كهنة الوهم وسدنة الحقيقة

كهنة الوهم وسدنة الحقيقة
كتب رياض الفرطوسي
يميل الإنسان في فضائنا العربي إلى كراهية الأسئلة؛ إنه يطلب من المبدع والمفكر أن يمارس دور “المنوّم المغناطيسي”، أن يهدئ روع الجماعة ويؤكد لها طمأنينتها الزائفة. يُراد للمثقف أن يكون امتداداً لـ “الحكواتي” القديم أو المداح في ساحات القبيلة، يمنح الجماهير صكوك الغفران والرضا عن الذات. فإذا ما تجرأ هذا الكاتب وحاول تفكيك “البداهات” أو خلخلة السائد، نُظر إليه فوراً كعنصر “تدنيس” يهدد الطهرانية المتوهمة للجماعة. هذه الرغبة في التوحيد القسري ليست فطرية، بل هي نتاج هندسة اجتماعية طويلة الأمد، أشرفت عليها عقول شمولية تخشى التعدد وتكره السؤال.

لقد تنبه رائد مدرسة فرانكفورت النقدية، الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو، إلى هذه الظاهرة مبكراً في سياق حديثه عن “صناعة الثقافة”. كان يرى أن النظم المهيمنة تسعى دوماً لتفريغ الوعي من طاقته النقدية وتحويل الثقافة إلى مادة للاستهلاك والتدجين. وفي عالمنا العربي، تجلى هذا التدجين في أبشع صوره حين تحول المثقف من “رادارات استشعار” للأزمات، إلى مجرد بوق ومبرر لقرارات النظم والأيديولوجيات المغلقة. لم يعد مطلوباً منه أن يمارس “الشك الديكارتي” الذي يبني اليقين على أسس صلبة، بل أن يمارس التبرير الأعمى؛ أن يكون حارس أسوار المعبد لا مغامر الاستكشاف.

إن مأساة هذا النمط من التفكير تتضح حين نقارنها بنشأة “المثقف” كمفهوم في الوعي الغربي. لقد وُلد المثقف هناك من رحم المواجهة، وتحديداً مع قضية “درايفوس” الشهيرة في فرنسا أواخر القرن التاسع عشر، حين قاد الروائي إميل زولا صرخته المدوية “إني أتهم”، متصدياً للمؤسسة العسكرية والقضائية السائدة. وُلد المثقف الغربي متمرداً، مشاغباً، يقطن المقاهي والنوادي المستقلة، بينما وُلد المثقف العربي تاريخياً في كنف “ديوان الخليفة”، يتقاضى أجره على صياغة المديح وتوثيق الانتصارات. هذه النشأة البنيوية تركت أثرها في الوعي الجمعي، فبات العربي يستغرب المثقف المستقل ويرى فيه خروجاً عن العرف.

ولأن “الأيديولوجيا هي وعي زائف” كما كان يردد كارل ماركس في كتاباته المبكرة قبل أن تحوله النظم الشمولية إلى صنم، فإن هروب هؤلاء “الكهنة” من قفص السياسة المنهارة إلى حقول الأدب لم ينتج وعياً، بل أنتج مسوخاً ثقافية . لقد نقلوا معهم لغة الخشب والشعارات الجاهزة إلى عوالم الكتابة والفن والقصة. في نصوصهم، لا تجد الإنسان بل تجد “الفكرة المجردة” : البطل لا يتألم، لا يتردد، لا يضعف أمام الحب أو الخوف، بل يهتف للثورة حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة! لقد أفرغوا الأدب من جوهره الإنساني الذي رفعه عمالقة مثل فيودور دوستويفسكي حين غاص في أعماق “الجريمة والعقاب” مستنطقاً الضعف البشري والتمزق الداخلي بعيداً عن كليشيهات البطولة الزائفة.