عندما تغيب الشمس عن جنوب لبنان: قراءة استراتيجية في العدوان الإسرائيلي وتبعاته الإنسانية والسياسية

رياض سعد

لا تكاد تهدأ عاصفة في الشرق الأوسط حتى تهب أخرى أعتى وأشد ضراوة، وكأن ثمة قدراً محتوماً يلاحق هذه الرقعة المضطربة من العالم… ؛ وها نحن اليوم نقف على أعتاب فصل دموي جديد من فصول الصراع المزمن، حيث يتعرض لبنان، وتحديداً جنوبه الصامد وقلب عاصمته بيروت، لعدوان إسرائيلي همجي لا يقل في وحشيته ومنهجيته عن الحروب السابقة، بل يفوقها في تزامنه مع تصعيد إقليمي خطير عنوانه الأبرز المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الاخيرة مع إيران.
إن ما يحدث ليس مجرد جولة قتال عابرة، ولا هو عملية عسكرية محدودة الأهداف، بل هو فصل من كتاب يُكتب بالنار والدم، عنوانه العريض: تغيير الجغرافيا السكانية وتدمير البنية التحتية للحياة في لبنان، تحت وطأة آلة حربية لا تعرف سوى لغة الهدم والتهجير والتخريب .
إن الأفعال الإجرامية والانتهاكات الجسيمة التي تقترفها إسرائيل بحق شعوب المنطقة لا يمكن، بأي حال من الأحوال ومن أي منظور عقلاني أو استراتيجي، أن تُصب في مصلحة اليهود أنفسهم أو في صالح مستقبل دولة إسرائيل… ؛ فالمراقب المحايد لتلك الجرائم والمجازر، التي تُنقل تفاصيلها المروعة على الهواء مباشرة، ليخال له أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة قد وُكلوا بمهمة محددة سلفاً: تشويه صورة إسرائيل على نحو لا يمكن إصلاحه، ودفعها إلى الحضيض الأخلاقي والسياسي، واستعداء كافة شعوب المنطقة بل وأحرار العالم أجمع.
إن سياسة الأرض المحروقة والقتل العشوائي والتجويع والتهجير القسري التي تمارسها إسرائيل في غزة أولاً، وها هي توسع نطاقها في لبنان، قد أثمرت ردود فعل عالمية غير مسبوقة… ؛ فقد عمّت التظاهرات المنددة بهذه الجرائم والمجازر أغلب المدن الغربية والأمريكية الكبرى؛ من لندن وباريس إلى نيويورك وواشنطن، وتعالت الأصوات في كل مكان – من الجامعات العريقة إلى نقابات العمال ومنصات التواصل الاجتماعي – لشجب واستنكار الجرائم الإسرائيلية بحق غزة ولبنان وسوريا واليمن والعراق وإيران… ؛ لقد تحولت إسرائيل، بفعل سياساتها العدوانية، إلى كيان منبوذ في نظر قطاع واسع ومتنامٍ من الرأي العام العالمي، وهو ما يُعد كارثة استراتيجية حقيقية لم تُحسن تل أبيب وحلفاؤها في واشنطن تقدير عواقبها .
ولعل ما يضاعف من بشاعة المشهد ويزيد من دلالاته الإجرامية هو لجوء إسرائيل الممنهج إلى استخدام كافة أنواع الأسلحة المحرمة دولياً، وإلقاء حمولات رهيبة من القنابل والصواريخ الفتاكة على مناطق مكتظة بالسكان المدنيين… ؛ فما إن يسقط صاروخ أو تنفجر قنبلة حتى تتهدم القرى والعمارات والمجمعات السكنية الآهلة بالسكان، كأنها بيوت من ورق في مهب إعصار من فولاذ ونار… ؛ وبدلاً من أن يخيم الصمت، تنتشر الغازات الخانقة والروائح الكريهة، وترتفع ألسنة اللهب والدخان الأسود الكثيف إلى عنان السماء، فتشكل مشهداً جهنمياً لا يقل رعباً عن وصف سقر في الذكر الحكيم…!!
إن الاستهداف المباشر للمدنيين، وتدمير المستشفيات والمدارس ودور العبادة، وقطع سبل الحياة من ماء وكهرباء وغذاء، كلها أدلة دامغة على أن ما يحدث ليس حرباً بالمعنى التقليدي، بل هو عقاب جماعي وجريمة ضد الإنسانية تُرتكب على مرأى ومسمع من العالم العاجز أو المتواطئ … .
بات من الواضح، وضوح الشمس في رابعة النهار، أن تكرار إسرائيل لأسطوانتها المخرومة والمهترئة، والمتمثلة في ادعاء استهداف “عناصر حزب الله” حصراً، ما هي إلا دعوى باطلة ومجانبة للواقع جملة وتفصيلاً.
إن الهدف الحقيقي الكامن وراء هذه الهجمات الإرهابية والاعتداءات العسكرية المنظمة هو أبعد من ذلك بكثير وأكثر ظلاماً؛ إنه مخطط شيطاني يرمي إلى إبادة اللبنانيين الشيعة وغيرهم، وتدمير قراهم ومدنهم وبيوتهم وحقولهم ومصادر رزقهم، ثم الشروع في عملية تهجير قسري ممنهج لهم من ديارهم وأرض أجدادهم إلى الأبد. وقد صرح بهذا المخطط، أو ألمح إليه بشكل لا يقبل التأويل، الكثير من الشخصيات المحسوبة على الكيان الصهيوني، من سياسيين وقادة عسكريين وكتاب رأي.
وهنا، لا أملك إلا أن أعبر عن دهشتي البالغة من موقف بعض العراقيين – ممن انكست فطرتهم أو باعوا ضمائرهم – من الخونة والعملاء والسذج والجهلة ، وهم يدعون جهاراً نهاراً إلى استقبال النازحين اللبنانيين في العراق، وإسكانهم تحديداً في مناطقه الشيعية، بل وتجنيسهم، متذرعين بذرائع شتى كالنصرة والإنسانية تارة، ووحدة المذهب والتشيع تارة أخرى…!!
وإنني لعلى يقين جازم بأن خطر هؤلاء لا يقل فداحة عن خطر الحكام العرب الذين خانوا القضية الفلسطينية قديما ؛ حين فتحوا أبوابهم لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين -في منتصف القرن العشرين بعد التمدد الإسرائيلي والتهجير القسري الأول (النكبة )-.
كان ذلك الاستقبال – الذي بدا في ظاهره عملاً إنسانياً وقوميا ودينيا – بمثابة تنفيذ مجاني وغير واعٍ للمخطط الصهيوني الهادف إلى تفريغ فلسطين من سكانها الأصليين، مما أدى إلى شتات الشعب الفلسطيني في أصقاع الأرض … ؛ ثم تمددت إسرائيل على حساب الأرض والإنسان الفلسطيني…!!
كذلك يفعل هؤلاء الخونة والجهلة اليوم، إذ يطلبون منا أن نكون نحن، بجهلنا أو بتواطئنا ؛ الأدوات الطيعة لتنفيذ المخطط الصهيوني الجديد: إسكان شيعة لبنان في الجنوب والوسط العراقي المكتظين أصلاً بالسكان، ضمن محاولة خبيثة لإحداث خلل ديموغرافي في العراق ذاته، والأهم من ذلك، إفراغ جنوب لبنان من مكونه الشيعي الأصيل ؛ واحتلاله أو تحويله إلى وطن بديل للمهجرين الفلسطينيين أو غيرهم…. ؛ إنها لعبة أمم قذرة ودوائر مشبوهة، وويل لمن يقع في شراكها .
نعم، تعلم إسرائيل علم اليقين أن أغلب شعوب وجماهير المنطقة تنظر إليها بعين الكره العميق والحقد الدفين، إن لم يكن “كره العمى” كما يقال في المأثور الشعبي… ؛ لذا، فهي تتعمد شن هذه العمليات الانتقامية الوحشية لكسر إرادة الشعوب والجماهير، وإذلالها، ودفعها إلى اليأس والقنوط.
لم يرق للصهاينة، بعنجهيتم وغطرسة قوتهم، أن يروا مشهد شيعة لبنان وهم يرفعون أعلام النصر والتحدي، ويعودون إلى قراهم المدمرة مشياً على الأقدام، متشبثين بترابها وكرامتهم، فور الإعلان عن قرار وقف إطلاق النار – كما حدث مؤخراً بين إيران وأمريكا وإسرائيل – ؛ إن هذا المشهد المهيب، الذي يجسد أسطورة الصمود والبقاء، هو بمثابة هزيمة نفسية مدوية للكيان الصهيوني… ؛ وعليه، فإن الصهاينة عازمون، أكثر من أي وقت مضى، على إيصال شعوب المنطقة، وفي مقدمتهم شيعة لبنان، إلى حالة من الهزيمة المطلقة والانكسار الأبدي الذي لا تقوم لهم بعده قائمة.
إنهم يريدون قتل فكرة المقاومة في مهدها، وتجفيف منابع الأمل لدى الأجيال القادمة.
بيد أن التجارب التاريخية، ودروس الماضي القريب والبعيد، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الشيعة اللبنانيين لا يقلون عناداً ووعياً وقوة واقتداراً وتجذراً في أرضهم عن إخوانهم شيعة إيران، لا سيما فيما يتعلق بقضايا تحرير الأرض الوطنية، والذود عن الكرامة والعرض، وتحدي الأعداء مهما بلغت قسوتهم وعتادهم.
إن ذاكرة الجنوب اللبناني حافلة بملاحم الصمود في وجه الاحتلال الإسرائيلي، وهي ذاكرة لا تُمحى ولا تُنسى… ؛ وقد أثبتت حرب تموز عام 2006، على سبيل المثال لا الحصر، أن الادعاءات الإسرائيلية بـ “الجيش الذي لا يُقهر” ما هي إلا وهم كبير، تحطم على صخور عزيمة الرجال والنساء والأطفال في قرى الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت .
وقد صُدم العالم أجمع، ولا يزال مصدوماً، عندما تسربت الأنباء بأن قرار وقف إطلاق النار الأخير الذي تم التوصل إليه في سياق إقليمي معقد لا يشمل لبنان، وكأن دماء اللبنانيين ومآسيهم لا تساوي حبر الاتفاقات… !!
وقد ارتفعت الاحتجاجات والأصوات الحرة المطالبة بوقف فوري للعدوان الصهيوني، لا سيما وأن إسرائيل، وبكل استفزاز وتحدٍ، كثفت من هجماتها الإرهابية بصورة غير مسبوقة أثناء وبعد اتخاذ هذا القرار الانتقاصي – قرار وقف اطلاق النار بين ايران وامريكا واسرائيل – … ؛ لقد كان بمثابة ضوء أخضر لإسرائيل للاستمرار في مسلسل القتل والتدمير بلا رادع أو حسيب .
إن إخراج مناطق الحرب الأخرى، وعلى رأسها لبنان، من قرار إيقاف إطلاق النار يدل دلالة واضحة وقاطعة على أن هذه الخطوة ليست سوى مقدمة ضرورية لحرب إقليمية قادمة أكثر خطورة وشمولاً، ولا علاقة لها البتة بالسلام الدائم والمستدام في المنطقة… ؛ بل على العكس تماماً، إنها هدنة هشة ومؤقتة، سيتم خرقها عاجلاً أم آجلاً، لأن الأهداف الاستراتيجية الكامنة وراءها لم تتحقق بعد، وفي مقدمتها كسر شوكة المقاومة وتصفية القضية الفلسطينية وتغيير وجه المنطقة .
والأرقام وحدها تفصح عن حجم الكارثة الإنسانية: سقط أكثر من ثلاثمائة شهيد لبناني خلال ساعات معدودة فحسب، فضلاً عن مئات الجرحى والمصابين، وذلك في يوم دامٍ واحد من أيام العدوان… ؛ وقد استشهد ما لا يقل عن ثمانين مواطناً سورياً أيضاً خلال هذه الاعتداءات الإرهابية الهمجية الاخيرة ضد لبنان، مما يؤكد أن نيران العدوان لا تفرق بين لبناني وسوري وفلسطيني، فالجميع في خندق الدفاع عن الكرامة والإنسانية سواء .
وفي الوقت الذي تختلط فيه دماء السوري باللبناني بالفلسطيني بالعراقي بالإيراني على مذبح الحرية والكرامة والتحدي والصمود ، ويتعاطف أغلب أحرار العالم الإسلامي بل والعالم أجمع مع الضحايا الأبرياء، تقف شراذم الطائفية وشذاذ الآفاق في سوريا وبعض البؤر المشبوهة المأجورة موقفاً مخزياً ومشيناً … ؛ يتصف بالشماتة والاستهزاء بدماء الشهداء الزكية، والفرح والنشوة لسماع أخبار قتل الأطفال والنساء والشيوخ العزل على أيدي آلة القتل الصهيونية… ؛ إنها سقطة أخلاقية لا تقل شناعة عن الجريمة نفسها .
والخلاصة الموجعة أن المسلمين الشيعة في المنطقة يتعرضون اليوم لهجمات مزدوجة ومركزة، فهم بين نارين تلظيان: نار اضطهاد الحكومات والأنظمة الطائفية المقيتة، وتكفير واستهداف الحركات والفصائل الإرهابية التكفيرية من جهة، ونار الاعتداءات والاستهدافات المباشرة من قبل القوى الكبرى المتمثلة في أمريكا وإسرائيل وحلفائهما الغربيين من جهة أخرى… ؛ إنهم يُستهدفون لأنهم يشكلون، بعقيدتهم وصمودهم ومقاومتهم، حجر عثرة في طريق المشروع الصهيوني الأمريكي الرامي إلى إعادة رسم خرائط المنطقة وتقسيمها وإخضاعها .
وعليه، فإنه بات لزاماً على أحرار العالم، من مثقفين وسياسيين وإعلاميين ونشطاء حقوقيين، أن يرفعوا الصوت عالياً مدوياً للتنديد بحرب الإبادة والتطهير العرقي التي يتعرض لها شيعة المنطقة، ولا سيما سكان جنوب لبنان وبيروت الصامدة.
إن الصمت على هذه الجرائم هو تواطؤ ضمني، والسكوت عن الحق هو بمنزلة الشيطان الأخرس… ؛ إن التاريخ لن يرحم أولئك الذين وقفوا متفرجين، بل سيدينهم كما أدان من قبلهم الصامتين عن محارق ونكبات سابقة .
وفي الختام، فإنّ ما يشهده لبنان اليوم يُعدّ مثالًا صارخًا على تعقيدات الصراع الإقليمي وتشابكاته، وعلى الكلفة الإنسانية الباهظة التي يدفعها المدنيون… ؛ وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية للتحرك الجاد من أجل وقف التصعيد، وحماية المدنيين، والعمل نحو تحقيق سلام عادل ومستدام .