رياض سعد
في عالم السياسة، ليس الخلاف في حدِّ ذاته عيبًا، ولا التباين في الرؤى مدعاةً للقطيعة… ؛ فالحياة السياسية بطبيعتها ساحةُ تفاعلٍ وتفاوضٍ وصراع مصالح، تتقدّم فيها الأمم حين يُدار الاختلاف بعقلٍ بارد، وتتعثر حين يتحوّل إلى خصومةٍ عمياء.
إنّ السياسة، في جوهرها، فنُّ إدارة الممكن، وليست ساحةً لتصفية الأوهام أو تصدير العقائد المغلقة والرؤى المتحجرة .
يمكن التفاهم مع أيِّ سياسيٍّ ما دامت مصلحة وطنه هي بوصلته، وما دام يدرك أن العمل العام يقوم على مبدأ الأخذ والعطاء، وعلى تبادل التنازلات في إطارٍ يحفظ الثوابت ويصون المصالح العليا… ؛ فهذا النمط من السياسيين يجعل من المصلحة الوطنية العليا معياراً للحوار ومنطلقاً للحلول الوسط ؛ فالدولة ليست معبدًا للأفكار الجامدة، بل كيانٌ حيٌّ يتنفس عبر مؤسساته، ويتطوّر عبر التوافقات المرحلية التي تضمن الاستقرار وتفتح آفاق الإصلاح.
السياسيُّ الذي يضع الوطن فوق الحسابات الشخصية والحزبية وغيرهما ، يدرك أن التنازل ليس ضعفًا، بل أداةٌ من أدوات البناء، وأن المرونة ليست خيانةً للمبادئ، بل ترجمةٌ واقعية لها في سياقٍ متغيّر.
نعم , إن السياسي الذي تؤطره الرؤية الوطنية قادر على تجاوز الذات والحزب، لأن بوصلته تشير باستمرار إلى الخير العام… ؛ و هذا النوع من السياسيين يدرك أن فن السياسة يقوم على التوازنات، وأن تحقيق المصلحة الوطنية قد يتطلب تنازلات هنا مقابل مكاسب هناك، وهو ما يفسر قدرتهم على البناء والتفاهم وبلورة الحلول التي ترضي الأطراف المختلفة دون التفريط بالثوابت .
غير أن المشكلة تبدأ حين يتحوّل العمل السياسي إلى غطاءٍ للفساد، أو منصةٍ لنشر الأساطير والخرافات التي تعشش في العقول… ؛ فالسياسي الفاسد لا يرى في الدولة سوى غنيمة، ولا في السلطة سوى وسيلةٍ للثراء والنفوذ… ؛ أما السياسي المؤدلج بأوهامٍ مغلقة ورؤى متشددة ، فإنه لا يرى في المجتمع سوى صورةٍ يريد أن يفرضها عليه قسرًا، ولا يعترف بتعقيد الواقع ولا بتعدديته… ؛ و كلاهما—الفاسد والأسير لأوهامه—يشتركان في أمرٍ واحد: العجز عن رؤية الحقيقة كما هي، والانصراف عن المصلحة العامة إلى مصالح ضيقة، سواء كانت ماديةً أو فكرية أو حزبية أو فئوية ضيقة .
هذا النمط من السياسيين لا يرى أبعد من أوهامه التي يظنها حقائق مطلقة، ولا يدرك تعقيدات الواقع وتشابكاته… ؛ لذلك لا يوجد أمل في التفاهم معه او مد جسور التعاون … ؛ إن أسير الأيديولوجيا المتصلبة لا يعترف بوجود الآخر ولا يقبل بشرعية وجهات النظر المخالفة، مما يجعله عاجزاً عن المناورة السياسية أو تقديم تنازلات، حتى لو كانت في صالح وطنه .
السياسة الرشيدة تقوم على إدراك أن الوطن أكبر من حزب، وأوسع من أيديولوجيا، وأبقى من الأشخاص والرموز … ؛ وهي تتطلب شجاعة الاعتراف بالأخطاء، والقدرة على مراجعة المواقف، والاستعداد للتكيّف مع المعطيات الجديدة دون التفريط في المبادئ الأساسية.
أما السياسة المؤدلجة حدَّ التعصّب، فإنها تُقصي المختلف، وتشيطن المخالف، وتختزل الواقع في ثنائياتٍ حادة: حقٌّ مطلق في مقابل باطلٍ مطلق… ؛ وفي ظل هذا المنطق، يستحيل الحوار، ويتعذّر التفاهم، لأن أحد الأطراف يرى نفسه مالكًا للحقيقة النهائية والحق المطلق .
نعم , السياسي المؤدلج يختزل العالم في ثنائيات مبسطة: خير وشر، حق وباطل، معنا وعلينا… ؛ هذه النظرة الاختزالية تجعله أسير دائرة مغلقة من اليقينيات الوهمية، فلا يرى في خصمه السياسي شريكاً محتملاً في الوطن، بل عدواً يجب إقصاؤه أو إبادة أفكاره… ؛ و هنا يتحول الحوار السياسي إلى معركة وجود، وتتحول التنازلات المتبادلة إلى خيانة وتنكر للمبادئ .
إن الخطر الأكبر الذي يتهدد الحياة السياسية في أي مجتمع يكمن في انتشار هذا النمط من السياسيين الذين يحولون الخلاف السياسي إلى صراع وجودي، والاختلاف في الرؤى إلى قطيعة فكرية لا يمكن تجاوزها… ؛ حينها تصبح السياسة سجناً للأوهام بدلاً من أن تكون فضاءً لتداول المصالح وإدارة الاختلافات .
إنّ التجارب التاريخية تُظهر أن الدول التي نجحت في العبور من الأزمات إلى الاستقرار لم تفعل ذلك عبر شعاراتٍ صاخبة، بل عبر تسوياتٍ ذكية وتفاهماتٍ مدروسة.
لم يكن التقدّم يومًا نتاجَ خطابٍ تعبويٍّ فقط، بل حصيلة عملٍ مؤسسيٍّ طويل النفس، يحترم القانون ويعتمد الشفافية والمساءلة… ؛ فحين تُختزل السياسة في ولاءاتٍ شخصية أو مناطقية أو طائفية أو في شعاراتٍ عاطفية، تُفقد الدولة توازنها، ويتراجع منسوب الثقة بين الحاكم والمحكوم .
والأخطر من الفساد المالي فسادُ الوعي… ؛ فالسياسي الذي يعتنق خرافاتٍ أو نظريات مؤامرة شاملة، يبني قراراته على تصوّراتٍ غير واقعية، ويقود مجتمعه إلى معارك وهمية… ؛ وحين تُدار الدولة بمنطق الأسطورة، تصبح السياسات ردود أفعالٍ على مخاوف متخيَّلة، لا خططًا عقلانية تستند إلى معطياتٍ موضوعية… ؛ في هذه البيئة، يتراجع العلم، ويُهمَّش الخبراء، ويعلو صوت الشعبوية على صوت الحكمة.
ليست السياسة ساحةً للملائكة، لكنها أيضًا ليست قدرًا محتومًا للفاسدين والحالمين بأوهامهم… ؛ إنّ الإصلاح يبدأ من إعادة تعريف العمل السياسي بوصفه خدمةً عامة، لا امتيازًا شخصيًا؛ ومسؤوليةً أخلاقية، لا فرصةً للغلبة… ؛ ويبدأ كذلك من وعي المجتمع بحقوقه وواجباته، وبقدرته على محاسبة من يتولّون أمره، عبر مؤسساتٍ دستورية وآلياتٍ ديمقراطية واضحة .
إنّ التفاهم ممكنٌ حين يكون الوطن هو الغاية، والمصلحة العامة هي الميزان، والعقل هو الحَكَم… ؛ أما حين تتقدّم الأهواء على الحقائق، وتُستبدل المصالح الوطنية بأحلامٍ أيديولوجيةٍ مغلقة، فإن السياسة تتحوّل إلى صراعٍ صفريٍّ لا رابح فيه.
وبين منطق الدولة ومنطق الوهم، تقف الشعوب أمام خيارٍ مصيري: إما أن تنتصر للعقل والتوافق، أو أن تظل أسيرة دوراتٍ متكررة من الأزمات والانقسامات .
إنّ مستقبل الأوطان لا يُبنى بالصوت الأعلى، بل بالفكرة الأعمق؛ ولا بالشعار الأجمل، بل بالسياسة الأعدل… ؛ وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نريد سياسةً تُدير خلافاتنا بحكمة، أم نسمح للأوهام بأن تُدير مصائرنا؟
وما أحوجنا اليوم إلى سياسيين تتسع رؤاهم لتستوعب تعقيدات الواقع، وتعلو بوصلتهم فتُشير إلى المصلحة الوطنية وحدها، لا إلى المصالح الحزبية الضيقة أو الأيديولوجيات الجامدة التي تعمى بصائر أصحابها عن رؤية ما هو أبعد من أنوفهم…