رياض سعد
كان المساء يتدلّى على المدينة مثل ستارةٍ رمادية، حين وقف حمدي في موقف الباصات العمومية…
كان الناس حوله يتحركون كأشباحٍ معتادة: موظفون منهكون، طلاب يجرّون حقائبهم، وباعةٌ يطاردون آخر ما تبقّى من النهار…
أما هو فكان واقفًا كمن ينتظر شيئًا لا يعرفه… ؛ كأن قلبه يترقّب حدثًا خفيًا لم يحن وقته بعد…
توقّف الباص أخيرًا، مطلقًا زفيرًا معدنيًا ثقيلاً، وصعد الركّاب واحدًا تلو الآخر… ؛ وحين وطئت قدما حمدي القصيرتان أرضية الباص، حدث ما لم يكن في حساب الزمن…
ارتطمت عيناه بنورٍ غريب …
لم يكن نورًا عاديًا؛ بل إشعاعًا يتسلّل من وراء الحجب، كأن الأثير نفسه انشقّ فجأة… ؛ رآه يتلألأ كما تتلألأ الجواهر النادرة حين تخترقها أشعة الشمس عبر نافذة غرفةٍ مظلمة …
كانت هناك… , فتاة … ؛ لكن عينيها لم تكونا عينين … ؛كانتا شمسين ذهبيتين متوهجتين …
ارتبك …
دارت الدنيا به لحظةً، ثم توقّف كل شيء …
لم يعد يسمع هدير الباص، ولا ضجيج الركّاب، ولا الأحاديث المتقاطعة …
كأن الزمن انكمش فجأة، واختُزل في بؤبؤي تلك العينين …
ذاب حمدي في عالمها الذي لا يعرف عنه شيئًا …
وبينما هو غارق في تلك الغيبوبة العاطفية الوجدانية، سمع صوتها أخيرًا… ؛ كان صوتها خرير ماءٍ صافٍ يسقط من ينابيع الجنان إلى أرضٍ عطشى، فيوقظها من سباتها الطويل …
قالت للسائق بهدوء :
… من فضلك… , قف هنا
نزلت … ؛ونزل حمدي خلفها دون أن يفكر، كأن إرادته تُقاد بخيطٍ خفي …
كانت تمشي… ؛ وهو يمشي خلفها …
وكان عطرها يمشي معها كما يمشي الظل مع صاحبه …
كلما اقترب منها واستنشق ذلك العطر ؛ رفرفت روحه في صدره… ؛ و كأن صدره مريضٌ بالربو يعاني ضيق التنفس، ثم يأتي طبيبٌ رحيم فيضع جهاز الأكسجين في أنفه، فيتنفس بعد طول اختناق …
دخلت أحد المحلات الضيقة …
طرقت بابًا صغيرًا …
فُتح لها… , واختفت في الداخل …
وقف حمدي لحظةً أمام الباب، ثم انصرف …
لكنه لم ينسَ …
حفظ المكان، وتعرّف على الزقاق، وعلى لون الجدران، وعلى عنوان الدار… ؛ ومنذ ذلك اليوم صار يتردد على تلك المحلة بين حينٍ وآخر، كما يتردد العطشان على بئرٍ جفّت…؛ آملاً أن تمتلئ بالماء فجأة …
لكنها لم تظهر …
مرّت أيام… ؛ ثم أسابيع ؛ ثم انصرمت بضعة شهور …
وفي أحد الأيام، بينما كان واقفًا في موقف الباصات متجهًا كالعادة نحو محلتها، توقّف الباص وصعد … ؛وحين رفع عينيه ؛ رآها .
لكن ليتَه لم يرَها …
كانت جالسة بجانب شابٍ وسيم، يمسك يدها ويضغط عليها بقوة… ؛ و كانا يتبادلان الحديث والضحكات والهمسات،و يتقاذفان كلمات الغزل دون أن يباليا بمن حولهما… كانا في عالمٍ خاص، والباص ومن فيه مجرد ضوضاءٍ بعيدة لا تعنيهما …
شعر حمدي كأن شيئًا باردًا انغرس في صدره .
وقف مذهولًا .
ولما نزلا في محلةٍ أخرى، نزل خلفهما بلا وعي… ؛ تبعهما حتى دخلا إحدى العمارات السكنية التي تعرفها المدينة جيدًا… ؛ عمارات اللهو، حيث تختلط الضحكات بالخمر، وتُباع اللحظات الجنسية كما تُباع السلع …
وقف في الخارج .
مرّت ساعتان … ؛ ثم نزلت .
كانت وجنتاها محمرتين، وخطواتها ثقيلة… ؛ و كانت تلتفت يمينًا ويسارًا، كما يلتفت من سرق شيئًا ثمينًا ويخشى أن يُقبض عليه …
أوصلها الشاب إلى موقف الباصات .
صعدت في أحد الباصات… , وانطلق بها .
أما حمدي فظل واقفًا في مكانه .
لم يتحرك …
لم يصعد خلفها …
لم يتبعها هذه المرة …
لقد أدرك فجأة أن بعض الأوهام، مهما بدت مضيئة في البداية، ليست إلا مرايا تعكس عطش الروح… ؛ لا ضفاف الانهار .
واكتشف أن الإنسان أحيانًا لا يحبّ شخصًا بعينه، بل يحبّ الصورة التي صنعها خياله لذلك الشخص …
ابتسم ابتسامةً باهتة، وهو يراقب الباص يبتعد في زحام الشوارع …
ثم همس لنفسه بصوتٍ خافت :
… يكفي… ؛ لقد اكتفيت من الخذلان
ومضى الى بيته .
لكن في أعماقه ظل سؤالٌ صغير يتردّد، مثل صدى بعيد في كهف النفس :
هل كانت تلك العينان شمسين حقًا … ؛أم أن قلبي كان هو الذي يبحث عن الضوء في عيون الاخرين ؟