بقلم: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن وقانون عام اسلامي
الجمعة، 17 نيسان 2026
تُعد المنظومة العشائرية في السياق السوسيولوجي العراقي وحدة بنائية أساسية ساهمت عبر القرون في صياغة نظام قيمي متماسك، مثّل في فترات ضعف المؤسسات المركزية «نظاماً موازياً» للضبط الاجتماعي والحماية الجماعية.
وقد ارتكزت هيبة هذه المنظومة تاريخياً على مؤسسة المشيخة التي كانت تضطلع بدور «الفاعل الوسيط» في هندسة السلم الأهلي حيث كان المضيف يمثل فضاءً للتداول العقلاني والمحاكمة الأخلاقية التي تسبق وتدعم المسارات القانونية الرسمية إلا أن القراءة الفاحصة للتحولات الراهنة تكشف عن انزياح قيمي خطير إذ بدأت بعض الخطابات العشائرية بالتحول من «حوكمة السلم» إلى «إدارة النزاع»، وهو ما نطلق عليه «استقالة الحكمة» أمام تمدد ثقافة القوة المادية التي تحاول فرض سطوتها على حساب المنطق والعرف الصين.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه الاستقرار المجتمعي اليوم يكمن في بروز نمط من الخطاب التحريضي الذي يتبناه بعض المتصدرين للمشهد العشائري والذي يستبدل قاعدة «العفو والإصلاح» بـ «شرعنة الرد العنفي» وتتجلى هذه الإشكالية في عبارات ذات حمولة تدميرية تتردد في بعض المحافل كقول بعض الشيوخ لمن ينتمي لعشيرتهم «لا تأتِ إليّ شاكياً من اعتداء وقع عليك أو تخبرني بأنهم ضربوك بل بادر بالرد واضرب من يواجهك ونحن نتكفل بتبعات الفصل العشائري» هذا الخطاب ليس مجرد رد فعل انفعالي عابر بل هو «تأسيس لمنطق خارج القانون» يحول المؤسسة العشائرية من أداة لحقن الدماء إلى «محرك للخصومة» فمن منظور البحث الاجتماعي المعمق نجد أن هذا النوع من التوجيه يمنح الفرد شعوراً بـ «الحصانة المسبقة» مما يشجع على تجاوز سلطة الدولة المركزية والاحتكام إلى «القوة العضلية» المدعومة بـ «المال القبلي» وهو ما يؤدي بالضرورة إلى إضعاف الرادع النفسي والاجتماعي لدى جيل الشباب.
تاريخياً كان «الفصل» أو الدية أداة قانونية عرفية تهدف إلى جبر الضرر وإيقاف سلسلة الثأر أي أنه كان إجراءً علاجياً اضطرارياً يأتي بعد وقوع الأزمة لإخمادها ومنع تمددها أما في الواقع المعاصر فقد بدأت هذه الأداة تنحرف عن مسارها الأخلاقي لتصبح «تأميناً مسبقاً على الجريمة» حين يُقال للشاب «اضربه ونحن نفصله»، فإن الفصل هنا يتحول من عقوبة زاجرة وجبر للخواطر إلى «ثمن مدفوع» لانتهاك كرامة الآخرين والاعتداء عليهم. هذا التحول يكرس مبدأ خطيراً يقوم على «مقايضة الدماء والكرامات بالمال» وهو ما يؤدي بالضرورة إلى إفراغ القيم العشائرية من محتواها الإنساني والروحي. إنها عملية «تسليع للعنف» حيث يصبح الفرد المندفع قادراً على ممارسة العدوان وهو يدرك سلفاً أن الغطاء العشائري سيقوم بتسوية الأمر عبر صفقات مالية مسبقة الدفع مما يضع المجتمع ككل في حالة من «التوجس الدائم» وفقدان الثقة بآليات التقاضي الرسمية والعرفية على حد سواء.
إن استبدال الحكمة بالتحريض يؤدي بالضرورة إلى تآكل الهيبة المعنوية للشيخ وللمؤسسة العشائرية ككل فالهيبة الحقيقية كانت تُستمد من القدرة على سياقة النفوس نحو التهدئة ومن «العدالة الداخلية» التي كانت توبخ المخطئ من أبناء العشيرة قبل الغريب وتجبره على الاعتذار وإصلاح ما أفسده أما اليوم، فإن الانحياز الأعمى تحت شعارات مشوهة قد أنتج فوضى منظمة تبتلع مفهوم المواطنة وتفتت نسيج الدولة الوطني هذا السلوك يؤسس لما يمكن تسميته بـ «الإقطاعية السلوكية»، حيث يشعر الفرد المنتمي لجهة قوية أنه «فوق القانون» ومحمي من المساءلة بينما يشعر الآخرون بالاستضعاف مما يولد احتقانات طبقية واجتماعية تنفجر عند أبسط احتكاك يومي إن غياب اللغة الأبوية الحكيمة في الدواوين واستبدالها بلغة «التحدي والمواجهة» يساهم في بناء جيل يرى في العنف وسيلة وحيدة لإثبات الذات وهو ما يتنافى مع أبسط مبادئ «العقد الاجتماعي» الذي يفترض تنازل الأفراد عن حقهم في استخدام القوة لصالح الدولة لضمان الأمن العام
إن العودة إلى «أصالة السنن» ليست دعوة للانكفاء نحو الماضي بل هي ضرورة وجودية لحماية مستقبل الأجيال القادمة. إن التاريخ العريق للعشائر العراقية يزخر بنماذج من الشيوخ الذين كانوا بمثابة «قضاة فلاسفة»، يقضون الليالي في وأد الفتن وتطييب الخواطر، مؤمنين بأن قوة العشيرة تُقاس بمدى التزامها بالحق والإنصاف لا بمدى قدرتها على الترهيب واستعراض القوة. وعليه، فإن المسؤولية الأخلاقية والوطنية تحتم على النخب العشائرية الواعية والباحثين في الشأن الاجتماعي الوقوف بحزم ضد خطاب «تشريع العنف». يجب إعادة تعريف الرجولة والانتماء في الوعي الجمعي لتكون مرتبطة بالالتزام بالقانون، وباحترام حقوق الجوار، وبالقدرة على العفو التي هي «شيمة الكبار» وأصل المشيخة الرصينة. إن صمام الأمان الحقيقي لا يكمن في القدرة على دفع مبالغ الفصل، بل في منع وقوع الاعتداء أصلاً،
وضمان بقاء المضيف منارة للحكمة والتعايش السلمي، بعيداً عن صخب القوة الزائفة التي لن تخلف وراءها في نهاية المطاف إلا الندم ودمار البنى الاجتماعية الرصينة.