ضياء المهندس
في عالمٍ يبدو أنه فقد بوصلته الأخلاقية، لم يعد من السهل التمييز بين ما هو جاد وما هو عبثي. فبينما تتساقط المدن تحت أزيز الصواريخ، وتُكتب بيانات الإدانة الدولية بحبر بارد لا يغيّر شيئًا، تمتلئ الشوارع فجأة بالحياة عندما تبدأ مباراة كرة قدم. تختفي الخلافات السياسية، وتتراجع الانقسامات الطائفية، ويتحول البشر — ولو مؤقتًا — إلى كائنات متفقة على أمرٍ واحد: ضرورة معرفة من لمس الكرة أخيرًا قبل خروجها من الملعب.
إنها المفارقة الكبرى لعصرنا: لعبةٌ من 22 لاعبًا وكرة واحدة نجحت فيما فشلت فيه الأمم المتحدة ومجلس الأمن وكل مؤتمرات السلام. كرة القدم توحّد العالم خلال تسعين دقيقة، بينما تعجز الحروب عن إيقاظ ضمير العالم ولو لثانية واحدة.
في يوم المباراة، تتوقف الأعمال، تتأجل الاجتماعات، وتُغلق بعض المحال مبكرًا، ليس حدادًا على ضحايا حربٍ ما، بل استعدادًا لمتابعة “الموقعة الكروية المصيرية” التي قد تغيّر — على الأقل نفسيًا — مصير البشرية. الموظف الذي لا يجد وقتًا لزيارة أهله، يجد فجأة أربع ساعات لتحليل خطة المدرب. والطالب الذي لم يفتح كتابه طوال الفصل الدراسي، يتحول إلى خبير تكتيكي يشرح لك الفرق بين الضغط العالي والتمركز الدفاعي وكأنه أحد جنرالات الحرب العالمية الثانية.
الأكثر طرافة أن قوانين كرة القدم أصبحت أكثر صرامة وعدالة من القانون الدولي نفسه. فهناك حكمٌ حاضر، وتقنية فيديو تعيد اللقطة من سبع زوايا، وقرار نهائي يُحترم مهما أثار الجدل. أما في عالم السياسة، فالحكم غائب، والكاميرات مطفأة، والقرارات تُفسَّر وفق ميزان القوة لا ميزان العدالة. لاعب قد يُعاقب بالإيقاف بسبب لمسة يد غير مقصودة، بينما دولٌ كاملة لا تُحاسب على تدمير مدنٍ بأكملها.
وكأن البشرية قررت — دون إعلان رسمي — أن الأخلاق تُطبَّق داخل المستطيل الأخضر فقط، أما خارجه فهي مجرد اقتراحات اختيارية.
هذه المفارقة ليست جديدة. ففي ستينات القرن الماضي، تجمهر حشدٌ كبير من المصريين في القاهرة حول لاعب كرة قدم شهير، في مشهدٍ يعكس الهوس الجماهيري بالنجومية الرياضية. وكان بالقرب منهم الأديب الكبير توفيق الحكيم، أحد أبرز رموز الفكر والأدب العربي. اقترب صحفي منه وسأله باستغراب: ما رأيك أن هذا اللاعب يتقاضى مليون جنيه سنويًا، بينما لا يصل دخلك إلى ألف جنيه؟ فأجاب الحكيم بجملةٍ أصبحت تلخيصًا ساخرًا لتحول القيم في العصر الحديث:
«عالمنا بائس… تحول من القلم إلى القدم».
لم تكن العبارة مجرد حسرة أديب على تفاوت الأجور، بل تشخيصًا مبكرًا لانقلابٍ حضاري كامل؛ حيث أصبحت الشهرة أسرع من الفكر، والضجيج أعلى من الحكمة، والمهارة البدنية أكثر تأثيرًا من الكلمة العميقة.
اليوم، وبعد عقود، يبدو أن نبوءة الحكيم اكتملت. فالعالم الذي يعجز عن الاتفاق على وقف حرب، يستطيع أن يتفق على موعد نهائي بطولة قارية. الملايين يصرخون احتجاجًا على هدفٍ ملغى، لكنهم يلتزمون الصمت أمام مدنٍ ملغاة من الخريطة. والعدالة التي يبحث عنها البشر في الواقع، يجدون نسخة مصغّرة منها في مباراة تُحسم بصافرة حكم.
ربما ليست المشكلة في كرة القدم نفسها؛ فهي مجرد لعبة جميلة تمنح الناس لحظة هروب جماعي من قسوة الواقع. المشكلة أن الواقع أصبح أكثر عبثية من اللعبة ذاتها. فحين تصبح الحرب بلا قانون، وتغدو الكرة أكثر التزامًا بالقواعد من السياسة، ندرك أن البشرية لم تعد تلعب لتستمتع… بل تستمتع لأنها لم تعد قادرة على إصلاح اللعبة الأكبر: العالم نفسه.
البروفيسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي