المستنقع الإيراني والإنزال البري… حين تتحول القوة إلى عبء والهيمنة إلى مأزق

Oplus_16908288

خالد الغريباوي

في تسلسلها الاستراتيجي، لم تخرج العقيدة العسكرية الأمريكية عن نمطٍ تكرّر عبر العقود: بدايةً بضربة “مركز الثقل” عبر استهداف القيادة، كما جرى في العراق عام 2003، على أمل إسقاط النظام بسرعة؛ وعندما يتعثر هذا الخيار، يتم الانتقال إلى استهداف البنية التحتية كما حدث في حرب الخليج عام 1991، بهدف شلّ الدولة وإضعاف قدرتها على الاستمرار. اليوم، يتكرر هذا التسلسل ذاته في المواجهة مع إيران، لكن النتائج تبدو مختلفة جذريًا، إذ فشل خيار “قطع الرأس” في تحقيق الانهيار المتوقع، كما أن خيار تدمير البنية التحتية يواجه حدودًا واضحة أمام دولة تمتلك قدرة عالية على التكيّف والصمود ،ومع انسداد هذين المسارين، يبرز الخيار الأخطر: الإنزال البري.

لقد أثبتت الضربات الموجهة نحو البنية التحتية أنها، بدل أن تُضعف الداخل الإيراني، ساهمت في تعزيز التماسك الوطني ورفعت كلفة المواجهة دون تحقيق الحسم. فإيران ليست دولة هشة يمكن إسقاطها عبر تعطيل منشآت أو ضرب شبكات، بل منظومة قادرة على إعادة تشغيل ذاتها تحت الضغط، مدعومة بعمق جغرافي وبشري يجعل من الاستنزاف سلاحًا بيدها لا ضدها. ومع هذا الفشل، تجد الولايات المتحدة نفسها تدفع تدريجيًا نحو خيار لم يكن مفضلًا: نقل المعركة إلى الأرض.

هنا تبدأ المقارنة التي يروّج لها بعض صناع القرار، باستحضار نموذج إنزال نورماندي، باعتباره مثالًا على قدرة القوات الأمريكية على قلب موازين الحروب عبر هجوم ساحلي واسع. لكن هذه المقارنة تخفي اختلافًا جوهريًا في طبيعة الصراع. ففي نورماندي، كان الحلفاء يواجهون قوات ألمانية تدافع عن أرض محتلة، في بيئة مكشوفة نسبيًا تسمح بحشد القوة وتوظيف التفوق الجوي والبحري بشكل حاسم. أما في الحالة الإيرانية، فالمعادلة معكوسة بالكامل: جيش وشعب يدافعان عن أرضهما، بعقيدة قتالية متماسكة، وضمن بيئة جغرافية معقدة تجعل من أي تقدم بري عملية محفوفة بالمخاطر.

السواحل الإيرانية ليست شواطئ رملية مفتوحة، بل تمتد على تضاريس صخرية وعرة، تتداخل فيها الجبال مع البحر، وتحيط بها منظومات صاروخية وقدرات دفاعية قادرة على استهداف أي قوة إنزال قبل تثبيت موطئ قدم لها. وفوق ذلك، فإن العمق الإيراني لا يمنح المهاجم فرصة الحسم السريع، بل يدفعه إلى الداخل حيث تتضاعف الكلفة، ويتحول التقدم إلى استنزاف طويل. في هذه البيئة، لا يكون الإنزال البري مجرد عملية عسكرية، بل بداية انخراط في “مستنقع” تتآكل فيه القوة تدريجيًا.

سياسيًا، لا يقل هذا السيناريو خطورة عن كلفته العسكرية. فالدخول في حرب برية داخل إيران، مع ما قد يرافقه من خسائر بشرية مرتفعة، سيضع الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب تحت ضغط داخلي غير مسبوق. أي تعثر أو فشل في تحقيق تقدم ملموس سيتحول إلى أزمة سياسية، لا تمسّ فقط القيادة العسكرية، بل تمتد إلى الحزب الجمهوري بأكمله، الذي سيجد نفسه أمام تداعيات حرب مكلفة بلا أفق واضح للنصر.

وفي ظل هذه المعطيات، فإن الإنزال البري حتى لو بدأ محدودً مرشح لأن يتوسع بفعل ردود الفعل الإيرانية، التي لن تكتفي بالدفاع الساحلي، بل ستنقل المعركة إلى مستويات متعددة، مستفيدة من قدراتها الصاروخية وانتشارها الإقليمي ، وهنا تفقد الولايات المتحدة القدرة على التحكم بإيقاع الصراع، وتتحول من قوة مبادرة إلى طرف يحاول احتواء تداعيات قرار الدخول.

إن التسلسل الاستراتيجي من “قطع الرأس” إلى “تدمير البنية التحتية” وصولًا إلى “الإنزال البري” لا يعكس فقط تطور الخيارات، بل يكشف عن مأزق متصاعد. فكل خيار يتم اللجوء إليه بعد فشل سابقه يحمل كلفة أعلى وفرص نجاح أقل. وفي الحالة الإيرانية، يبدو أن هذا المسار يقود إلى نتيجة واحدة: كلما تعمّق الانخراط، اقتربت واشنطن أكثر من هزيمة استراتيجية، لا تُقاس فقط بالخسائر العسكرية، بل بتآكل الهيبة وفقدان القدرة على فرض الإرادة.

وفي نهاية هذا المسار، لا يبدو أن شواطئ إيران ستكون بوابة نصر، بل قد تتحول إلى مسرح لهزيمة ثقيلة؛ هزيمة تُستحضر فيها ذاكرة حرب فيتنام بكل ما حملته من انسحاب مرير وتآكل للهيبة، لكن هذه المرة على سواحل وعرة، وفي مواجهة خصم يقاتل على أرضه بعقيدة لا تنكسر بسهولة، ما قد يجعلها واحدة من أكثر اللحظات إذلالًا في تاريخ القوة الأمريكية الحديث.