الكتابة بلا جمهور

الكتابة بلا جمهور

كتب رياض الفرطوسي

(إلى عبد الحسين عبد الرزاق… حيث لا تزال الكلمات تجد معناها)

في هذا العالم، الكلمات تُقال، لكنها لا تجد من يتوقف عندها. تمرّ كنسمةٍ خفيفة فوق وجوهٍ مشغولة، لا تترك أثراً، ولا تستقر في ذاكرة. الصوت لا يضيع، بل يعود، يدور في داخله كأنه يسأل نفسه: هل قيل حقاً؟ أم كان مجرد محاولة نجاة؟

هناك، في أسفل الأشياء، حيث تختلط الحقيقة بما يشبهها، والوعي بما يقلّده، والجمال بما يبتذله، يبدأ ذلك الشعور الخفي الذي لا يُكتب بسهولة: أن ترى بوضوح، في زمنٍ فقد القدرة على الرؤية.

قال لي، بعد خمسين عاماً من الكتابة، إنه لم يعد يكتب. لم يقلها كاعتراف، بل كهدوءٍ يشبه التعب النبيل، كأن الكلمات نفسها صارت أثقل من أن تُحمل. ثم أضاف، بصوتٍ يعرف الطريق جيداً: نحن لا نفتقد الكتابة، بل نفتقد من يفهمها.

كان يتحدث عن زمنٍ يشبه الهذيان. لا لأن العقول غابت، بل لأنها تُستعمل في غير معناها. عندها، يعود صوت شوبنهاور قاسياً وواضحاً: لا معنى لتصفيقٍ عارم إذا كان الجالسون صمّاً. ليست المشكلة في الموسيقى، بل في الأذن التي لم تعد تسمع.

وهكذا تصبح المأساة أكثر دقة: ليست في غياب الصوت، بل في غياب القدرة على التقاطه. ليست في قلة الجمال، بل في انعدام من يهواه.

في الأزمنة التي تتكدس فيها الأصوات، لا يختفي العظيم لأنه أقل، بل لأنه أعمق. كما يحدث حين يولد شاعرٌ في ظلّ آخر أكبر حضوراً، فلا يُرى، لا لأنه لا يستحق، بل لأن الضوء كان مشغولاً بغيره. الفكرة ذاتها لاحقت شوبنهاور، ولاحقت كثيرين قبله وبعده: أن تكون سابقاً لزمنك، يعني أن تمشي وحدك.

الكتابة هنا ليست مهنة، ولا ترفاً، بل حالة وجود. هي ذلك القلق النبيل الذي لا يهدأ، وتلك الرغبة العنيدة في إنقاذ المعنى من الانهيار. هي أن تكتب، لا لأن هناك من ينتظر، بل لأن هناك شيئاً في داخلك لا يحتمل الصمت.

لكن المأزق ليس في غياب الجمهور فقط، بل في تحوّله. جمهور يسمع ولا يُنصت، يكرر ولا يفكر، ينتمي دون أن يسأل. هنا، يتشكل ما يشبه “الهذيان الجماعي”، حيث تتحول الأفكار إلى قوالب جاهزة، وتصبح اللغة نفسها أداة لإخفاء المعنى لا كشفه.

في هذا الالتباس، تظهر الهجنة، كما وصفها هومي بابا (أستاذ في جامعة هارفارد متخصص في الدراسات ما بعد الكولونيالية)، بوصفها امتزاجاً خفياً في الهوية، يجعل الإنسان يتكلم بصوتٍ ليس صوته، ويفكر بعقلٍ لم يُصغه بنفسه. لا يعود يعرف إن كان يختار، أم يُختار له.

المهجن لا يرى قيده، لأنه يسكنه. يتبنى ما زُرع فيه، ويدافع عنه كأنه وُلد معه. يبحث عن مكانة داخل جماعة، لا عن معنى داخل نفسه. وهنا، يصبح التفكير فعلاً نادراً، لا لأنه صعب، بل لأنه غير مطلوب.

جورج أورويل لمح هذه الحالة بوضوح مرعب: حين يهبط الإنسان إلى القاع، يفقد أوهامه، لكنه يكتسب شيئاً آخر، راحة قاسية، لأنه لم يعد يملك ما يخسره. عند تلك النقطة، يمكن أن يبدأ الصعود، إن بقيت لديه القدرة على أن يرى.

لكن ما يحدث اليوم يتجاوز ذلك: لم يعد السقوط يُرى كسقوط، بل كحالة طبيعية. تُمحى الذاكرة، لا بالمنع، بل بالتشويه. يُعاد تشكيل الماضي، لا ليُفهم، بل ليُستخدم. تُخلق ذاكرة بديلة، رخوة، سهلة، تبرر كل شيء، وتُبقي الإنسان في حالة تبعية دائمة.

وهنا، تصبح التفاهة نظاماً. ليست صدفة، بل بناءً متماسكاً، يملأ الفراغ، ويمنع الأسئلة، ويمنح الناس شعوراً زائفاً بالاكتفاء. في هذا العالم، لا يُقصى العميق لأنه خطير فقط، بل لأنه يوقظ، واليقظة مكلفة.

ومع ذلك، تبقى هناك حفنة قليلة، تكتب. لا لأنها أقوى، بل لأنها لم تتعلم كيف تتخلى. تكتب كما لو أنها تحفظ شيئاً من الانقراض، كما لو أن الكلمات آخر خط دفاع عن المعنى.

الكتابة بلا جمهور ليست عزلة، بل اختبار. اختبار لقدرة الإنسان على أن يبقى وفياً لما يرى، لا لما يُطلب منه أن يراه. أن يكتب لأنه يفهم، لا لأنه يُفهم.

ليس المهم أن يُقرأ النص الآن، بل أن يبقى صالحاً للقراءة حين يأتي من يستطيع أن يراه. فالحقيقة لا تعمل بمنطق الكثرة، بل بمنطقها الخاص، الهادئ، البعيد، الذي لا يُقاس بالتصفيق.

الكاتب، في هذه الرحلة، لا يكون وحيداً كما يبدو. هو يسير مع أصوات بعيدة، مع أولئك الذين كتبوا قبله، ولم يُفهموا فوراً. كأنهم يتبادلون الضوء عبر الزمن، دون أن يلتقوا.

في النهاية، الكتابة بلا جمهور ليست خسارة، بل شكل نادر من الحرية. أن تكتب خارج السوق، خارج القطيع، خارج الحاجة إلى التصفيق. أن تكتب لأن المعنى يستحق، لا لأن أحداً ينتظره.

وهكذا، تبقى الكتابة فعلًا هادئاً، لكنه عنيد. لا تغيّر العالم دفعة واحدة، لكنها تمنع انهياره الكامل. وتكفي هذه المقاومة الصغيرة، أحياناً، كي يبقى شيءٌ ما… حيّاً.