مصطبة بين عالمين

One line drawing of two person embrace vector minimalism. People togetherness and friendship metaphor concept.

رياض سعد

كان أحمد شابا وضيئا، فارع الطول، رشيق القوام، كأن الجمال عقد قديم أُحكمت حباته حول عنقه دون جهد… ؛  شفتاه ورديتان كفجر خجول، وخداه يحملان أثرا دائما لحرارة الحياة، أما أنفه الروماني فكان كقطعة مرمر صقلتْها يد الزمن ببطء… ؛  شعره أسود كثيف، لا كسواد الليل فحسب، بل كسواد الأمواج حين تثور في محيط أعمى، كأنه تاج من كبرياء لا يعترف بالرؤوس المنحنية.

كان إذا مشى، مشى الهوينا، لا استعجال فيه ولا التفات، فتلتف الأنظار إليه دون وعي، وتتعثر به القلوب كما تتعثر الفراشات بنورٍ لا تعرف مصدره… ؛  ومع ذلك، لم يكن أحمد يرى في الناس سوى ظلال عابرة؛ فقد ربّى داخله نرجسية باردة، وجعل من اللامبالاة درعا نفسيا يقيه خيبات قديمة لم يعترف بها يوما...

النساءُ يُسحَرْنَ بنظرته التي تجمع بين برود الرخام ولهيب الكبرياء، لكن قلبه كان قلعةً موشومةً بندوب النرجسية، يسكنها طائرٌ أسودُ من العُقد يرفضُ أن يغرد إلا لنفسه...

في مساء معتدل، بعد عشاء ثقيل بلا شهية، سار في حيه الراقي، حيث الأشجار الباسقة تتبادل الأسرار، والحدائق العامة تُسرّح أنفاسها الخضراء في صدور المارة… ؛  جلس على مصطبة حديدية في الحديقة، وطلب قهوته المعتادة من المقهى المقابل… ؛  جاءه العامل مسرعا، لا لأن القهوة تحترق شوقا إليه، بل لأن إكرامية أحمد كانت تعادل نصف أجر يومٍ كامل.

وبينما كان أحمد يرتشف قهوته، متصنعا لذة لا يشعر بها، جلس إلى جانبه رجل خمسيني وقور، قصير القامة، أبيض اللون، كأن الزمن نسيه في صفحة قديمة من كتاب مهترئ… ؛  هيئته تذكّر بأساتذة غابرين، لا تمت ملامحهم إلى هذا العصر المتسارع بصلة… ؛  كان اسمه حسين، رجلا اعتاد أن يهرب من حيه الفقير في أطراف العاصمة إلى هذه الحديقة، كلما ضاق صدره حتى صار أضيق من حلم...

تبادلا التحية، سلاما عاديا في ظاهره، لكنه كان سلاما ممهدا لدهشة خفية… ؛  أحمد، الذي اعتاد النظر إلى الناس باستعلاء صامت، شعر بشيء يشده إلى حسين، حنين غامض كذكرى لم تُعش، أو حياة سابقة تلوّح من خلف ستار… ؛  كانا مختلفين في كل شيء: في الطبقة، في اللهجة , في الثقافة الحياتية والاتكيت، في التجربة، لكنهما التقيا في فراغ داخلي واحد، فراغ يبحث عن معنى...

تكلم حسين، وأنصت أحمد… ؛  سأل أحمد، وأجاب حسين… ؛  لم يكن أحمد كثير المعرفة، لكنه كان جائعا للفهم، وكان حسين كثير الكلام، لأنه أخيرا وجد من يسمع… ؛  مرّ الوقت كحلم قصير، أُغلق المقهى، وخَلَت الحديقة، وظنا أن الوقت لا يزال في بدايته، فإذا به يعلن عن نفسه الثالثة فجرا.

افترقا، وتبادلا أرقام الهواتف، كلٌّ منهما يحمل في داخله قلقا جميلا، كأن شيئا ما بدأ دون أن يُسمّى.

في اليوم التالي، استيقظ حسين مساء، فوجد اتصالات فائتة من أحمد… ؛  حاول الاتصال به، لكن الهاتف كان مغلقا… ؛  تكررت المحاولات أياما، والحديقة ظلّت صامتة، والمصطبة باردة… ؛  شعر حسين كأنه فقد جزءا من روحه، جزءا لم يكن يعلم بوجوده من قبل…!!

أما أحمد، فقد باغته اتصال عمل من دبي، فسافر على عجل… ؛  أراد أن يخبر حسين، لكنه نسي هاتفه الشخصي، ذلك الجهاز الصغير الذي خصصه للحالات الإنسانية والعاطفية الخاصة ، وكأن العاطفة عنده ملف منفصل عن بقية الحياة… ؛  في دبي، بين زجاج ناطحات السحاب، كان شبحُ حسين يطارده كظلِّ ضميرٍ طويل… ؛ اذ شعر احمد بالغربة لأول مرة، رغم أنه كان في قلب العالم. وأدرك أن العمل الذي ملأ حياته كان مجرد ضجيجٍ يغطي على صمت الروح…

مضت الأيام ثقيلة، لأول مرة يشعر بطول السفر وبثقل النجاح… ؛  أنجز أعماله بسرعة، وعاد بعد تسعة أيام بدت له دهرا كاملا...!!

بحث عن حسين، اتصل، انتظر، عاد إلى الحديقة يوما بعد يوم، لكن الفراغ كان الجواب الوحيد.

وفي الجهة الأخرى من الحكاية، كان حسين قد سافر لإجراء فحوصات طبية في الهند، ومكث شهرا كاملا في أروقة المستشفى، منقطعا عن العالم، إلا عن صورة أحمد التي لم تفارق خياله، كأنها وعد غير مكتمل...

وحين عاد، اتصل… ؛  رفع أحمد السماعة، وحين سمع صوت حسين، سرت قشعريرة في جسديهما، كأن صعقة كهرباء أيقظت ما كان نائما… ؛  تواعدا على العشاء، وتعانقا طويلا، لا كصديقين، بل كناجين من وحدة مشتركة.

توثقت العلاقة بينهما، رغم فارق العمر… ؛  وجد أحمد في حسين دفئا وطمأنينة وحكمة افتقدها وسط صخب المال، ووجد حسين في أحمد قوة وسندا ويداً أعادته من حافة الانكسار… ؛ اذ تكفّل أحمد بمعيشته، وغيّر مسكنه، وأشركه في إحدى شركاته بعد تقاعده، لا صدقة بل اعترافا بقيمة إنسان…

كان كلٌّ منهما مرآة للآخر: أحمد يرى في حسين الشرف والنزاهة التي غابت عن عالمه، وحسين يرى في أحمد فرصة متأخرة للعدالة… ؛  هكذا، على مصطبة حديدية في حديقة عامة، تصالحت طبقتان، وتعانق جرحان، واكتشف رجلان أن الخلاص قد يأتي أحيانا في هيئة إنسان، لا في هيئة معجزة.

نعم , من ذلك اليوم، أصبحا عالَمين متكاملين: أعطى احمد حسين دفءَ الحياة المادية، منزلاً يضيء كقلعة في ليل الفقر، وعملاً يليق بحكمته… ؛  وأعطى حسين احمد  ما لم تمنحه له كل ثرواته: معنىً يملأ الفراغ، وحكمةً تهدئ العاصفة في نفسه، وأصبحا سوياً كشجرةٍ وأرضها، كنجمٍ وسمائه…

ففي المصادفة العابرة وجدا ضالتهما: وجد النرجسي من يتجاوز مرآته ليرى العالم، ووجد الحكيم من يحول الكلمات إلى ملجأ… ؛  واختلطت الأقدار على تلك المصطبة، كأن الزمن نفسه توقف ليرمم جزءاً من خلله الكوني.