو خوف.
إن لم نتحرك اليوم، سنظل أسرى الماضي، عبيدًا لأوهام لا تخصنا، وأجيالنا القادمة ستدفع ثمنًا باهظًا لهذا الانقياد الطويل. حان الوقت للانتفاض الفكري والثقافي، والعودة إلى جذورنا، إلى كرامتنا، وإلى وطننا.
إن لم نبدأ اليوم هذا التحرر، فإننا سنبقى أسيرين للهيمنة الرمزية والدينية، نعيش ازدواجية لا معنى لها، ونخسر فرصة بناء مستقبل مستقل لأجيالنا القادمة.