تهجير جماعي تحت التهديد = جريمة حرب موصوفة لا “تحذير إنساني”.
بقلم: عدنان علامه
عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
لم يعد بالإمكان التعامل مع بيانات “الإنذار” التي يصدرها جيش الإحت.لال الإس.رائيلي، على أنها إجراءات احترازية لحماية المدنيين، بل هي في جوهرها أدوات ضغط ووسائل تهجير قسري ممنهجة، تندرج بوضوح ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
فالبيان الأخير لأدرعي الذي دعا سكان جنوب نهر الزهراني إلى الإخلاء الفوري شمالًا، لا يمكن فصله عن سياق ميداني وسياسي أوسع، يسعى إلى فرض واقع ديموغرافي جديد بقوة النار.
فالقانون الدولي الإنساني، ولا سيما إتفاقيات جنيف، تحظر بشكل صريح التهجير القسري للسكان المدنيين، إلَّا في حالات الضرورة العسكرية القصوى والمؤقتة، وبشروط صارمة تضمن سلامتهم وعودتهم.
وأما ما يجري اليوم، فهو دعوة جماعية ومفتوحة لإخلاء مناطق واسعة، دون أي ضمانات للعودة، وتحت تهديد القصف المستمر، ما يحوّل هذه “التحذيرات” إلى أداة تطهير سكاني مقنّع.
والأخطر من ذلك هو محاولة الإحتلال تبرير هذه الإجراءات، بادعاء وجود أهداف عسكرية أو عناصر تابعة لحزب الله بين المدنيين؛ فهذه الذريعة، حتى لو صحت في حالات محدودة، لا تبرر إطلاقًا معاقبة مجتمع كامل أو تهجيره.
فمبدأ التمييز في القانون الدولي يُلزم الأطراف المتحاربة بالتفريق بين المدنيين والمقاتلين، لا أن يتم التعامل مع السكان ككتلة واحدة مشبوهة.
إن تعميم الاتهام، وتحويله إلى مبرر للإخلاء الجماعي، هو بحد ذاته انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني وإتفاقيات جنيف.
وما يثير القلق أكثر، هو أن هذا السلوك لا يأتي في فراغ، بل يتقاطع مع حديث إسرائيلي متكرر عن “منطقة عازلة” جنوب لبنان، تُفرغ من سكانها لتأمين عمق أمني للكيان المحتل.
فهذا الهدف، إن تحقق، لا يعني فقط تغييرًا جغرافيًا، بل يشكل سابقة خطيرة في فرض الوقائع بالقوة، وإعادة رسم الخرائط الديموغرافية تحت غطاء أمني واهٍ.
وفي المقابل، يبدو الموقف الدولي، وفي مقدمته الأمم المتحدة ودول مجموعة السبع، عاجزًا أو متواطئًا بالصمت.
فالأمين العام للأمم المتحدة لم يُظهر حتى الآن مستوى القلق المطلوب إزاء هذه الدعوات العلنية للتهجير، فيما تكتفي القوى الكبرى ببيانات عامة لا ترقى إلى مستوى الجريمة المرتكبة.
و هذا الصمت لا يمكن تفسيره إلا كضوء أخضر غير مباشر لمواصلة هذه السياسات.
وأما داخليًا، فإن الإشكالية لا تقل خطورة. فبدل أن تبادر الحكومة اللبنانية إلى تحرك دبلوماسي عاجل، وتقديم شكاوى فورية إلى مجلس الأمن، نجد حالة من التراخي، إن لم نقل التماهي الضمني مع الضغوط الدولية.
ويتجلى ذلك في المفارقة الصارخة بين السرعة القياسية في رفض الطروحات الإي.رانية، وبين البطء المشبوه في مواجهة خروقات واضحة لوقف إطلاق النار، وتهديد مباشر للمواطنين.
فهذا الواقع يفتح الباب أمام قراءة أكثر خطورة: أن العدو يستثمر في الانقسام الداخلي اللبناني، وفي الخطاب السياسي الذي يصنّف جزءًا من اللبنانيين (المق.اومين تحديدًا) خارج الشرعية، ليبرر إعتداءاته ويوسّع هامش حركته.
فعندما يُصوَّر سكان مناطق بأكملها، على أنهم بيئة حاضنة لطرف عسكري، يصبح إستهدافهم أو تهجيرهم أسهل تسويقًا في الخطاب الدولي.
لكن الحقيقة التي يجب التأكيد عليها، و هي أن سكان جنوب الليطاني هم مدنيون لبنانيون قبل أي تصنيف آخر، وحقوقهم في البقاء على أرضهم لا تسقط تحت أي ذريعة.
إن تحويلهم إلى رهائن في معادلة عسكرية أو أوراق ضغط سياسية هو انتهاك مزدوج للقوانين الدولية لإتفاقيات جنيف، من الخارج بالقصف والتهديد، ومن الداخل بالتقاعس والتماهي مع الأجندات الخارجية.
وفي الخلاصة، ما يجري ليس مجرد تصعيد عسكري عابر، بل محاولة لفرض وقائع دائمة عبر التهجير القسري. وأمام هذا المشهد، يصبح الصمت جريمة بحد ذاته، والتقاعس الرسمي شريكًا غير مباشر في تكريس هذه الوقائع. َوالمطلوب ليس فقط إدانة، بل تحرك فعلي يضع حدًا لهذه السياسات قبل أن تتحول إلى أمر واقع لا يمكن الرجوع عنه. وخذوا العبرة َمما حصل في فلس.طين.
وإنَّ غدَّا لناظره قريب
16 نيسان/أبريل 2026