مخاض الوارث وقيامة الشرق الجديد
كتب رياض الفرطوسي
في اللحظة التي يتوهم فيها الجبروت المادي أنه أحكم قبضته على ناصية التاريخ، تنبثق من قلب الرماد إرادة لا تُقاس بمدى الصواريخ، بل بصلابة الروح التي تأبى الانكسار، لتعيد إلى الأذهان سيرة “الوارث” الذي لم يورث مالاً ولا جاهاً، بل ورث صرخة الحق في وجه الطغيان. إن ما نشهده اليوم ليس مجرد صراع سياسي عابر أو أزمة حدود، بل هو “كربلاء جديدة” تتجسد في جغرافيا الحاضر، حيث تقف الحضارة الأصيلة في مواجهة البربرية الحديثة التي تظن أن العالم مجرد صفقة تجارية قابلة للتفاوض. هذا المشهد يستحضر قانون الحسين بن علي ( ع ) الأولي: “هيهات منا الذلة”؛ وهو القانون الذي يتجاوز التفسيرات الضيقة ليصبح بياناً عالمياً للكرامة الإنسانية، حيث النصر لا يُقاس بوقف إطلاق النار أو بتوازن القوى المادي، بل بـ “الغاية” ذاتها، في تلك القدرة المذهلة على قبول التحدي ورفض الانحناء، إدراكاً بأن الشعوب التي تستمد كبرياءها من إرث الأنبياء والثوار تدرك أن الأجساد قد تسحق، لكن المواقف هي التي تصنع الأبدية.
يتجلى هذا الكبرياء في أبهى صوره حين نرى الفنان الإيراني علي قمصاري يجلس بوقار أمام محطات الطاقة الكبرى، محولاً أوتار موسيقى “الوارثين” إلى خط دفاع أول؛ في رسالة بليغة تفيد بأن الأمة التي تعزف تحت تهديد الزوال هي أمة لا يمكن هزيمتها لأنها تعيش “عاشوراء” كحالة وجودية يومية. هنا يسقط منطق “الرجل المجنون” الذي تنتهجه الإمبريالية المتوحشة، تلك النظرية التي حاول من خلالها “تاجر البيت الأبيض” ومن ورائه “عصابة إبستين” إرهاب الشعوب بالتهور، لكنهم ذهلوا أمام شعب يتحول بمجرد النداء إلى دروع بشرية تحمي جسورها ومنشآتها بصدور عارية، مقدمين للعالم درساً في أن الحضارة هي بناء الروح قبل أن تكون ركاماً من الإسمنت. هذا الفرز التاريخي كشف بوضوح زيف “دكاكين العمالة” في المنطقة، تلك العروش التي ظنت أن المال والارتهان للخارج يحميها، فإذا بها تتهاوى أخلاقياً أمام شرفات المقاومة المشرقة التي لا تعرف الركوع.
إن هذا الصمود يعيد صياغة مفهوم الشرق الأوسط بعيداً عن خرائط الهيمنة، فهو يولد الآن من رحم التحدي، كشرق جديد يقطع حبال التواصل مع الإملاءات الإمبراطورية. وكما كان ذلك الجريح الايراني في شرق البصرة عام 1982 يرفض المساعدة ليموت منكفئاً على وجهه كالحسين، فإن هذه الروح الجمعية تسري اليوم في عروق أمة قررت أن الكرامة هي ميزان الوجود. إن التاريخ الذي نشأ من دماء الشعوب الأصيلة لن يرحم العابرين الذين يعاملون الدول كشركات مساهمة، فالموسيقى والقصيدة والحقيقة أسلحة عابرة للأجيال لا تستطيع كل ترسانات العالم قتلها. لقد تحقق النصر في لحظة الرفض الأولى، وفي إدراك العالم أن “عصر الركوع” قد ولى، وأن النبل الإنساني، المستمد من إرث كربلاء الخالد، سيبقى دائماً هو البوصلة التي تحفظ للبشرية شرفها قبل أن يسحقها الطغاة والمستهترون.