عدنان طعمة
نفضل أن نفضح سرائرنا ونتوارى خلف واجهات براقة : مثل وطن، قضية، تاريخ، أرض، ذكرة ومصير . لكن حين نعود إلى بيوتنا أو خرائبنا التي تعشق القبور ، نوصد الأبواب كما يغلق السجان زنزانته ، ثم ندرك أن الخطر ليس في الخارج، بل فينا نحن.
نحن أبناء قلوب الأمهات المفجوعة….
يا للخيبة، صار الواحد منا يعيش كأنه كائن مؤجل، يؤجل غضبه، يؤجل فرحه، يؤجل استذكار سوالف أهله، يؤجل ارتيابه وقلق الحديث مع حبيبته، يؤجل حتى أحلامه، إلى وقت لا يأتي ولن يأتي. وحين يضيق به الانتظار، يختار أشياء صغيرة لينجو، سيجارة في فم يرتجف، فنجان قهوة مرة ، متابعة مباراة كروية، بث ادعاءات زائفة بأنه فلتة زمانه، او يكتب نرجسيته كسردية تهز التاريخ.
في الليل حين تهدأ الأصوات، يظهر كل شيء قاس فنرى ما كنا نهرب منه في النهار، وجوهنا الحقيقية، الخيبات التي لم نعد نحسن تسميتها، والسنوات التي مرت كأنها لم تكن لنا. نسأل أنفسنا: هل كان يمكن أن نكون غير ما نحن عليه؟ ثم نضحك، لأن السؤال نفسه صار ترفا.
لا أحد ينتظرنا يا صديقي، حتى الأمكنة التي أحببناها في الناصرية السمراء، تعلمت أن تعيش من دوننا. المقاهي تغيرت، الشوارع ضاقت، والأسماء الفنية التي كنا نردد جمالها الصوتي، داخل حسن، حضيري أبو عزيز ، حسين نعمة، صارت تقال بخفوت، كأنها تخجل من نفسها.
ومع ذلك… هناك شيء صغير، عنيد يمور في نفوسنا ولا يموت بسهولة. ليس أملاً بالمعنى الذي تعودنا عليه، بل شيء أقرب إلى الإصرار الغامض على الاستمرار. كأن الجسد يعرف ما لا نعرفه، فيواصل السير، رغم كل ما فقده.
قد لا يكون لنا نفق، ولا ضوء في نهايته، لكننا بطريقة ما، ما زلنا نمشي. وهذا في زمن كهذا ليس قليلاً.. ليس قليلا….
فلا نتعب أنفسنا كثيرا، يا صديقي . دعنا نعترف بما نحن عليه، دون زينة، ودون شعارات ودون مبررات ولدت لتموت. دعنا نعيش ما تبقى، كما نحن بلا أوهام كبيرة ولا كراهية أكبر.
ربما لا نغير العالم ، لكننا على الأقل لن نكذب على أنفسنا بعد الآن.