د. فاضل حسن شريف
عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى عن أمر بفتح الهمزة “وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ” ﴿الشعراء 151﴾ يعني الرؤساء منهم وهم تسعة رهط من ثمود الذين عقروا الناقة. قوله سبحانه “وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ” ﴿القمر 3﴾ “وكذبوا” أي بالآية التي شاهدوها “واتبعوا أهواءهم” في التكذيب وما زين لهم الشيطان من الباطل الذي هم عليه “وكل أمر مستقر” فالخير يستقر بأهل الخير والشر يستقر بأهل الشر عن قتادة والمعنى أن كل أمر من خير وشر مستقر ثابت حتى يجازى به صاحبه إما في الجنة أوفي النار وقيل معناه لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر وما كان منه في الآخرة فسيعرف عن الكلبي. قوله جل جلاله قوله جل وعلا “إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ” ﴿هود 97﴾ ” إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ” أي: قومه وقيل: أشراف قومه الذين تملأ الصدور هيبتهم “فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ” وتركوا أمر الله تعالى ” وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ” أي: مرشد ومعناه: ما هو بهاد لهم إلى رشد ولا قائد إلى خير فأمر فرعون كان على ضد هذه الحال لأنه داع إلى الشر وصاد عن الخير وفي هذا دلالة على أن لفظة الأمر مشتركة بين القول والفعل والمراد هاهنا وما فعل فرعون برشيد.
وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى عن أمر بفتح الهمزة “وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ” ﴿الشعراء 151﴾ الظاهر أن المراد بالأمر ما يقابل النهي بقرينة النهي عن طاعته وإن جوز بعضهم كون الأمر بمعنى الشأن وعليه يكون المراد بطاعة أمرهم تقليد العامة واتباعهم لهم في أعمالهم وسلوكهم السبل التي يستحبون لهم سلوكها. والمراد بالمسرفين على أي حال أشراف القوم وعظماؤهم المتبوعون والخطاب للعامة التابعين لهم وأما السادة الأشراف فقد كانوا مأيوسا من إيمانهم واتباعهم للحق. قوله سبحانه “وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ” ﴿القمر 3﴾ متعلق التكذيب بقرينة ذيل الآية هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما أتى به من الآيات أي وكذبوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وما أتى به من الآيات والحال أن كل أمر مستقر سيستقر في مستقره فيعلم أنه حق أو باطل وصدق أو كذب فسيعلمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صادق أو كاذب، على الحق أولا فقوله: “وكل أمر مستقر” في معنى قوله: ” وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ” (ص 88). وقيل متعلق التكذيب انشقاق القمر والمعنى: وكذبوا بانشقاق القمر واتبعوا أهواءهم، وجملة “وكل أمر مستقر” لا تلائمه تلك الملاءمة. قوله جل جلاله قوله جل وعلا “إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ” ﴿هود 97﴾ نسبة رسالته إلى فرعون وملئه – والملأ هم أشراف القوم وعظماؤهم الذين يملئون القلوب هيبة – دون جميع قومه لعلها للإشارة إلى أن عامتهم لم يكونوا إلا أتباعا لا رأي لهم إلا ما رآه لهم عظماؤهم. وقوله:”فاتبعوا أمر فرعون” إلخ، الظاهر أن المراد بالأمر ما هو الأعم من القول والفعل كما حكى الله عن فرعون في قوله:” قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ:” غافر: – 29، فينطبق على السنة والطريقة التي كان يتخذها ويأمر بها. وكان الآية محاذاة لقول فرعون هذا فكذبه الله تعالى بقوله:”وما أمر فرعون برشيد”. والرشيد فعيل من الرشد خلاف الغي أي وما أمر فرعون بذي رشد حتى يهدي إلى الحق بل كان ذا غي وجهالة، وقيل: الرشيد بمعنى المرشد. وفي الجملة أعني قوله:”وما أمر فرعون برشيد” وضع الظاهر موضع المضمر والأصل”أمره” ولعل الفائدة فيه ما يفيده اسم فرعون من الدليل على عدم رشد الأمر ولا يستفاد ذلك من الضمير البتة.
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى عن أمر بفتح الهمزة “وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ” ﴿الشعراء 151﴾ المراد بالمسرفين المفسدين الرؤساء والزعماء لأنهم أصل الداء والبلاء إلا من ندر، فلا دين ولا قيم في مفهومهم إلا مصلحتهم ومصلحة ذويهم. وكان في قوم صالح تسعة من هؤلاء المسرفين المفسدين كما في صريح الآية 48 من سورة النمل: “وكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ولا يُصْلِحُونَ” (النمل 48). قوله سبحانه “وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ” ﴿القمر 3﴾ هذا تهديد لمن أعرض عن القرآن، والمعنى ان كل شيء ثابت في علم اللَّه تعالى لا تخفى عليه خافية، ومنه إعراض من أعرض عن القرآن، ومثله قوله تعالى في الآية 66 من سورة الأنعام: “وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهُو الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ” (الأنعام 66).
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى عن أمر بفتح الهمزة “وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ” ﴿الشعراء 151﴾. قوله سبحانه “وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ” ﴿القمر 3﴾ إنّه يشير إلى سبب مخالفتهم وعنادهم وسوء العاقبة التي تنتظرهم نتيجة لهذا الإصرار. إنّ مصدر خلاف هؤلاء وتكذيبهم للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو تكذيب معاجزه ودلائله، وكذلك تكذيب يوم القيامة، هو اتّباع هوى النفس. إنّ حالة التعصّب والعناد وحبّ الذات لم تسمح لهم بالاستسلام للحقّ، ومن جهة اُخرى فإنّ المشركين ركنوا للملذّات الرخيصة بعيداً عن ضوابط المسؤولية، وذلك إشباعاً لرغباتهم وشهواتهم، وكذلك فإنّ تلوّث نفوسهم بالآثام حال دون استجابتهم لدعوة الحقّ، لأنّ قبول هذه الدعوة يفرض عليهم التزامات ومسؤوليات الإيمان والاستجابة للتكاليف. نعم إنّ هوى النفس كان وسيبقى السبب الرئيسي في إبعاد الناس عن مسير الحقّ. وبالنسبة لقوله تعالى: (وكلّ أمر مستقر)، يعني أنّ كلّ إنسان يجازى بعمله وفعله، فالصالحون سيكون مستقرّهم صالحاً، والأشرار سيكون مستقرّهم الشرّ. ويحتمل أن يكون المراد في هذا التعبير هو أنّ كلّ شيء في هذا العالم لا يفنى ولا يزول، فالأعمال الصالحة أوالسيّئة تبقى مع الإنسان حتّى يرى جزاء ما فعل. ويحتمل أن يكون تفسير الآية السابقة أنّ الأكاذيب والإتّهامات لا تقوى على الإستمرار الأبدي في إطفاء نور الحقّ والتكتّم عليه، حيث إنّ كلّ شيء (خير أوشرّ) يسير بالاتجاه الذي يصبّ في المكان الملائم له، حيث إنّ الحقّ سيظهر وجهه الناصح مهما حاول المغرضون إطفاءه، كما أنّ وجه الباطل القبيح سيظهر قبحه كذلك، وهذه سنّة إلهيّة في عالم الوجود. وهذه التفاسير لا تتنافى فيما بينها، حيث يمكن جمعها في مفهوم هذه الآية الكريمة. قوله جل جلاله قوله جل وعلا “إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ” ﴿هود 97﴾ أنّ جماعة فرعون الذين وجدوا منافعهم مهددة بالخطر بسبب دعوة موسى، فإنّهم لم يكونوا مستعدين للاستجابة. لمنطقه الحق ومعجزاته “فاتبعوا أمر فرعون”. ولكن فرعون ليس من شأنه هداية الناس الى الحياة السعيدة أوضمان نجاتهم وتكاملهم:” وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ”.