محمود المفرجي الحسيني
كثيرةٌ هي المفردات الدخيلة التي نفذت إلى حياتنا، وأصبحت واقعًا وموادَّ على مائدة الثقافة في المنتديات واللقاءات الإعلامية، ومنها “التصالح مع الذات” أو “التصالح مع الله”، إلى آخره من مفردات التصالح التي لا أصل لها ولا ثمرة ولا معنى.
إن فلسفة الإنسانية دينيًا وعلميًا تؤكد أن الإنسان مجبول على حب الذات، وهذا ثابت علميًا، لذا فإن التصالح مع الذات قائم بالفطرة، وإلا فمتى كان الإنسان خصمًا لنفسه حتى يتصالح معها؟ وإذا كان المقصود بالتصالح مع الذات هو الإقبال على الأفعال الصالحة دون الطالحة، فإن هذا لا ينطبق أيضًا، لأن حتى الإنسان الذي تصدر عنه أفعال طالحة يكون متصالحًا ومقتنعًا بها، إذ يراها منسجمة مع ذاته. وقد سمعت أحدهم يقول إنه متصالح مع ربه، وهذه جرأة لا تليق، لأن الله ليس خصمًا حتى يُتصالح معه، فضلًا عن أن أي مخلوق مهما بلغت قوته وجبروته لا يصل إلى مرحلة تؤهله ليكون خصمًا للخالق القادر على كل شيء.
ان استبدال مفاهيم أصيلة مثل “التوبة” و”الإنابة” و”الرضا” بمصطلح التصالح، يحول العلاقة بين الخالق والمخلوق من مقام العبودية والافتقار إلى مقام الندية والمقايضة، وهو انحدار معرفي يغلفه بريق الكلمات.
إن أسباب شيوع هذه العبارات والمفردات تعكس جوع البعض وحاجتهم إلى ألفاظ يتصورونها فخمة ومنمقة، ليجذبوا بها إعجاب الآخرين. وهذا الانجراف خلف القوالب اللفظية الجاهزة المستوردة من أدبيات “المساعدة الذاتية” الغربية لا يفسد الذائقة اللغوية فحسب، بل يمتد أثره لتمييع المفاهيم العقدية والتربوية الرصينة.
وعلى الصعيد السلوكي، نجد ان من يتخذ من هذه العبارات يحاول ان يبرر عيوبه، كأن يقول أحدهم إنه متصالح مع فشله أو متصالح مع كونه شخصاً غير منجز، وهنا يتحول التصالح إلى مخدر لضمير الإنسان يمنعه من المجاهدة والتغيير، ويشرعن الركود تحت مسمى السلام النفسي الزائف.
إن الإنسان الحقيقي في المنظور القويم هو من يعيش حالة “المجاهدة” و”المحاسبة” لا “التصالح” المستكين، فالمجرم الذي يستبيح حقوق الآخرين هو في أوج تصالحه مع ذاته المنحرفة، وهذا بحد ذاته ينفي عن المصطلح أي قيمة أخلاقية أو إصلاحية، بل يجعله مجرد وسيلة للهروب من استحقاقات تزكية النفس وتطويرها، وبدلاً من أن يبحث المرء عن فخامة اللفظ، عليه أن يبحث عن صدق المعنى وعمق الأثر، بعيداً عن ضجيج المصطلحات التي تملأ الفضاء الثقافي دون أن تروي عطشاً أو تقيم حقاً.
بيد أن المشكلة الأكبر لا تكمن فحسب في هذه المصطلحات أو فيمن أطلقها وروج لها، إنما تكمن في “ببغاوية” المتلقي الذي يستقبل هذه الألفاظ ويرددها دون أدنى قدر من التمحيص أو التدقيق. وهذا الانسياق الأعمى خلف كل ما هو رائج يخل بأساسات ثقافتنا الرصينة، ويحول أولئك الذين يدعون الثقافة ويتصدرون المجالس إلى مجرد كائنات فارغة من أي محتوى فكري حقيقي فهم يقتاتون على قشور اللغة وزينتها غافلين عن جوهرها مما يسهم في خلق مشهد ثقافي سطحي يقوم على الترديد لا التفكير، وعلى الاستعراض اللفظي لا النضج المعرفي.