صباح البغدادي
(*) مستقبل التكنولوجيا العسكرية لروسيا والصين لان هذه لن تكون من قبلهم مجرد “مراقبة” للحرب الشرق الأوسط ، بل انه مختبر تقني ميداني حي يُقدّم بيانات لا تُقدَّر بثمن دون تكلفة مباشرة؟.
(*) الذكي الان من يكون أول الواصلين ليحوّل أنقاض سلاح الآخرين إلى تقنية سلاحه الجديد؟.
(*) ما يزال لغاية هذه اللحظة هناك سباق محموم و تسابق مع الزمن بين امريكا وإيران لغرض العثور على الكنز الثمين الطيارين الأمريكيين المفقودين ؟ ورقة الضغط الذهبية التي تريدها طهران العثور عليهم لإعلان “النصر الإلهي” وتعزيز سريدتها على الشيطان الأكبر والأصغر؟.
ففي اليوم الـ35 من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على أيران وفي قلب التصعيد العسكري الذي يشهده الشرق الأوسط، انطلق سباق محموم وتسابق مع الزمن بين الولايات المتحدة وإيران، للعثور على ” الكنز الثمين ” وهما طيار مقاتلة ومع وجود صور الحطام يشير أكثر إلى ” F-15E Strike Eagle ” ومع نفي خسارة ” F-35 ” والتي ما تزال الأخبار متضاربة لغاية هذه اللحظة حيث أعلن الحرس الثوري إسقاطها فوق أجواء محافظة مركزي في وسط إيران، في ثاني حادث من نوعه خلال أقل من 12 ساعة وهذا ” الكنز” ليس فقط مجرد طيار عادي، بل ورقة الضغط الذهبية التي تسعى طهران جاهدة لامتلاكها، لتعلن بها “النصر الإلهي” على “الشيطان الأكبر” وكما تصفها الخطابات الرسمية في طهران . فإذا ثبت أن الطيار حي وتم أسره ، فإن إيران ستحصل على أقوى أداة تفاوضية استراتيجية في هذه المواجهة، قادرة على قلب موازين الضغط السياسي والإعلامي، وإحراج الإدارة الأمريكية أمام رأيها العام. ومن جهة مقابلة ، حاليا تحشد واشنطن كل إمكانياتها الاستخباراتية والعسكرية — بما في ذلك عملاء ميدانيين وطائرات استطلاع — في محاولة يائسة لاستعادة طيارها قبل أن يتحول إلى رهينة سياسية ثقيلة. ومن جهة أخرى، تنشر إيران قواتها الأمنية وتدعو السكان المحليين للمساهمة في البحث، وسط روايات متضاربة حول مصير الطيار : هل نجا بالقفز بالمظلة؟ هل أُسر؟ أم أن الانفجار الهائل أنهى حياته؟ أم أنهم أصيبوا بجروح خطيرة ؟ هذا السباق ليس مجرد عملية بحث عسكرية، بل معركة معلوماتية وسياسية حاسمة قد تحدد شكل المفاوضات القادمة، أو تُشعل فتيل تصعيد أكبر في المنطقة خلال الساعات والايام المقبلة ؟ .
اليوم وفي هذه الحرب هناك نظرة أخرى ما تزال لم يلقي الضوء عليها بكافة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة العربية والعالمية منها لان في أي حرب حديثة ، تكون أولى أولويات القوى الكبرى غير المباشرة هي جمع البقايا التقنية الميدانية لان الخبراء الصينيون والروس و (عبر قنوات غير مباشرة أو شراكات استخباراتية مع إيران) يبحثون الآن في أنقاض المنشآت الإيرانية عن ما يعتبرون الذهب المتساقط من السماء ويتمثل على سبيل المثال وليس الحصر:
(1) صواريخ أمريكية / إسرائيلية ذكية لم تنفجر كاملاً (بسبب خلل تقني أو فني).
(2) شظايا طائرات مسيّرة LUCAS (النسخة الأمريكية المقلوبة من Shahed-136).
(3) ذخائر لقذائف دقيقة و وما تحتويه لأنظمة تشويش إلكتروني مضادة.
(4) لغاية اليوم تم فقدان (16) مُسيّرة أميركية من طراز (MQ-9) ومنذ بدء الحرب.
هذه المواد سوف تُنقل إلى مراكز بحثية في الصين (مثل معاهد الأكاديمية الصينية للعلوم) أو روسيا (مثل مراكز أبحاث الدفاع في موسكو أو تتارستان)، ثم تبدأ عملية الهندسة العكسية ومن خلال تفكيك، تحليل المواد، فك البرمجيات، اختبار الأداء، وإعادة التصنيع بتحسينات. وهناك أمثلة تاريخية محددة تثبت أن هذا النمط قائم وفعّال وهذا ليس سيناريو خيالياً — إنه تكرار لنمط مثبت تاريخياً ومنها كانت الطائرة المتقدمة F-117 الأمريكية (1999) وبعد إسقاطها في يوغوسلافيا، حصلت الصين (عبر باكستان) على شظايا واستفادت من مواد الـ stealth وفي عام Black Hawk (2011) وهي من بقايا الطائرة الأمريكية في باكستان، طوّرت Z-20 (مروحية متوسطة الحمولة) والصين تدرس الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران كـ”تمرين حي” لسيناريو مضيق تايوان المرتقب والتي تسعى بدورها الصين لغزو الجزيرة المتمردة والاستيلاء عليها ومن خلال دراسة الدروس المباشرة وكيف اخترقت الذخائر الدقيقة الأمريكية أنظمة دفاع جوي متكاملة (مثل تلك التي قد تواجهها فوق تايوان) وفعالية الطائرات المسيّرة الرخيصة مقابل الدفاعات المتقدمة ونقاط ضعف التشويش الإلكتروني ولذا فإن النتيجة الاستباقية سوف تترجم للسنوات القادمة على أرض الواقع (2030-2035) لأن الصين سوف تعمل جاهدة ومن خلال الهندسة العكسية وتطور أنظمة A2/AD (منع الوصول) أقوى ضد حاملات الطائرات الأمريكية ونسخ محسنة من صواريخ باليستية ومسيّرات قادرة على التعامل مع F-35 وB-21. وقدرات هندسة عكسية أسرع لأي سلاح غربي يُستخدم في المنطقة وفي هذه الحرب تحديدا وهذا يجعل غزو تايوان (أو حصارها) أكثر جدوى تقنياً، لأن بكين ستكون قد “اختبرت” الأسلحة الأمريكية مسبقاً على حساب إيران , وتبقى لنا النظرة الاستراتيجية الاستباقية الكبرى لأن روسيا والصين وحتى كوريا الشمالية لا يخسران شيئاً في هذه الحرب والتي ما تزال مستعرة — بل يكسبان بيانات حية مجانية تُسرّع تطوير قدراتهم للصراعات المستقبلية (تايوان للصين، استمرار الاستنزاف في أوكرانيا لروسيا) وإذا استمرت الولايات المتحدة في استخدام أسلحتها المتقدمة في الشرق الأوسط، فإنها تُقدّم لخصومها “دورة تدريبية مجانية” على حساب إيران. والنتيجة طويلة الأمد سوف تحدد بعدة خيارات لان الصين ستكون أكثر استعداداً لمواجهة أمريكا في المحيط الهادئ بحلول 2030 وروسيا ستطيل أمد حربها في أوكرانيا بتقنيات تكنولوجية محسنة , ولذا فأن الولايات المتحدة قد تواجه “مفاجآت تقنية ” في الجبهات المستقبلية بسبب هذه الهندسة العكسية لأن في الحروب الحديثة، كل شيء مباح ومستباح والذكي من يحوّل أنقاض الآخرين التقنية إلى سلاحه الجديد.
ففي الحروب الحديثة، كل شيء مباح ؟ وتماماً كما “في الحب والحرب كل شيء مباح” والفرق أن هذه الحرب ليست “مباشرة” مع روسيا أو الصين، بل هي مختبر ميداني حي يُقدم بيانات قيمة دون تكلفة بشرية أو مادية مباشرة عليهما. فإذا لم تقم وتسارع كل من روسيا والصين بهذا الآن (جمع البيانات، التحليل، التطوير والعثور على الحطام ) فهذا سيكون مصيبة استراتيجية بالنسبة لهما، لأن الولايات المتحدة وحلفاؤها يختبرون أسلحتهم في بيئة حقيقية عالية الشدة ، و يطورنها بناءً على هذه النتائج . وعدم الاستفادة من هذه “الفرصة” يعني تخلفاً تقنياً تراكمياً في مواجهة مستقبلية محتملة (تايوان للصين، أو استمرار الصراع في أوروبا الشرقية لروسيا).
وفي العودة على البحث عن طاقم الطائرة المتحطمة والتي عثر على طيار واحد وما يزال الآخر مفقود لغاية هذه اللحظة والمحتمل جداً لنا تكليف العملاء بالبحث الميداني عن مصير الطيار الآخر ، ومن المؤكد أن وحدات خاصة أمريكية (مثل JSOC، Delta Force، أو SEALs) وإسرائيلية (من الموساد أو الشاباك أو وحدات خاصة) تعمل على الأرض أو في المناطق المجاورة للبحث والتقصي والإنقاذ وهذا جزء قياسي من بروتوكول CSAR في مثل هذه الحوادث وهذا جزء قياسي من ” لعبة الظل ” الاستخباراتية في مثل هذه الحوادث وفي حال نجحت وحدات الإنقاذ الأمريكية في العثور على أحد الطيارين المفقودين ، فمن المتوقع أن يستغل الرئيس “ترامب” هذا الحدث المهم وبشكل كبير لتعزيز سرديته السياسية والعسكرية. ويروج لفكرة السيادة الجوية الأمريكية المطلقة فوق الأراضي الإيرانية، ومؤكداً في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة قادرة على تنفيذ عمليات بحث وإنقاذ داخل عمق إيران دون قيود فعلية، رغم الادعاءات الإيرانية بإسقاط الطائرة. وسيُقدم “ترامب” الأمر كدليل قاطع على ضعف قدرات النظام الإيراني، ومشيراً إلى أن طهران “غير قادرة حتى على العثور على طيارين أمريكيين داخل أراضيها، وبينما أمريكا نجحت قواتها الخاصة ووحداتها الاستخباراتية الميدانية في الوصول إليهم وهذا النجاح سيعزز رواية التفوق التكنولوجي وللعملياتي الأمريكي، ويساعد في تهدئة أي مخاوف داخلية حول سلامة القوات الأمريكية. أما في السيناريو المعاكس، فإذا تمكنت السلطات الإيرانية من العثور على الطيار (أو الطيارين) أولاً وأسرِه، فستكون السردية مختلفة جذرياً وتستغل إيران الحدث كـ ورقة ضغط استراتيجية ذهبية، ولتعلن عن “نصر إلهي” على “الشيطان الأكبر”، وستستخدمه إعلامياً وسياسياً لإحراج الإدارة الأمريكية، ورفع المعنويات الداخلية، وربما للمطالبة بمكاسب تفاوضية كبيرة مثل تخفيف العقوبات أو وقف الضربات وما يثير الاهتمام في هذا السياق هو وجود وحدات خاصة استخباراتية أمريكية وإسرائيلية تعمل على الأرض أو في المناطق المجاورة للبحث عن الطيارين. ورغم ذلك، يبدو من غير المرجح حدوث مواجهة مباشرة واسعة النطاق مع قوات الحرس الثوري الإيراني، لأن أي اشتباك من هذا النوع سيؤدي إلى خسائر بشرية محتملة من الجانبين، ومما قد يفاقم التصعيد غير المرغوب فيه ولذلك، من المنطقي والمتوقع أن تحشد إيران كافة إمكانياتها — من الجيش النظامي والحرس الثوري إلى قوات الباسيج الشعبية — وفي سباق محموم للوصول إلى موقع الطيارين أولاً، مع الاستعانة بالسكان المحليين من خلال حملات تحفيزية ومكافآت معلنة وهذا السباق يعكس الطبيعة الحساسة للعمليات الاستخباراتية والإنقاذية في قلب منطقة نزاع مفتوح، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والإعلامية والاستخبارية والسلاح الأكثر احتمالاً في أسقاط هذه الطائرة هو صاروخ أرض-جو من نظام باور-373 أو مشابه حديث تابع للحرس الثوري، مدعوم بتحسينات روسية-صينية في الكشف والتوجيه وهذا يعكس تطور قدرات إيران الدفاعية، ولكنه في الوقت نفسه لا يعني أنها أصبحت قادرة على إسقاط كل الطائرات الأمريكية بسهولة وقد يكون هناك خلل فني ساهم في عملية الإسقاط أكثر من كونه استهداف مباشر ؟.
وفي كل الأحوال، بالنسبة لنا كمتابعين عن كثب لمراحل هذه الحرب فيظل العثور على الطيارين المفقودين الهدف الاستراتيجي الأسمى والأكثر أهمية بالنسبة لإيران في هذا التوقيت الحساس من زمن الحرب المستعرة. بالنسبة لطهران، ليس الأمر مجرد عملية بحث عسكرية روتينية، بل هو هدف محوري يتجاوز البعد التكتيكي إلى البعد الرمزي والسياسي العميق.إيران تسعى جاهدة للوصول إلى الطيار (أو الطيارين) أولاً، لأن ذلك سيمنحها الفرصة لإعادة صياغة سردية «النصر الإلهي» على «الشيطان الأكبر»، كما تُفضل وصفها. إذا نجحت في أسر الطيار أو حتى في العثور على جثته وتقديم أدلة مادية دامغة، فإنها ستحول الحادث من مجرد «إسقاط طائرة» إلى «انتصار استراتيجي كامل» يُثبت قدرة النظام على السيطرة على أراضيها وأجوائه، رغم التفوق التكنولوجي الأمريكي المزعوم. وهذا النصر الرمزي سيُستخدم على عدة مستويات من الناحية الداخلياً ولرفع المعنويات الشعبية، وتعزيز الثقة في القيادة، وتأكيد أن «اليد الإلهية» تحمي الجمهورية الإسلامية. وخارجياً ستكون كورقة ضغط تفاوضية فعالة وقوية، يمكن من خلالها المطالبة بمكاسب سياسية واقتصادية، أو على الأقل إحراج الإدارة الأمريكية أمام الرأي العام العالمي والداخلي وإعلاميا لتعزيز رواية «المحور المقاومة والممانعة » والقادر على مواجهة أقوى جيش في العالم وإذلاله داخل أرضه. وبالأخص رفع معنويات الفصائل الولائية العقائدية العابرة للحدود ومن خلال الترويج التذي سوف يتم بأن سماء إيران عصية على أعداءها ولذلك، فإن السباق الحالي ليس مجرد سباق للعثور على شخص، بل هو معركة سردية حاسمة قد تحدد شكل الرواية الغالبة في هذه المرحلة من التصعيد. بالنسبة لإيران، العثور على الطيارين ليس خياراً، بل ضرورة استراتيجية في هذا التوقيت الحرج من زمن الحرب، لأنه يمثل «الكنز الثمين» الذي إن امتلكته طهران، فإنها ستكون قد حققت انتصاراً معنوياً وسياسياً يفوق بكثير قيمة تكنولوجيا الطائرة نفسها والذهب التقني المتساقط . بل تعتبره المن والسلوى الذي أنزله الله على بني إسرائيل في أشد أوقات الحاجة — نعمة إلهية وهبة استراتيجية سقطت من السماء لتكون بمثابة ورقة الضغط الذهبية التي طالما انتظرتها وتحول الحادث من مجرد إسقاط طائرة إلى انتصار تاريخي ورمزي يؤكد قدرة الجمهورية الإسلامية على مواجهة أعتى القوى العسكرية وإذلالها داخل أراضيها.