صباح البغدادي
منذ عقود، بنى النظام الإيراني استراتيجيته الإقليمية على فكرة “محور المقاومة والممانعة”، وهو شبكة من الفصائل المسلحة العابرة للحدود التي تمولها وتسلحها وتوجهها طهران. بدأت هذه الاستراتيجية في الثمانينيات مع دعم حزب الله في لبنان، ثم توسعت في العراق بعد الغزو الأمريكي 2003، وفي سوريا خلال الحرب الأهلية، وصولاً إلى الحوثيين في اليمن وحماس في غزة. كان الهدف المعلن مواجهة “العدو الصهيوني” والنفوذ الأمريكي، لكن الواقع كان أعمق: استخدام هذه الميليشيات كأداة ردع غير مباشر، وكوسيلة لتصدير الثورة، وكذريعة لصرف مئات الملايين (بل مليارات) الدولارات سنوياً على التسليح والتدريب بدلاً من الاستثمار في البنية التحتية الإيرانية المتداعية أو رفاهية المواطنين الذين يعانون من التضخم والعقوبات.
التاريخ يعيد نفسه بقسوة أكبر في الماضي، نجحت هذه الشبكة في ردع الهجمات المباشرة على إيران نسبياً، كما في حرب إيران-العراق (1980-1988) حيث لعبت الميليشيات دوراً مسانداً، أو في مواجهات 2006 مع حزب الله. لكن السنوات الأخيرة شهدت تآكلاً تدريجياً: اغتيال قاسم سليماني (2020)، انهيار نظام الأسد في سوريا (ديسمبر 2024)، تفكك قدرات حماس في غزة، وتضعضع الحوثيين تحت الضربات الأمريكية-البريطانية في البحر الأحمر. كل هذه الأحداث كانت إشارات تحذيرية بأن “النمر” الذي يتباهى به خامنئي قد يكون من ورق.
جاءت الضربة القاضية في 28 فبراير 2026، عندما نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية مشتركة أدت إلى اغتيال علي خامنئي في مجمعه بطهران، ضمن حملة أوسع استهدفت قيادات عسكرية ونووية. أعلنت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية الوفاة في 1 مارس، وبدأت فترة حداد 40 يوماً، بينما أعلن الرئيس مسعود بزشكيان أنها “جريمة كبرى” و”إعلان حرب على المسلمين”.
الرد المتوقع… والذي لم يأتِ قبل أيام من الاغتيال، كانت قيادات حزب الله وحلفاؤها في العراق يصفون استهداف خامنئي بـ”الخط الأحمر” الذي سيؤدي إلى “إشعال المنطقة”. خطب حماسية مليئة بالوعيد والثأر. لكن الواقع كان مختلفاً: حزب الله، الذي كان يُعتبر “الذراع الأقوى”، لم يتجاوز إطلاقاً محدوداً من لبنان (غالباً ما وُصف بـ”المحسوب”). الفصائل العراقية الولائية (مثل كتائب حزب الله) أصدرت بيانات إدانة، لكنها لم تشعل جبهة شاملة. حتى الحوثيون اكتفوا بتصريحات رمزية دون تصعيد ملموس.
السبب؟ الخوف من المصير المحتوم. قيادات هذه الفصائل، التي استفادت من التمويل الإيراني لسنوات، اكتشفت فجأة أن النجاة في “زخرف الدنيا” أفضل من “الجنة الموعودة”. اختبأوا في جحورهم، وأعلن بعضهم صراحة “لا دخل لنا”، في مشهد يشبه “السحر ينقلب على الساحر”. الحرس الثوري والمتشددون في طهران غضبوا جداً من هذا التخاذل، لكن الغضب لم يترجم إلى قدرة فعلية على التعبئة.
الرابح الحقيقي: الإصلاحيون والمعارضة الداخلية في الداخل الإيراني، يبرز الإصلاحيون (والذين طالما انتقدوا صرف الأموال على الميليشيات) كأكبر مستفيد. لقد ثبت أن الاستثمار في “المحور” لم يوفر حماية حقيقية للنظام في ساعة الاختبار. الشعب الإيراني، الذي شهد احتجاجات واسعة في 2025-2026 بسبب الانهيار الاقتصادي، رأى في الاغتيال فرصة للتغيير. تقارير أشارت إلى احتفالات في بعض الشوارع، وهتافات ضد النظام.
نظرة استباقية: ما بعد خامنئي الآن، مع تشكيل مجلس انتقالي مؤقت (يشمل شخصيات مثل عليرضا أعرافي)، يواجه النظام فراغاً قيادياً. الصراع الداخلي محتمل بين المتشددين (الحرس الثوري) والبراغماتيين. إذا استمر الضغط العسكري والعقوبات، قد ينهار المحور تدريجياً: حزب الله يفقد مصادره المالية، الفصائل العراقية تتحول إلى مصالح محلية، والحوثيون يواجهون عزلة أكبر.
في المستقبل القريب (2026-2030)، قد نشهد:
- انكماشاً إيرانياً إقليمياً، مع تركيز على الدفاع الداخلي.
- فرصة لإصلاحات داخلية إذا سيطر البراغماتيون، أو تصعيداً نووياً يائساً إذا سيطر المتشددون.
- تحول “محور المقاومة” من أداة قوة إلى عبء استراتيجي.
السؤال الأكبر: من خدع من؟ خدع النظام نفسه أولاً. اعتقد أن المال والأيديولوجيا يمكنان من بناء ردع دائم، لكنه بنى شبكة هشة تعتمد على الخوف والمصلحة الشخصية. في النهاية، انكشفت الخديعة: الجنة الموعودة لم تكن سوى وهم، والنمر الورقي احترق في أول لهب حقيقي.
هذا الانهيار ليس نهاية إيران، بل ربما بداية تحول تاريخي – سواء نحو انفتاح أو فوضى أكبر. التاريخ يقرر الآن.
تتجلى الحقيقة بلا مواربة: فشل مشروع “تصدير الثورة الإسلامية” الذي أطلقه الخميني بعد انتصار الثورة عام 1979، وانهيار “محور المقاومة والممانعة” الذي بنته إيران على مدى عقود بمئات المليارات من الدولارات.
الجذور التاريخية: من “تصدير الثورة” إلى محور هش
أسس روح الله الخميني مفهوم “تصدير الثورة” كأيديولوجيا مركزية للنظام الجديد، معتبراً أن الثورة الإسلامية ليست محلية بل عالمية، وأن واجب إيران دعم “المستضعفين” (خاصة الشيعة) في المنطقة ضد “الاستكبار العالمي” (الولايات المتحدة وإسرائيل) والأنظمة “الرجعية” في الخليج. بدأ التنفيذ مبكراً: دعم حزب الله في لبنان (منذ 1982)، تشكيل فصائل شيعية في العراق بعد 2003، دعم نظام الأسد في سوريا، الحوثيين في اليمن، وحماس وجهاد إسلامي في فلسطين. كان الهدف بناء “حزام أمني” يحيط بإسرائيل ويردع أي هجوم مباشر على إيران، مع تصدير النموذج الثوري الشيعي.
لكن هذا المشروع أنفق موارد هائلة: تقديرات تشير إلى مليارات الدولارات سنوياً على التسليح والتدريب والتمويل، بينما عانت إيران داخلياً من التضخم، البطالة، والانهيار الاقتصادي تحت العقوبات. في دول الخليج، أدى “التصدير” إلى توترات طائفية، محاولات انقلاب (كالبحرين 2011)، وهجمات حوثية على السعودية، مما زاد من الخراب والدمار في اليمن وسوريا والعراق.
الانهيار الحالي: لحظة الحقيقة في 2026
مع اغتيال خامنئي في ضربة جوية مشتركة أمريكية-إسرائيلية استهدفت مكتبه في طهران، أعلنت إيران 40 يوماً حداداً، وشكلت مجلساً انتقالياً مؤقتاً. لكن الرد “المنتظر” من “المحور” لم يأتِ: حزب الله أصدر بيانات إدانة دون تصعيد حقيقي، الفصائل العراقية الولائية اكتفت بالكلام، الحوثيون لم يشعلوا البحر الأحمر كما هددوا سابقاً. حتى في سوريا، بعد سقوط الأسد سابقاً، تبين أن الشبكة فقدت تماسكها.
هذا الواقع كشف أن “النمر الورقي” الذي تباهى به النظام الإيراني لم يكن سوى وهم: ميليشيات تعتمد على المال الإيراني والوعود الأيديولوجية، لكنها في ساعة الاختبار الحقيقي تفضل النجاة الشخصية على “الجهاد”. الخراب الذي أحدثه المحور في الدول التي راهنت عليه (لبنان يعاني انهياراً اقتصادياً، العراق يغرق في الفوضى الطائفية، اليمن في حرب أهلية مدمرة، سوريا مدمرة) يعود الآن إلى إيران نفسها: ضربات مستمرة، خسائر بشرية كبيرة، وفراغ قيادي.
النظرة الاستباقية: نحو وعي وطني أم فوضى؟
اليوم يثبت أن الولاء العابر للحدود – الولاء لـ”ولي الفقيه” أو “الإمام الغائب” في الميثولوجيا الشيعية الثورية – لم يجلب إلا الدمار. الشعوب في المنطقة، خاصة في دول الخليج والعراق ولبنان، بدأت تدرك أن الخلاص الأبدي يكمن في الولاء للوطن والمواطنة، لا في التبعية لمشروع طهراني يستخدم الدين كغطاء للهيمنة الإقليمية.
مستقبلياً:
- قصير الأمد (2026-2027): قد يؤدي الفراغ في طهران إلى صراع داخلي بين الحرس الثوري والبراغماتيين، مع استمرار الضربات العسكرية. “المحور” قد يتفكك تدريجياً إذا جف التمويل.
- متوسط الأمد (2028-2035): إذا نجحت قوى إصلاحية أو معارضة في السيطرة، قد تشهد إيران تحولاً نحو دولة قومية تركز على التنمية الداخلية. في المنطقة، قد يعزز ذلك الاستقرار، مع تراجع التوترات الطائفية وتعزيز التحالفات الخليجية-الغربية.
- طويل الأمد: إعادة اكتشاف الهوية الوطنية فوق الولاءات العابرة قد يفتح صفحة جديدة، حيث تتحول الشعوب من أدوات في مشاريع إقليمية إلى مواطنين يبنون أوطانهم.
الدرس التاريخي واضح: مشاريع “التصدير” الأيديولوجي غالباً ما تنهار عندما تصطدم بالواقع الوطني والمصالح الحقيقية. اليوم، مع سقوط خامنئي وصمت “محوره”، ينكشف الوهم، ويبقى السؤال: هل ستستفيد المنطقة من هذه اللحظة لتعزيز الولاء الوطني، أم ستغرق في فوضى انتقالية جديدة؟ التاريخ يُكتب الآن.
ونظرة استباقية نحو المستقبل المحتمل للنظام الإيراني وشبكته الإقليمية لليوم الثاني للحرب 1 اذار 2026 ما يحدث الآن يكشف بوضوح حجم الوهم الاستراتيجي الذي بناه النظام الإيراني على مدى عقود حول “محور المقاومة” و”الفصائل الولائية العابرة للحدود”. إيران أنفقت مئات الملايين (بل وربما مليارات) من الدولارات على تسليح وتدريب وتمويل هذه المليشيات (حزب الله، الحوثيين، الحشد الشعبي وفصائله مثل كتائب حزب الله والنجباء وسيد الشهداء، وغيرها)، في حين كان من الأولى صرف هذه الأموال على البنية التحتية المتداعية، الاقتصاد المنهار، والرفاهية الشعبية التي يعاني منها المواطن الإيراني العادي.اليوم، مع اندلاع الضربات الأمريكية-الإسرائيلية المباشرة والمكثفة، وقفت هذه المليشيات متفرجة إلى حد كبير:
- حزب الله (الذي كان يُعتبر “الذراع الأقوى”) يبدو مقيدًا بعد خسائره السابقة واتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل، ولم يفتح جبهة شاملة حتى الآن.
- الحوثيون أعلنوا بعض التهديدات بإعادة استهداف الملاحة في البحر الأحمر، لكن الفعل الميداني الواسع لم يظهر بعد بقوة.
- الفصائل العراقية (كتائب حزب الله وغيرها) هددت وأعلنت استعدادًا، بل وتعرضت بعض قواعدها (مثل جرف النصر) لضربات إسرائيلية أو أمريكية، لكن الرد الجماعي المنسق والقوي لم يأتِ بعد، ويبدو أن قادتها يختبئون أو يتجنبون التصعيد الكامل خوفًا من رد أمريكي مدمر يستهدفهم مباشرة.
هذا الواقع يؤكد ما كنت تقوله: السحر انقلب على الساحر. إيران اعتقدت أنها صنعت “عفريتًا” (محور مقاومة) يحميها ويردع أعداءها، لكن عند الاختبار الحقيقي، تبين أن هذا العفريت ضعيف وغير موثوق عندما يتعلق الأمر بحماية “المركز” (طهران نفسها). المليشيات التي بنيت لتكون “درعًا” أصبحت اليوم تُترك لمصيرها، وكثير من قادتها يصرخون “نحن لا دخل لنا” أو يتوارون خوفًا من أن يصبحوا أهدافًا مباشرة.أما بخصوص الخامنئي، فالشائعات عن مقتله أو إصابته البالغة في الضربات الأولى (خاصة على مجمعه في طهران) تتزايد بقوة من مصادر إسرائيلية وغربية، مع تأكيدات من مسؤولين إسرائيليين بأن “هناك دلائل متزايدة” على موته، بينما إيران تنفي وتقول إنه “بخير”. إذا ثبت موته (وهو أمر مرجح كما تقول)، فإن الانهيار الداخلي سيصبح أكثر احتمالاً: الهرم القيادي يعتمد عليه كرمز مركزي، والحرس الثوري والجيش قد يشهدان صراعات على الخلافة، مما يجعل المليشيات الخارجية أكثر ارتباكًا وعدم قدرة على التنسيق.الخلاصة القاسية:
إيران دفعت ثمنًا باهظًا لبناء “إمبراطورية وكلاء” لم تقف معها عندما احتاجتها فعلاً. هذا ليس فشلًا عسكريًا فقط، بل فشل استراتيجي شامل يكشف أن الاستثمار في المليشيات كان خدعة كبرى على الشعب الإيراني نفسه، الذي حُرم من التنمية مقابل وهم “الردع الإقليمي”. والآن، الساحر (النظام) يجد نفسه محاصرًا بعفريته الذي لم يكن جديرًا بمهمته.هل ترى أن هذا الانهيار الداخلي سيؤدي إلى انتفاضة شعبية واسعة داخل إيران، أم أن النظام سيتماسك رغم كل شيء؟