نفحات عن الشهيد السيد محمد باقر الصدر (ح 14)

د. فاضل حسن شريف

جاء في كتاب نشأة التشيع والشيعة للسيد محمد باقر الصدر: الشورى: أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن طرح الشوري كنظام بديل على الامة، إذ ليس من الممكن عادة أن تطرح بالدرجة التي تتناسب مع أهميتها، ثم تختفي اختفاء كاملا عن الجميع وعن كل الاتجاهات. ومما يوضح هذه الحقيقة بدرجة اكبر أن نلاحظ. أولا: إن نظام الشوري كان نظاا جديدا بطبيعته على تلك البيئد التي لم تكن قد مارست، قيل النبوة، أي نطام مكتمل للحكم. فكان لابد من توعية مكثفة ومركزة عليه. ثانيا: إن الشوري، كفكرة مفهوم غائم، لا يكفي طرحه هكذا، لامكان وضعه موضع التنفيذ، ما لم تشرح تفاصيله وموازينه ومقاييس التفضيل عند اختلاف الشوري، وهل تقوم هذه المقاييس على أساس العدد والكم، أو على أساس الكيف والخبرة الى غير ذلك مما يحدد للفكرة معالمها ويجعلها صالحة للتطبيق فور وفاة النبي صلى الله عليه وآله. ثالثا: إن الشورى تعبر في الحقيقة عن ممارسد للامة – بشكل أو آخر – للسلطة عن طريق التشاور وتقرير مصير الحكم، فهي مسؤولية تتعلق بعدد كبير من الناس هم كل الذين تشملهم الشوري، وهذا يعني أنها لو كانت حكما شرعيا يجب وضعه موضع التنفيذ عقيب وفاة النبي صلى الله عليه وآله لكان لا بد من طرحه على اكبر عدد من اولئك الناس لان موقفهم من الشورى ايجابي، وكل منهم يتحمل قسطا من المسؤولية. وكل هذه النفاط تبرهنم على أن النبي صلى الله عليه وآله في حالة تبنيه لنظام الشورى، كبديل له بعد وفاته، يتحتم عليه أن يطرح بلحاظ ضرورة الوضوح بدرجة كافية لحسم مسألة الرئاسة بعد شغور كرسيها تجنبا للمخاطر المتوقعة في حالد عدم وجود معايير محددة في هذا المجال أي كما هو الشان في كل تكليف شرعي، إذ يقتضي البيان والتفضيل، وهذا ما كان عليه دابه صلوات الله وسلامه عليه، في كل التكاليف الشرعية، قال تعالى: “وانزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم” (النحل 44)، فلو كان، حكما شرعيا إذن، وواجبا يجب ممارسته ممن عنده الاهلية، لكان يقتضي البيان.

وعن علاقة علي عليه السلام بالرسول محمد صلى الله عليه وآله يقول السيد محمد باقر الصدر قدس سره: التربية المخصوصة لعلي عليه السلام، والرعاية القائقة، والحرص على أن يكون علي قريبا جدا من أنوار الوحي، وأن يكون متعرضا لنفحات النبوة، وأن يكون ثالث ثلاثة في بيت الرسول القائد حيث مهبط الوحي، فيتلقى في هذا المكان المشرف الدروس الاولى والتوجيهات النبوية المباشرة فينعكس ذلك على تكوينه الفكري والعقيدي (فلا يسجد لصنم قط) ولا يخالط عقله لحظة شرك، وينعكس على سلوكه فلا كذبة في قوله، ولا خطلة في فعل. ان هذا ليكشف عن إعداد تربوى خاص بلا أدني شك. ومما يلاحظ في هذا الصدد أن تعهد الرسول القائد صلى الله عليه وآله لعلي بالرعايد والعنايد الخاصتين لم يقتصر على فترة الطفولة والصبا، ولم يتوقف عند مرحلة معيند لاننا نجد أن الرسول القائد كان حريصا على أن يكون علي إلى جانبه دائما لا يفارقه ليلا ولانهار، كما ورد عن علي عليه السلام قال: (كان لي مع النبي صلى الله عليه وآله مدخلان، مدخل بالليل، ومدخل بالنهار) بل نجد الرسول القائد لا يفارق عليا ولا يتركه إلا لضرورة تتصل تحفظ حياة الرسول نفسه أو بحفظ الدعوة الاسلاميد وحمايتها من أخطار محتملة. ونذكر على كل حالة مثالا واحدا لتاكيد المطلب. أ – المورد الاول الذي يتصل بحفظ حياد الرسول القائد نفهسه، وهو عندما ترك رسول الله عليا ليبيت في فراشه ليلد هجرته المباركة إلى المدينة، إيهاما لقريش المترصدين، وإنجاء لنفسه صلوات الله عليه وآله وسلم من موامرتهم لقتله. وقد نزل في ذلك قوله تعالى: “ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله” (البقرة 207) كما ذكره الفخر الرازي. ب – المورد الاخر الذي يتصل بحفظ الرسالة وحمايتها، وهو عندما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يخرج إلى بعض مغازيه قيل تبوك ترك عليا في المدينة خليفة عنه، لان ابن أبي بن سلول رأس المنافقين كان قد تخلف في المدينة فاقتضى الموقف أن يترك علي لمواجهة أي تطور غير محسوب قد يهدد دولة الرسول القائد في المدينة، ذكر الطبري: (أنه لما سار رسول الله إلى تبوك تخلف عنه عبد الله بن ابي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب وكان عبد الله بن ابي إخا بني عوف بن الخزج وعبد الله بن نبتل أخا بني عمرو بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت أخا بني قينقاع، كانوا أي المذكورن من عظماء المنافقين، وكانوا ممن يكيد الاسلام وأهله. قال الطبري: وفيه فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن اسحاق، عن عمرو بن عبيد عن الحسين البصري أنزل الله تعالى: “لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الامور” (التوبة 48) وهنا أدرك المنافقون أن بقاء علي في المدينة سيفوت الفرصة عليهم، قال الطبري في تتمة الخبر: (فارجف المنافقون بعلي بن ابي طالب، وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ علي سلاحه ثم خرج حتى أتي رسول الله وهو بالجرف موضع على مسافة من المدينة فقال: يا نبي الله، زعم المنافقون انك إنما خلفتك انك استثقلتني وتخففت مني فقال: كذبوا، ولكني إنما خلفتك لما ورائي أفلا ترضى أن يكون مني يا علي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي بعدي فرجع علي إلى المدينة ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله على سفره).

عن جريدة عكاظ: بعد 45 عاماً.. قاتل الصدر وشقيقته في قبضة الأمن العراقي السبت 01 فبراير 2025: بعد نحو 45 عاماً على الحادثة، اعتقلت الأجهزة الأمنية العراقية مسؤولاً أمنياً سابقاً رفيع المستوى لتورطه في إعدام رجل الدين البارز محمد باقر الصدر وشقيقته عام 1980 خلال حملة القمع الوحشية التي شنها الرئيس صدام حسين. وأعلن المتحدث باسم جهاز الأمن الوطني العراقي أرشد الحاكم القبض على 5 متورطين في القضية، في مقدمتهم اللواء السابق سعدون صبري جميل القيسي، الذي اعترف صراحة بتنفيذ الإعدام بسلاحه الشخصي بحق الصدر وشقيقته، وتنفيذ إعدامات جماعية لمعارضين بتهمة الانتماء إلى حزب الدعوة الإسلامي، وإعدام 8 مواطنين ودفنهم في مقابر جماعية في الفلوجة وجسر ديالى، وإعدام 2 من شباب آل الحكيم، وقتل معارض من أهوار الناصرية. وبحسب الجهاز الأمني، يواجه القيسي حكماً محتملاً بالإعدام، ومن المرجح صدور الحكم النهائي الأسبوع القادم. وأفصح مصدر أمني أن المشتبه به الرئيسي في إعدام الصدر سعدون صبري جميل جمعة القيسي كان من بين خمسة أشخاص اعتقلوا قبل خمسة أشهر، بحسب ما أوردت وكالة أسوشيتد برس اليوم (السبت). وحسب المصدر، فإن القيسي فر بعد سقوط حكومة صدام عام 2003 إلى سورية مستخدماً لقب «الحاج صالح» لتجنب الملاحقة القضائية، لكنه عاد إلى العراق في 26 فبراير 2023، ليتم اعتقاله قبل أشهر في أربيل بعد 45 عاماً من إعدام الصدر الذي كان معارضاً لحكم البعث. يذكر أن القيسي تولى مناصب رفيعة في عهد صدام حسين، بما في ذلك مدير أمن الدولة ومدير الأمن في مدينة البصرة الساحلية ومدينة النجف. من جانبه، نوه رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في تغريدة أمس على حسابه بمنصة إكس بهذا الاعتقال، مجدداً التأكيد على الالتزام بملاحقة المجرمين مهما طالت مدة فرارهم. وكان محمد باقر الصدر معارضاً قوياً لصدام حسين، وعارض الحكومة البعثية، وتصاعدت معارضته في أعقاب الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. وفي عام 1980 قبض على الصدر وشقيقته بنت الهدى، وهي عالمة دينية وناشطة، وتعرضا للتعذيب قبل إعدامهما في 8 أبريل 1980.

عن وكالة الأنباء العراقية: نواب وقانونيون يشيدون بالقبض على قتلة الشهيد محمد باقر الصدر وآل الحكيم: أشاد نواب وقانونيون وخبراء سياسيون بجهود الحكومة والأجهزة الأمنية التي أطاحت بالمتورطين بقتل المرجع الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر وآل الحكيم والآلاف من أبناء الشعب العراقي. وأعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، اليوم الجمعة، القبض على قتلة الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر، وكوكبة من شهداء آل الحكيم ومعهم آلاف العراقيين. وقال رئيس الوزراء في تدوينة له على منصة “إكس”- تابعتها وكالة الأنباء العراقية (واع): “يثبت رجال الأمن الوطني، ومعهم الجهد الأمني للدولة، أن تفانيهم يجري بالاتجاه الصحيح، نحو ترسيخ القانون وتأكيد عدم الإفلات من العقاب”. وأضاف، أنه “مع تحقيق العدالة بالقبض على رموز الآلة القمعية المُجرمة للنظام الصدّامي البعثي، قتلة الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه وشقيقته وكوكبة الشهداء من آل الحكيم ومعهم آلاف العراقيين الذين كُتمت أنفاسهم الشريفة في غياهب السجون، نؤكد منهج ملاحقة المجرمين وإن طال بهم الزمن في هروبهم”. واختتم قوله: “ستبقى الجهود المُخلصة تعملُ بذات الزخم، في ملاحقة كل من أجرم بحق الدم العراقي، في كل زمان ومكان، هذا عهدنا لأبناء شعبنا، ولكل مظلوم أو شهيد”. الأمن الوطني: القبض على المجرم سعدون صبري قاد لبقية المتورطين: وكشف المتحدث باسم جهاز الأمن الوطني أرشد الحاكم في حديثه لوكالة الأنباء العراقية (واع)، أن “عملية القبض تمت وفقا لمعلومات استخبارية تم الحصول عليها بالتنسيق مع الجهات الأمنية الأخرى وأيضاً تمت في محافظة أربيل من خلال التنسيق مع القضاء وحكومة الإقليم وفق مواد قانون حظر حزب البعث المحظور، والبعض من المتورطين كانوا خارج بغداد والبقية في إقليم كردستان وبغداد”. وأضاف، أن “العملية تمت بجهود عراقية وتعاون عالي المستوى، والتحقيق تم في جهاز الأمن الوطني واستمر 5 أشهر مع المتورطين وامتد التحقيق لأكثر من 500 ساعة وتأخر الإعلان جاء من أجل استكمال باقي الأهداف والمطلوبين”. وأكد، أن “رئيس جهاز الأمن الوطني هو من جلب المتهم سعدون صبري وعلى ضوء اعترافاته تم القبض على باقي المتهمين”. العقوبة القانونية بحق المتورطين: ويقول الباحث القانوني على التميمي لوكالة الأنباء العراقية (واع): أن “عقوبة هذه الجريمة البشعة هي الإعدام وفق المادة 406/ 1 / أ من قانون العقوبات العراقي بتهمة القتل مع سبق الإصرار والترصد، وبدلالة مواد الاشتراك 47 و48 و49 من قانون العقوبات العراقي وعقوبة الشريك هي نفسها عقوبة الفاعل الأصلي”. وأضاف، “كما أن التحقيق الجنائي يوجب أن تفتح كل جريمة من هذه الجرائم بقضية مستقلة عن الأخرى وفقا لتتابع العقوبة في قانون العقوبات، تحقيقا ومحاكمة، وهذه الجرائم لا تسقط بالتقادم أو مضي المدة وفقا للمواد من 150-154 من قانون العقوبات العراقي لتعلقها بالحقوق الشخصية”. وتابع، “ولا بد من الإشادة بدور رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في هذه القضية والمساهمة الفاعلة في إلقاء القبض على هؤلاء المجرمين، وألف تحية لقواتنا الأمنية البطلة”. بدوره، أكد المحامي عمر الساطوري في حديثه لوكالة الأنباء العراقية (واع)، أن “محاكمة مرتكبي جريمة اغتيال الشهيد محمد باقر الصدر وشهداء آل الحكيم لا تحتاج لتشريع قانوني جديد، بل تطبق عليها مواد قانون العقوبات العراقي”.

جاء في كتاب نشأة التشيع والشيعة للسيد محمد باقر الصدر: إعداد الامة وتهيئتها لتولي علي عليه السلام الخلافة: لقد بدأت عملية إعداد الامة وتربيتها لقبول واستقبال خلافة علي عليه السلام، وقيادته للمسيرة الاسلاميد بعد النبي صلى الله عليه وآله، منذ وقت مبكر، فعندها أمر النبي الاكرم بالانذار والتبليغ كما في قوله تعالى: “فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين” (الحجر 94) قال الطبري: وكان قبل ذلك في السنين الثلاث من مبعثه الى أن أمر باظهار الدعاء إلى الله، مستسرا مخفيا أمره صلى الله عليه وآله، وأنزل عليه: “وانذر عشيرتك الاقربين” (الشعراء 214) ثم أخرج الطبري رواية عن عبد الله بن عباس عن علي بن أبي طالب، قال: (لما نزلت هذه الاية علي رسول الله صلى الله عليه وآله “وانذر عشيرتك الاقربين” (الشعراء 214) دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال لي يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الاقربين، فضقت بذلك ذرعا، وعرفت أني متى أباديهم بهذا الامر أرى منهم ما أكره فصمت عليه حتى جاءني جبريل، فقال يا محمد إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك، فاصنع لنا صاعا من طعام واجعل عليه رجل شاة، وأملا لنا عسا من لبن ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى اكلمهم وابلغهم ما امرت به، ففعلت ما امرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب والحمزة والعباس وأبو لهب) وتكررت المحاولة فلما أكلوا وشربوا قال الطبري: (فتكلم رسول الله فقال: يا بني عبد المطلب إني والله ما اعلم شابا في العرب جاء قومه بافضل ما جئتكم به إني جئتكم بخير الدنيا والاخرة، وقد امرني الله تعالى أن ادعوكم إليه فايكم يؤازرني على هذا الامر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم. قال: فأحجم القوم عنها جميعا، فقلت وأني لاحدثم سنا، وارمضهم عينا أنا يا بني الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا اخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا قال أي علي عليه السلام فقام القوم يضحكون، ويقولون لابي طالب قد امرك أن تسمع لابنك وتطيع). ومن هذه الرواية يتضح لنا أن أول عملية لإعداد الذهنية من أجل قبول علي، وصيا وخليفة، قد تمت في الوسط الخاص، (عشيرة النبي المقربين) وكان ذلك جنبا إلى جنب مع التبشير برسالته والإعلان عن نبوته وبعثته صلوات الله وسلامه عليه. ثم اتخذت عملية إعداد الأمة منحى آخر: فقد بدا القرآن يتنزل تباعا، وبدا علي يقاتل دونه مع رسول الله وبدأت الايات القرآنية تنزل أيضا في الاشادة بفضل علي عليه السلام وبفضائله، لأجل نفس الهدف. وقد أخرج ابن عساكر على ما نقله السيوطي: (أنه ما نزل في أحد من كتاب الله كما نزل في علي) وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس أيضا أنه نزلت في علي ثلاثمائة آية. ونورد هنا بعض الآيات التي ذكر غير واحد أنها نزلت في علي، وتدخل في هذا الاطار اي تؤشر حقيقة أعداء الامة وتربيتها في هذا الاتجاه: أ – جاء قوله تعالى: “إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا” (مريم 96) أخرج غير واحد من الحفاظ بأسانيد مختلفة أنها نزلت في علي، لان ما من مسلم إلا ولعلي في قلبه محبة).

يقول الشهيد السيد الصدر قدس سره في سرد بعض الآيات القرآنية التي نزلت بحق علي عليه السلام قائلا: يتبين لنامن ذلك أن القرآن الكريم بعد أن أشاد بفضل علي وبفضائله، ارتقى به إلى منزلة التزكية المطلقة (التطهير) ثم صعد به إلى منزلة علي غاية من الاهمية إذ جعل نفس علي كنفس النبي محمد صلى الله عليه وآله كما هو صريح آية المباهلة. وتاسيسا على ذلك، أكد النبي صلى الله عليه وآله مرارا وكرارا قائلا: (على مني وأنا من علي) وعندما حاول بعض الناس الشكوى من علي بغية التشويش على مقامه هذا ومنزلته، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ما تريدون من علي؟ رددها، ثم قال (إن عليا مني وأنا منه). ومن أجل قطع الطريق أمام المشككين بهذه المنزلة الرفيعة التي أنزل الله تعالى فيها عليا، ولترسيخ وتأكيد ولايته وخلافته بعد النبي، في كل ما يهم المسلمين من أجل ذلك، جاء قوله تعالى: “إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون” (المائدة 55) فقد ذكر الزمخشري أن هذه الاية المباركة نزلت في علي عليه السلام حين سأله سائل، وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه. ولازالة الالتباس، وقطعا لدابر اي تأويل في المراد بالولي العصمة من آية التطهير / الأصول العامة للفقة المقارن / محمد تقي الحكيم / ص 174. وتشخيصه في مثل هذه الموارد صرح النبي صلى الله عليه وآله في أكثر من مناسبة قائلا: (إن عليا مني، وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي) ولتاكيد ولاية علي، ودوره الهام بالنسبة إلى الرسالة الاسلامية قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (علي مني أنا من علي ولا يؤدي عني – أي بصفته نبيا رسولاإلا أنا وعلي) ثم رسخ هذا المفهوم عمليا جهارا نهارا في قصة تبليغ سورة براءة، كما أخرج هذه الرواية الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي بكر الصديق أنه قال: (إن النبي بعثه ببراءة إلى أهل مكة، فسار ثلاثا ثم قال لعلي: الحقة، فرد علي أبا بكر وبلغها، فلما قدم أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا رسول الله حدث في شئ قال: ما وجدت فيك إلا خيرا، لكنني امرت أن لا يبلغ إلا أن أو رجل مني) وفي الكشاف: روي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق أي لتبليغ سورة براءة هبط جبرائيل عليه السلام، فقال: يا محمد: لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك، فارسل عليا.

يقول السيد محمد باقر الصدر: عملية الإعداد الفكري والتربوي في آخر ما نزل منه في آية التبليغ ثم في آية إكمال الدين بعد حديث الغدير المشهور، وعنده لم يعد هناك عذر لمعتذر. وقصة الغدير كما تناقلها الرواة مع بعض الاختلاف هي كما يأتي: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من حجة الوداع، نزل عليه الوحي مشددا “يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس” (المائدة 67) قحط الركب عند غدير خم، وجمع الناس في منتصف النهار، والحر شديد، وخطب فيهم قائلا، كاني قد دعيت فأجبت وإني تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الاخر، كتاب الله وعترتي وفي رواية مسلم وأهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. ثم قال: إن الله مولاي، وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فهذا وليه فهذا مولاه اللهم وال محمد والاه وعاد من عاداه، واخذل من خذله، وانصر من نصره وأدر الحق معه حيثما دار وقد أعقب هذا الحدث الكبير نزول الوحي مرة اخرى بقوله تعالى: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” (المائدة 3). وقد ورد في بعض الروايات أن الرسول القائد صلى الله عليه وآله قال بعد نزول هذه الايد في ذلك اليوم المشهود وهو يوم الثامن عشر من ذي الحجة يوم الغدير قال: (الله اكبر، الحمد لله على اكمال الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي وبالولاية لعلي بعدي). وفي رواية لاحمد (فلقيه عمر بن الخطاب أي لقى عليا بعد ذلك، فقال له هنيئا أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة). ومما يؤسف له حقا أن بعض الناس كان لا يرضيهم أن يعطى على مثل هذه الامتيازات والمقامات، وكان بعض الناس يكثر لغطه واعتراضه عندما يخص الرسول القائد عليا بذلك، فيضطر الرسول الاكرم صلوات الله عليه وآله أن يذكرهم بأنه رسول رب العالمين الذي يصدع بما يؤمر وأنه: “وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى” (النجم 3-4). ومن الشواهد على ذلك ما رواه الترمذي وحسنه، عن جابر ابن عبد الله قال: (دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا يوم الطائف فانتجاه أي كلمة سرا فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه، فقال الرسول: ما انتجيته ولكن الله انتجاه). وعن ميمون عن زيد بن ارقم قال: (كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أبواب شارعة في المسجد قال: فقال رسول الله يوما سدوا هذه الابواب إلا باب علي قال: فتكلم في ذلك الناس، قال، فقام رسول الله فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني أمرت بسد هذه الابواب، إلا باب على، وقال فيه قائلكم، وإني والله ما سددت شيئا ولافتحته، ولكني أمرت بشئ فاتبعته). وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله كلما يخص عليا دون سواه بأمر، يصرح لهم، وبيين للأمة أن ذلك إنما هو بأمر من الله تعالى. وقد حدث ذلك في إرسال علي عليه السلام لتبليغ سورة براءة بدلا من أبي بكر، وحدث ذلك يوم المناجاة في الطائف.