رياض الفرطوسي
عندما تعلن الإمبراطوريات أنها تخوض الحروب من أجل السلام، فهي لا ترتكب كذبة ساذجة، بل تمارس هندسة لغوية دقيقة. الكلمات لا تُلغى، بل يُعاد شحنها. السلام لا يعني توقف القتل، بل انتظامه. لا يعني نجاة البشر، بل استقرار التدفقات المالية. هكذا تصبح الحرب إجراءً تقنياً، وتتحول الجثث إلى تفاصيل هامشية في تقرير دوري.
منذ زمن طويل، لم تعد الحروب تُخاض لأن الخطر داهم، بل لأن الخطر مادة خام. يُصنَع، يُضخَّم، ثم يُعاد تدويره عبر الإعلام، ليُنتج حالة طوارئ دائمة. الطوارئ ليست استثناءً في هذا العالم، بل نمط حكم. الخوف هنا ليس نتيجة جانبية، بل أداة ضبط، مادة لاصقة تُمسك المجتمع من عنقه وتطالبه بالطاعة مقابل وهم الأمان.
هذا القلب المنهجي للمعنى لم يكن غائباً عن الأدب والفلسفة. تنبّه إليه جورج أورويل، الكاتب البريطاني المعروف بنقده اللاذع للسلطة الشمولية، حين حوّل اللغة إلى ساحة صراع، حيث لا تصف الشعارات الواقع بل تصنعه وتعيد تشكيله.
أما ميشيل فوكو، الفيلسوف الفرنسي الذي فكّك آليات السلطة الحديثة، فقد رأى أن الحكم لم يعد يقوم على القمع المباشر وحده، بل على إدارة الحياة نفسها: الجسد، العمل، الزمن، والخوف. في هذا السياق، لا تكون الحرب انفجاراً استثنائياً، بل تقنية حكم دائمة.
المفارقة القاسية أن الحروب التي قيل إنها لتحصين الداخل، مزّقته من الداخل. ما أُريد له أن يكون درعاً، صار مرآة تعكس هشاشة البنية ذاتها. الدمار لا يبقى في الجغرافيا البعيدة؛ يعود في هيئة خوف غير عقلاني، عنف بلا مركز، ومدن تشك في نفسها. من تُدمَّر حياته لا يتحول إلى حكيم، بل إلى إنسان بلا أوهام، غاضب، مكسور، لا يخاف الخسارة لأنه خسر كل شيء.
الخراب لا يُنجب فلسفة، بل يُنتج فائضاً من البشر الذين لا يجدون مكانهم في العالم. وهذه ليست مسألة أخلاقية، بل نتيجة منطقية للقصف والفقر والإذلال. من يزرع العدم لا يحصد الاستقرار، مهما بالغ في الخطابات.
خلف ستار “الأمن” تتحرك طبقة تعرف جيداً ما تفعل. نخبة مالية ترى في الحرب فرصة، وفي إعادة الإعمار مشروعاً مؤجل الدفع، يُسدَّد من دم الآخرين. التخريب مرحلة، والإعمار عقد. الخرائط لا تُمسح لتصحيح الأخطاء، بل لإعادة البيع. كل حرب مزاد، وكل دولة منهارة أصلًا قابلًا للاستثمار.
لكن التحول الأخطر لم يعد في السلاح، بل في الإنسان نفسه. الرأسمالية المعاصرة لم تعد بحاجة إلى عمال مستقرين، بل إلى بشر قابلين للاستبدال. هكذا نشأت طبقة الهشاشة: متعلمون بلا أمان، يعملون كثيراً ويملكون قليلًا، يعيشون في قلق دائم، بلا هوية مهنية ولا مستقبل يمكن تخيّله. ليسوا خارج النظام، بل عالقين في قلبه، يُنتجون دون اعتراف، ويُستنزفون دون حماية.
كما أشار كارل بولاني، المفكر الاقتصادي المجري، مبكراً إلى أن تحويل المجتمع إلى سوق شاملة يدمر شبكات الأمان الاجتماعي ويحوّل البشر إلى أرقام وملفات إدارية. ما طوّره لاحقاً ديفيد هارفي، الجغرافي والمفكر البريطاني المعاصر، ليس سوى نسخة متقدمة من الفكرة نفسها: نزع الملكية لم يعد يقتصر على السلاح، بل يتم عبر العقود والقوانين والديون، لتحويل المدينة والمجتمع إلى أدوات لإعادة إنتاج السلطة الاقتصادية والاجتماعية. في هذا النظام، الإنسان لم يعد مواطناً، بل ملفاً تنتهي صلاحيته فيغلق، ويصبح جزءاً من آلة اقتصادية بلا حماية.
في هذا المشهد، يسقط التمييز الأخلاقي بين “إرهاب” و“مقاومة”. المعيار الوحيد هو الولاء. من يخدم المصالح يُسامَح، ومن يخرج عن الصف يصبح خطراً كونياً. يمكن التحالف مع أسوأ النظم وأقذر العصابات إذا ضمنت الأرباح. العنف ليس المشكلة؛ الفكرة هي المشكلة.
لكن العنف، حين يُستخدم بوصفه أداة دائمة، يفلت. لا يبقى منضبطاً. يتحول إلى جريمة عشوائية، تمرّد بلا قيادة، ومدن تخاف نفسها. ما يُصدَّر إلى الخارج يعود إلى الداخل لا كجيوش، بل كفوضى. التاريخ لا ينتقم، لكنه يُعيد الفاتورة.
حنّة آرندت، المفكرة السياسية الألمانية، التي حلّلت الشمولية وابتكرت مفهوم تفاهة الشر، فهمت مبكراً أن الفعل الإجرامي لا يحتاج إلى وحوش استثنائية. الشر لا يصرخ، بل يُوقّع بهدوء من قبل موظفين يؤدون عملهم ببرود، ويصبح جزءاً من الروتين اليومي بدلاً من أن يكون استثناءً.
الرأسمالية المتوحشة لا تُهزم في معركة ولا تنتصر في أخرى. قصتها أطول من نشرة أخبار، وأقسى من خطاب رئاسي. هي لا تحل الأزمات، بل تؤجّلها. تستهلك المستقبل لصالح ربح سريع، وتظن أن الزمن يعمل لصالحها. لكنه لا يفعل.
عندما تنفد الحروب، تبدأ الأسئلة. وعندما تبدأ الأسئلة، يرتجف النظام. لذلك لا تُغلق الجبهات، ولا يُسمح للسلام أن يكون حقيقياً. السلام الحقيقي مكلف، لأنه يعرّي، ويكشف أن الأمن لا يُبنى على الخوف، ولا الاستقرار على الأنقاض.
لن تكون نهاية هذا المسار انفجاراً كونياً، بل تصدّعاً بطيئاً. تحوّلًا طويل النفس. لحظة تدرك فيها البشرية أن الحرب ليست قدراً، وأن السلام ليس شعاراً، بل فعل شجاعة.
عندها فقط، لن تكون الحرب هي السلام.
بل السلام… استعادة الإنسان لمعناه.