
إعداد وتقديم صباح البغدادي
مع تأكّد الترشيح الرسمي لنوري المالكي لتولي رئاسة الوزراء العراقية لولاية ثالثة، يعود الجدل السياسي إلى الواجهة بقوة، وسط اعتراضات واضحة من قوى سنّية ترى في هذا الترشيح استعادة لمرحلة تصفها بـ«الأكثر مأساوية» خلال ولايتيه السابقتين، وما رافقهما من إخفاقات أمنية وسياسية عميقة.
غير أن عودة المالكي هذه المرة لا تأتي في السياق ذاته الذي حكم فيه سابقاً، بل في ظل تحولات إقليمية ودولية غير مسبوقة. فعودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، وما تبعها من إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، تمثلت بانتهاء ما كان يُعرف بـ«الهلال الشيعي»، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وتفكيك حزب الله في لبنان، وتحجيم حركة حماس في قطاع غزة، كلها عوامل تفرض واقعاً جديداً على العراق ونخبته الحاكمة.
في هذا السياق، برزت شروط أميركية واضحة مفادها أن أي رئيس وزراء عراقي مقبل مطالب باتخاذ قرار حاسم بحلّ المليشيات والفصائل المسلحة ذات الولاء الخارجي، ومنع قادتها من شَغل أي موقع رسمي داخل مؤسسات الدولة. وهو شرط يُعدّ الأكثر حساسية وخطورة على بنية النظام السياسي العراقي منذ 2003.
وسط هذه المعادلة المعقدة، تطفو على السطح شخصية ما تزال مثار جدل وغموض: أحمد نوري المالكي، النجل الأكبر لرئيس الوزراء المرشح. أحمد، الذي سبق أن ترأس مكتب والده في فترات سابقة، ارتبط اسمه بملفات فساد واسعة، شملت الاستحواذ على مئات الملايين من الدولارات عبر التهريب وفرض العمولات والرشاوى على رجال أعمال عراقيين مقابل تمرير مشاريعهم الاقتصادية.
لكن اللافت اليوم أن اسم أحمد المالكي يعود بقوة إلى التداول السياسي، ليس بوصفه امتداداً عائلياً فقط، بل كلاعب محتمل في مرحلة ما بعد تنصيب والده. حيث كانت لنا فرصة للتحدث حول هذا الملف وأسباب الترشيح والموافقة وعودة الابن الضال إلى واجهة الحدث الرئيسي فقد كشف لنا بعض السادة المسؤولين الأفاضل أثناء حديثنا معهم وبما معناه :” فإن أحمد كلّف عدداً من المقرّبين من المبعوث الأميركي، رجل الأعمال مارك سافيا، بنقل رسائل تهدف إلى عقد اجتماعات تمهيدية تتعلق بالملفات التي ينتظر أن يفتحها المالكي في ولايته الثالثة. ورغم حداثة سن أحمد وافتقاره إلى تجربة سياسية وحزبية حقيقية، إلا أن والده يبدو مصمماً على إدخاله في مسار العمل السياسي، وتكليفه بملفات حساسة، أبرزها ملف سلاح المليشيات، والملفات الاقتصادية، وعلى رأسها العقوبات المفروضة على المصارف والكيانات المتهمة بالتلاعب بالعملة الصعبة عبر مزاد البنك المركزي. وإلى وجود سيناريو تصور لعلاقة «منفعة متبادلة» مع المبعوث الأميركي، تقوم على إشراكه في مشاريع اقتصادية مربحة مقابل تقديم تقارير إيجابية عن نوري المالكي للإدارة الأميركية، بما يسهم في تحسين صورته داخل البيت الأبيض “. ثم يضيف لنا السيد المسؤول حول سيناريو يتم الإعداد له بعناية بأن :” تكمن الخطورة الحقيقية في أن أحمد المالكي قد يُقدَّم، بدفع مباشر من والده، إلى صناع القرار في واشنطن بوصفه واجهة سياسية مستقبلية، في حال حاز التزكية والتوصية المطلوبة من المبعوث الأميركي مارك سافايا ، على غرار النموذج السوري الجديد المتمثل بالرئيس أحمد الشرع، الذي يحظى حالياً بقبول لافت وتقدير شخصي من الرئيس ترامب”.
الأيام والأسابيع المقبلة مرشحة لكشف ملامح هذا المسار، لكن ما يمكن قراءته استباقياً هو أن الولاية الثالثة لنوري المالكي – إن تحققت – لن تكون نسخة مكررة من سابقتيها، بل ولاية مفروضة عليها قرارات مصيرية وحاسمة، وفي مقدمتها تفكيك سلاح المليشيات الولائية الإيرانية، وإعادة ضبط العلاقة مع واشنطن وفق شروط صارمة. إنها مرحلة اختبار حقيقي: إما انتقال المالكي إلى دور «رجل التسويات الكبرى» تحت ضغط دولي غير مسبوق، أو الدخول في مواجهة مفتوحة مع واقع إقليمي ودولي لم يعد يسمح بالمناورة القديمة. وفي الحالتين، فإن اسم أحمد المالكي سيكون حاضراً بقوة في كواليس القرار، سواء كلاعب فعلي… أو كمغامرة سياسية محفوفة بالمخاطر.
فلم يكن تأكّد الترشيح الرسمي لنوري المالكي لولاية ثالثة مجرد حدث سياسي اعتيادي، بل شكّل صدمة مكتومة داخل المشهد العراقي، أعادت فتح ملفات لم تُغلق يوماً، وطرحت أسئلة أخطر من مجرد «من يحكم؟» لتصل إلى «كيف سيُحكم العراق، ولصالح من، وتحت أي وصاية؟».
الاعتراضات التي أبدتها قوى سنّية على هذا الترشيح لا تنطلق من موقف سياسي عابر، بل من ذاكرة مثقلة بتجربة حكم ارتبطت، وفق توصيفهم، بالانقسام الطائفي، وانهيار المنظومة الأمنية، وتسليم مدن بأكملها للفوضى والإرهاب خلال ولايتي المالكي السابقتين. لكن هذه المرة، لا يعود المالكي في فراغ إقليمي، بل في لحظة انقلاب كبرى في توازنات الشرق الأوسط.
عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية لم تكن مجرد تداول ديمقراطي للسلطة، بل بداية مرحلة «تصفية نفوذ» واضحة المعالم. انهيار ما عُرف بالهلال الشيعي، سقوط نظام بشار الأسد، تفكيك حزب الله اللبناني، تحجيم حماس في غزة، كلها مؤشرات على أن واشنطن لم تعد تقبل بإدارة الصراعات بالوكالة، بل باتت تميل إلى الحسم المباشر وإعادة ضبط الأنظمة وفق معايير جديدة.
العراق، في هذا السياق، لم يعد استثناءً. الرسالة الأميركية كانت صريحة: أي رئيس وزراء عراقي قادم ملزم بقرار فوري بحلّ المليشيات والفصائل المسلحة ذات الولاء الخارجي، وإقصاء قادتها بالكامل عن مفاصل الدولة. وهو شرط لا يمسّ الأمن فقط، بل يهدد البنية العميقة للسلطة التي تشكلت بعد 2003.
أحمد المالكي… من “مدير مكتب” إلى لاعب ظل
وسط هذا المشهد المتوتر، يبرز اسم أحمد نوري المالكي، النجل الأكبر، لا كشخصية هامشية، بل كمحور تحركات موازية تجري بعيداً عن الأضواء. أحمد، الذي ترأس مكتب والده في مرحلة سابقة، ارتبط اسمه بملفات ثقيلة تتعلق بابتزاز رجال أعمال، وفرض عمولات على مشاريع اقتصادية، وتهريب أموال طائلة، وهي اتهامات لم تُفنَّد يوماً بشكل شفاف، بل جرى طمسها بقوة النفوذ.
اليوم، ومع عودة والده إلى الواجهة، يعود أحمد بشكل أكثر تنظيماً، ولكن هذه المرة عبر قناة أميركية مباشرة. تسريبات متقاطعة خلال الساعات الماضية تشير إلى تكليفه شخصيات مقرّبة من المبعوث الأميركي، رجل الأعمال مارك سافيا، لنقل رسائل وترتيب لقاءات غير معلنة، تتعلق بما يُنتظر من المالكي إن حصل على الولاية الثالثة.
اللافت أن أحمد، رغم افتقاره لأي تجربة سياسية أو حزبية حقيقية، سوف يكون عليه إن يتعامل مع ملفات سيادية من العيار الثقيل، أبرزها:
- سلاح المليشيات والفصائل الولائية
- العقوبات الأميركية على المصارف العراقية
- ملف مزاد البنك المركزي والتلاعب بالعملة الصعبة
- إعادة هيكلة الاقتصاد وفق معايير «الرضا الأميركي»
وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً: من يحكم فعلياً؟ المالكي أم دائرته العائلية؟
صفقات تحت الطاولة… وابتزاز مقنّع؟
وحسب ما نراه من قراءة استباقية لهذا الملف المهم والخطير والحيوي :” فإن العلاقة المقترحة مع المبعوث الأميركي لا تقوم فقط على التنسيق السياسي، بل على تبادل مصالح اقتصادي مباشر. الحديث يدور عن إشراك سافيا في مشاريع اقتصادية مربحة داخل العراق، مقابل تقديم تقارير إيجابية إلى البيت الأبيض عن نوري المالكي، تُظهره كرجل المرحلة القادر على تنفيذ الشروط الأميركية الصعبة”.
هنا يتحول السؤال من مستقبل ولاية المالكي إلى مشروع توريث سياسي مقنّع، يُدار تحت عنوان «البراغماتية» لكنه يقوم عملياً على إعادة إنتاج السلطة العائلية، هذه المرة بغطاء أميركي.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
ما يمكن قراءته استباقياً من مجمل هذه المعطيات هو أن الولاية الثالثة – إن تمت – لن تكون خياراً عراقياً خالصاً، بل نتيجة تسوية دولية مشروطة، تُفرض فيها قرارات قسرية، على رأسها:
- تفكيك المليشيات بالقوة أو عبر صفقات تفكيك ناعمة
- ضرب شبكات التمويل غير الشرعي
- إعادة هندسة النظام المصرفي
- تقليص النفوذ الإيراني إلى حدوده الدنيا
لكن السؤال الأخطر يبقى: هل يملك نوري المالكي القدرة – أو الإرادة – لتنفيذ هذه الشروط دون أن يفجّر النظام من الداخل؟
وهل سيكون أحمد المالكي أداة تنفيذ، أم عبئاً سياسياً، أم شرارة صراع جديد داخل الدولة؟
الأيام المقبلة لن تكشف فقط ملامح حكومة محتملة، بل قد تحدد مصير النظام السياسي العراقي برمّته:
إما دولة تُعاد صياغتها بقبضة خارجية صارمة،
أو فوضى ناعمة تُدار باسم الإصلاح… وتُنفَّذ بمنطق الصفقات.
نحن نعتقد بدورنا بان ما يزال البعض يتذكر اذا كانت ذاكرتهم قوية ومتابعين جيدين لأحداث وفي أول لقاء جمعنا بنوري المالكي داخل مكتبه خلال ولايته الأولى، فتح بنفسه – ومن دون سؤال مباشر – ملف ابنه الشاب أحمد، واضعاً إياه ضمن قائمة «الاستهدافات السياسية» التي قال إنه يتعرض لها. تحدث المالكي حينها بنبرة دفاعية، حاول من خلالها تبسيط الدور الحقيقي لنجله، قائلاً إن أحمد «شاب يافع، لا أكثر من موظف صغير يساعدني في المكتب»، وإن الضجة المثارة حوله ليست سوى محاولة للنيل منه شخصياً عبر بوابة العائلة. والمالكي برّر وجود نجله في قلب مكتبه بالقول: «من حقي أن أضع في المكتب من يكون موضع ثقتي»، مضيفاً أن خصومه السياسيين يسعون، بحسب تعبيره، إلى «دس عناصرهم داخل مكتبه لتوظيفهم لخدمة أغراضهم»، وكأنه كان يقدّم نفسه في موقع الضحية المحاصَرة داخل الدولة التي يرأس حكومتها. ولم يكتفِ المالكي بذلك، بل لجأ إلى مقارنة تبريرية، مشيراً إلى أن «جميعهم» – في إشارة إلى خصومه وشركائه في العملية السياسية – قاموا بتعيين أبنائهم وبناتهم كمستشارين ومدراء مكاتب «من دون أي استحقاق»، في محاولة لتطبيع ظاهرة توريث النفوذ داخل مؤسسات الدولة، وتحويلها من خلل بنيوي إلى ممارسة عامة لا تستوجب المساءلة. وغير أن هذه الرواية، التي قُدِّمت يومها على أنها دفاع عن «موظف صغير»، تصطدم اليوم بوقائع مختلفة تماماً. فالشاب اليافع الذي جرى توصيفه كعنصر إداري محدود الصلاحيات، تحوّل تدريجياً إلى مركز نفوذ فعلي، يتقاطع عنده القرار السياسي مع المال والاقتصاد والعلاقات الخارجية، بعيداً عن أي مسار قانوني أو رقابي واضح. وقراءة مبسطة لهذا الحديث اليوم، بعد سنوات من تراكم التسريبات والاتهامات، تطرح سؤالاً جوهرياً: هل كان ذلك اللقاء محاولة استباقية لتبييض دور كان مخططاً له منذ البداية؟ أم أن «الموظف الصغير» كان مجرد عنوان مرحلي لعملية صعود مدروسة داخل الدولة، بدأت من مكتب رئيس الوزراء، ولم تنتهِ عند حدوده؟ وفي كلتا الحالتين، فإن ما قيل في ذلك اللقاء لم يعد يُقرأ كتبرير عابر، بل كوثيقة سياسية مبكرة، تكشف كيف جرى التعامل مع الدولة بوصفها مساحة ثقة شخصية، لا مؤسسة عامة، وكيف وُضع الأساس لما يشبه «الحكم من الدائرة الضيقة»، الذي ما تزال ارتداداته تتفاعل حتى اليوم.
اليوم، وبعد أن تجاوز نجله الأكبر أحمد نوري المالكي سن الخامسة والثلاثين، لم يعد يُقدَّم بوصفه «الابن الشاب» أو «الموظف الصغير» كما جرى تسويقه في الولاية الأولى، بل كشخصية تتحرك بثقة داخل دوائر صنع القرار في المنطقة الخضراء. ووفق تسريبات متقاطعة من مصادر مقرّبة من هذه الدوائر، فإن أحمد يستعد لاتخاذ أولى خطواته الحاسمة فور تسلّمه رئاسة مكتب والده في الولاية الثالثة، وهي خطوة توصف داخلياً بأنها عملية تفكيك ممنهجة للحرس القديم. وهذا الحرس، الذي أحاط بنوري المالكي خلال رئاسته الأولى للوزراء، لم يكن يوماً على وفاق مع أحمد، بل نظر إليه باعتباره عبئاً عائلياً غير مرغوب فيه داخل دائرة القرار. وتؤكد المصادر أن أولويته ستكون إنهاء وجود هؤلاء بشكل كامل، ليس فقط بدافع إعادة التنظيم، بل لتصفية حسابات مؤجلة تعود إلى سنوات تم فيها إبعاده عن المشهد عمداً.
وفي الولاية الثانية، لم يكن المشهد أفضل حالاً بالنسبة لأحمد المالكي. إذ اصطدم هذه المرة بأقرباء نافذين كانوا يحيطون بوالده ويمسكون بملفات حساسة، الأمر الذي أدى إلى تهميشه في عدد من القضايا، ولا سيما الملف الاقتصادي، الذي ظل حكراً على شبكات مصالح متشابكة لم تسمح له بالاقتراب منه. ولكن المشهد اليوم مختلف جذرياً. فبحسب ما يُتداول داخل المنطقة الخضراء، فإن أحمد المالكي يستعد لقيادة ما يُشبه «حركة تصحيحية قسرية» داخل مكتب رئيس الوزراء، مستفيداً من عاملين حاسمين: الغطاء الكامل من والده، والظرف السياسي الإقليمي والدولي الذي لا يسمح بتعدد مراكز النفوذ. وهذه الحركة، إن صحّ توصيفها، لن تترك مجالاً للمناورة. فالجميع، ومن دون استثناء، سيكونون مجبرين على الخضوع لسلطة أحمد داخل المكتب. وأي محاولة للرفض، أو إظهار عدم الطاعة، أو حتى التباطؤ في تنفيذ الأوامر، ستقابل بإجراءات قاسية تبدأ بالإقصاء الفوري، ولا تنتهي – بحسب المصادر ذاتها – بتقديم المخالفين كـ«أكباش فداء» لهيئة النزاهة، في رسائل ردع واضحة لبقية الحلقة المحيطة. وبهذا المعنى، لا تبدو المسألة مجرد إعادة ترتيب إداري، بل إعادة هندسة شاملة لمركز القرار، تقوم على تركيز السلطة بيد شخصية واحدة، وتحويل مكتب رئيس الوزراء إلى أداة ضبط وتحكم مطلق، تُدار بالترهيب بقدر ما تُدار بالتفويض. فإن العراق قد يكون أمام نموذج جديد للحكم داخل الحكم، حيث لا يُدار النفوذ من خلال المؤسسات الدستورية، بل عبر دائرة ضيقة محصّنة، تُفرض فيها الطاعة لا بوصفها التزاماً وظيفياً، بل شرطاً للبقاء السياسي. وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأهم ليس عمّن سيُقصى أولاً، بل عن حدود هذه «الحركة التصحيحية»، وهل ستتوقف عند مكتب رئيس الوزراء، أم ستتمدّد لتطال مفاصل الدولة كافة، تحت شعار الإصلاح، وبأدوات لا تختلف كثيراً عن أساليب تصفية الخصوم.
وبمعنى اخر اكثر وضوحا وصراحة وحسب قراءتنا الاستباقية لهذه الأحداث فلم تعد المسألة تتعلق بعودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء لولاية ثالثة، بل بما يجري التحضير له خلف الأبواب المغلقة في مكتبه قبل أن تُعلن الحكومة أصلاً. فبحسب تسريبات متقاطعة من داخل المنطقة الخضراء، فإن السلطة الحقيقية لا يُراد لها أن تُدار من مجلس الوزراء، بل من مكتب رئيسه، وتحديداً من يد نجله الأكبر أحمد المالكي، الذي يستعد لفرض أول اختبار قوة له عبر تفكيك “الحرس القديم” الذي أحاط بوالده خلال ولايتيه السابقتين. أحمد المالكي، الذي تجاوز اليوم الخامسة والثلاثين، يعود لا بوصفه الابن المقرّب، بل باعتباره رأس حربة لعملية إعادة تشكيل قسرية لمركز القرار، قائمة على الإقصاء، والترهيب، وكسر مراكز النفوذ المنافسة. الجميع بات يعرف أن زمن التوازنات داخل مكتب رئيس الوزراء قد انتهى، وأن مرحلة جديدة تُكتب ملامحها الآن، عنوانها: الطاعة الكاملة… أو الخروج من المشهد بلا رجعة. وهذه ليست إعادة تنظيم إداري، بل إعلان غير مباشر عن ولادة سلطة ظل، ستُدار فيها الدولة من دائرة ضيقة، وتُستخدم فيها ملفات النزاهة كسلاح، لا كأداة إصلاح. وما لم يُطرح السؤال اليوم، فسيُفرض الجواب غداً على الجميع: من يحكم فعلياً العراق في الولاية الثالثة؟ رئيس الوزراء… أم نجله؟ ووفق ما تسرّب من دوائر قريبة من صنع القرار والتي وصلت لنا ومن خلال أحاديثنا المطولة مع بعض السادة المسؤولين الأفاضل فقد اتضح لنا بصورة جلية أن هناك عدة سيناريوهات سوف يكون عليه شكل الولاية الثالثة للمالكي ففي جميع الأحوال نحن نعتقد وحسب ما توصلنا له ، فإن أحمد نوري المالكي دخل فعلياً مرحلة تصفية الحسابات السياسية المؤجلة. خطوته الأولى ستكون الإطاحة الكاملة بما يُعرف بـ«الحرس القديم» الذي كان يحيط بوالده في الولاية الأولى، وهم شخصيات إدارية وأمنية لعبت أدواراً محورية في صناعة القرار آنذاك، لكنها كانت ترى في أحمد عائقاً لا شريكاً، ورفضت منحه أي نفوذ حقيقي داخل المكتب. في الولاية الثانية، تغيّر الخصوم ولم يتغير الصدام. هذه المرة واجه أحمد أقرباء نافذين، أمسكوا بالملف الاقتصادي، وأداروا شبكات مصالح واسعة، ما أدى إلى تهميشه بشكل واضح وإبعاده عن أخطر الملفات وأكثرها ربحاً. تلك المرحلة شكّلت، بحسب مصادر مطلعة، نقطة التحول في تفكير أحمد: من ابنٍ محاصر داخل بيت السلطة، إلى لاعب يخطط لإعادة توزيعها بالقوة.
اليوم، ومع الغطاء الكامل من نوري المالكي، يستعد أحمد لتولي رئاسة مكتب رئيس الوزراء بوصفه مركز القيادة الفعلي، لا مجرد موقع إداري. التعليمات واضحة:
- لا بقاء لأي شخصية لا تُظهر ولاءً مطلقاً.
- لا تسامح مع أي اعتراض أو حتى تردّد.
- كل ملف مفتوح يمكن تحويله إلى قضية نزاهة عند الحاجة.
الأخطر أن هيئة النزاهة، وفق هذه التسريبات، لن تكون جهة رقابية مستقلة، بل أداة ضغط وانتقاء، يُقدَّم من خلالها بعض المسؤولين كـ«أكباش فداء» لتثبيت هيبة السلطة الجديدة، وتلقين الآخرين درساً قاسياً في الطاعة. وبهذا المعنى، فإن ما يجري ليس إصلاحاً ولا تصحيحاً، بل إعادة توزيع عنيفة للنفوذ، تُدار بعقلية كسر العظم، وتُغلف بشعارات الدولة والقانون. الجميع في محيط المالكي باتوا يعرفون القاعدة الجديدة: إما الخضوع لأحمد المالكي، أو الإقصاء، أو الإحالة إلى ملفات لن تُفتح إلا على من يُراد إسقاطه.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس عن مصير الحرس القديم، بل عن مستقبل الدولة نفسها عندما تُختزل السلطة في مكتب، والمكتب في شخص، والشخص في منطق الانتقام السياسي.