فاتورة الحرب الحقيقية

فاتورة الحرب الحقيقية
كتب رياض الفرطوسي
عندما تتوقف الحروب لا يخرج الناس أولاً إلى المقابر، بل إلى الشاشات. تبدأ لغة الأرقام فوراً. كم صاروخ أُطلق، كم طائرة أقلعت، كم منصة إطلاق دُمّرت، كم مبنى انهار. الأرقام تتحرك بسرعة على لسان المحللين كما لو أنهم يحصون بضائع في مخزن.

لكن هناك بنداً واحداً لا يظهر في هذه الفواتير.
الإنسان.

الحرب الحديثة صارت تبدو من بعيد نظيفة وباردة. صور أقمار صناعية، خرائط رقمية، نقاط مضيئة تتحرك على الشاشات. لكن خلف كل نقطة حكاية حياة كاملة. خلف كل انفجار عالم صغير انطفأ فجأة.

المشكلة أن الحروب لا تكتفي بما تفعله في الميدان. الجزء الأخطر يبدأ بعد ذلك، حين يعود الذين عبروا التجربة إلى حياتهم القديمة.

في المجتمعات المستقرة هناك اعتراف صريح بأن الحرب تجربة قاسية على النفس. الجندي الذي يرى الموت أو يعيش تحت القصف ليس آلة. لذلك توجد مؤسسات كاملة لمساعدته على عبور الصدمة، أطباء نفسيون، برامج إعادة تأهيل، ومساحة اجتماعية تسمح له بالكلام دون خوف من الاتهام أو السخرية.

الفكرة بسيطة، الإنسان الذي اقترب من الموت يحتاج وقتاً ليعود إلى الحياة.

لكن في كثير من مجتمعاتنا يحدث العكس تماماً.

الإنسان الذي يعود من الحرب يواجه جداراً من الصمت. لا أحد يريد سماع التفاصيل. الناس يريدون قصة قصيرة ومريحة، بطولة سريعة، نهاية نظيفة. أما الفوضى الحقيقية التي تحدث داخل الروح فلا مكان لها في الأحاديث اليومية.

لهذا يتعلم كثير من الناجين مهارة غريبة، الصمت.

يمشون بين الناس بوجوه عادية بينما تدور في داخلهم حرب أخرى. ليست حرباً بالسلاح، بل حرب الذاكرة. صور لا تغادر، أصوات تعود في الليل، وأحداث يحاول العقل ترتيبها فلا يستطيع.

المفارقة أن ثقافتنا ما زالت تمجد الصلابة القاسية. الرجل يجب أن يبدو كالصخر، بلا خوف، بلا ارتباك، بلا اعتراف بالضعف. هذه صورة قديمة خرجت من زمن الفروسية وبقيت تعيش بيننا رغم أن العالم تغيّر.

لكن الحقيقة أبسط من كل هذه الأساطير.

الحرب ليست مسرحاً للبطولة فقط، بل مصنع ضخم للصدمة الإنسانية.

المفكر الفرنسي ميشيل فوكو كتب يوماً أن السلطة لا تعمل بالقوة فقط، بل أيضاً بالطريقة التي تُعرِّف بها المجتمع على ما هو طبيعي وما هو عيب. في بعض البيئات يصبح الألم النفسي عيباً يجب إخفاؤه، فيتحول الجرح إلى سر ثقيل يحمله صاحبه وحده.

وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية.

لأن المجتمع الذي لا يسمع تجارب الذين عاشوا العنف يفقد فرصة فهم نفسه. الجنود العائدون لا يحملون مجرد ذكريات شخصية، بل يحملون معرفة عميقة بطبيعة الإنسان عندما يقترب من حافة الفناء.

الحرب تكشف طبقات خفية في النفس. الخوف، الشجاعة، الأنانية، التضامن، كل ذلك يظهر في لحظات قليلة ومكثفة. إنها تجربة تضغط الحياة كلها في زمن قصير جداً.

لهذا يخرج كثير من الذين عاشوا الحروب وهم ينظرون إلى العالم بطريقة مختلفة. بعضهم يصبح أكثر حكمة، وبعضهم أكثر قلقاً، وبعضهم يفقد ثقته القديمة بالبشر.

هذه التحولات لا تظهر في نشرات الأخبار.

الأخبار تحصي ما احترق من المباني. لكنها لا تحصي ما احترق من يقين داخل النفوس. لا تحصي عدد الأحلام التي توقفت، ولا العلاقات التي تغيرت، ولا الأطفال الذين كبروا بسرعة لأن الحرب سرقت طفولتهم.

الحرب تترك آثاراً بطيئة لكنها عميقة. شعور دائم بعدم الأمان، حذر في العلاقات، وذاكرة جماعية مثقلة بالخوف. هذه الأشياء تنتقل بين الأجيال بصمت مثل عدوى غير مرئية.

ولعل أخطر ما في الحروب الطويلة أنها تغيّر طريقة المجتمع في فهم الحياة نفسها. يصبح العنف مألوفاً، ويصبح القلق جزءاً من الإيقاع اليومي.

ومع الوقت يبدأ الناس بالتكيف مع حالة غير طبيعية كما لو أنها قدر دائم.

لهذا فإن الحديث عن نتائج الحروب لا يجب أن يتوقف عند الخرائط والسياسة. السؤال الحقيقي هو ماذا يحدث للإنسان بعد أن ينجو.

هل يجد مجتمعاً قادراً على احتضانه، أم يجد نفسه مضطراً إلى دفن ذاكرته حياً؟

الحروب تنتهي رسمياً عندما تصمت الصواريخ.
لكنها في الحقيقة لا تنتهي إلا عندما يستطيع الذين عاشوها أن يحكوا قصصهم دون خوف.

لأن الصمت الطويل ليس شفاءً.
الصمت مجرد هدنة داخل الروح.