شيء من طفولتي.. بين سيارة الاسعاف والصابئية

عدنان طعمة

كطفل شطري فقير، لم تكن تجذبني اشكال الناس، ولا اجسادهم، ولا كروشهم، ولا صماخاتهم، ولا وسامتهم، ولا ثيابهم، ولا لباسهم الريفي او المدني، ولا سياراتهم، ولا….

كنت امر بينهم كما لو انني اعبر ظلالا لا ملامح لها، كأن العالم كله سطح بارد لا يثير في داخلي شيئا.

ولطالما جذبني سائق سيارة الاسعاف، وتلك الشابة الصابئية الجميلة التي كنت اراها عند مخبز “فليح” في محلة المستشفى…

كان المخبز في تلك الزاوية من الحي، اشبه بقلب صغير يخفق برائحة الخبز. الناس يتزاحمون، تتداخل اصواتهم، ويعلو البخار من فم التنور كأنه دعاء صاعد.

وهناك وسط ذلك الزحام، كانت تقف،

تجذبني روحها الخفيفة، وابتسامتها النقية الخالية من التصنع…

حركاتها العفوية، وصوتها الانثوي النقي وهي تنتظر دورها في مخبز “فليح” الذي تحول بعد ذلك إلى مقهى الحاج خنجر الغطغوطي رحمه الله…

لم اكن افهم الجمال كما يفهمه الكبار، لكنني كنت اشعر به، كنسمة تمر على وجهي، وتتركني مشدودا نحوها دون سبب واضح، سوى ان قلبي الصغير كان يعرف طريقه.

اما سائق الاسعاف، فكان عالما اخر…

كنت اراه قاهرا للطبيعة، رجلا فوق العادة.

لم يكن مجرد رجل يقف قرب سيارة الاسعاف، بل كان في عيني كائنا يخرج من بين صفوف الناس ليعلن ان الموت ليس سيدا مطلقا.

وارى في وقفته قرب سيارة الاسعاف عملاقا خارقا ينقذ الارواح ويرحل المرضى الى العافية، وحتى عيونه كانت في خيالي عيون مقاتل لا يعرف التراجع.

كنت اراقبه من بعيد، كما يراقب طفل اسطورة حية من حكايات الجدات القدامى.

كلما دارت عجلات سيارة الاسعاف، شعرت ان شيئا في داخلي يتحرك معها، وان العالم يمكن ان يعاد ترتيبه اذا ما جلست خلف ذلك المقود.

كنت ارى الاشياء بعين عاطفية، عين لا تعرف حدود الممكن…

كنت ارى الله قلب أم رؤوم، وعليه ان ينفذ ما اريد.

ان قلت للشيء كن، فيكون… ولم لا؟

فالله، في طفولتي، كان يشبه جدتي أم “ريسان” التي لا ترد لي طلبا، وعليه ان يذعن لما اشاء، وان يمنحني الفرحة والسراء في كل شيء.

كنت اريده ان يجعلني، فورا، سائق اسعاف…

وان يزوجني تلك الصابئية الجميلة…

وان يبقي العالم بسيطا كما اراه، بلا تعقيد، بلا فواصل قاسية بين الحلم والواقع.

كانت احلاما بحجم طفولتي…

وحجم قلب لم يكن يعرف من الحياة الا وجهها الاول، ذلك الوجه الذي لا يزال، الى الان، ينبض في داخلي كذكرى لا تشيخ.

الارشيف