بقلم: الباحث حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن وقانون عام اسلامي
الجمعة، 17 نيسان 2026
تعد ظاهرة الرشوة من أعقد الإشكالات الهيكلية التي تواجه النظم الإدارية والاجتماعية المعاصرة، حيث لم تعد تمثل مجرد انحراف سلوكي عابر، بل استحالت إلى ظاهرة سوسيولوجية متغلغلة تفرض نفسها كنسق ثقافي موازٍ للقيم الرسمية. إن القراءة التحليلية للمشهد المؤسساتي تكشف عن تحول الرشوة من جريمة موصوفة في التشريعات القانونية إلى ما يمكن تسميته بالعُرف الاجتماعي السائد، حيث يتم ممارستها تحت غطاءات تبريرية تسعى لشرعنة القبيح، من خلال استبدال المصطلحات الفقهية والقانونية الواضحة بمفردات هلامية مثل التسهيلات الإدارية، أو الإكراميات، أو الهدايا الرمزية، وهو ما يشكل انحداراً خطيراً في المنظومة الأخلاقية والمهنية الحاكمة للمجتمع.
إن هذا التحول البنيوي في مفهوم الرشوة جعلها تكتسب صفة الثقافة الجمعية؛ فالثقافة بمفهومها الأكاديمي هي جملة المعايير والممارسات التي يرتضيها الفاعلون الاجتماعيون ويعيدون إنتاجها عبر الزمن. وتكمن الخطورة المنهجية هنا في أن تكرار هذه الممارسة أدى إلى نوع من التطبيع مع الفساد، مما ساهم في تآكل الوازع الأخلاقي واضمحلال مفهوم الدولة الراعية للحقوق. إن هذا الواقع يتطلب وقفة بحثية جادة لتحليل الفجوة القائمة بين الالتزام بالنصوص الشرعية التي تحرم هذه الآفة، وبين الممارسة الميدانية التي تتجاهل المعايير المهنية المفترضة في الوظيفة العامة.
فمن المنظور الشرعي والفقهي، يمثل استشراء الرشوة تقويضاً صريحاً للمقاصد الضرورية التي جاءت الأديان لحمايتها، وعلى رأسها العدل والأمانة. إن الوعيد التشريعي الذي طال أطراف العملية الارتشائية كافة لم يأتِ من فراغ، بل لكون الرشوة تمثل اعتداءً مباشراً على الحقوق العامة والخاصة. ومع ذلك، نلاحظ وجود انفصام سلوكي لدى البعض، حيث يتم الفصل بين العبادات الشعائرية وبين السلوك الوظيفي؛ فيبرر الفرد لنفسه قبول مال السحت تحت ذرائع اقتصادية مثل ضعف الدخل أو غلاء المعيشة، متناسياً أن الحرمة الشرعية قطعية لا تقبل التأويل أو التبرير بالمصلحة الفردية الضيقة.
أما على الصعيد المهني والأكاديمي، فإن الرشوة تعمل كأداة لتعطيل مبدأ الجدارة والكفاءة. فالوظيفة العامة في جوهرها هي عقد قانوني وأخلاقي يلتزم بموجبه الموظف بتقديم الخدمة للمواطن كحق مكتسب مقابل أجر معلوم تلتزم به الدولة. وحين يتم إقحام عنصر الارتشاء في هذه المعادلة، تتحول العلاقة من خدمة عامة إلى عملية ابتزاز ومساومة، مما يؤدي إلى مقتل روح الإبداع المهني. فالموظف في ظل هذه البيئة الموبوءة يدرك أن معايير التقييم والترقية قد لا تخضع لمستوى الإنجاز، بل لمدى انخراطه في شبكات الفساد الإداري وتأمين المنافع غير المشروعة لمراكز القوى.
إن الآثار الاجتماعية والمقاصدية لهذه الظاهرة تتجاوز الأطر المؤسساتية لتضرب في صميم البناء القيمي للمجتمع، حيث تساهم الرشوة في تكريس الفوارق الطبقية، إذ يصبح الوصول إلى الحقوق والخدمات متاحاً فقط لمن يمتلك القدرة المالية على الشراء، بينما يُحرم ذوو الدخل المحدود من أبسط حقوقهم القانونية. هذا الشعور بالظلم يولد حالة من الاغتراب الاجتماعي وتآكل الثقة في المؤسسات، مما قد يؤدي في المحصلة إلى تخلخل السلم الأهلي والتماسك المجتمعي.
وعلاوة على ما سبق، فإن الرشوة تعمل على خلق بيئة طاردة للاستثمار ومقوضة للتنمية المستدامة. فالمستثمر يبحث دوماً عن بيئة تتسم بالشفافية وحكم القانون، وعندما تصبح البيروقراطية معقدة ولا تتحرك إلا بالمال، فإن ذلك يؤدي إلى نزيف اقتصادي حاد ويحرم الدولة من فرص النهوض الحضاري، كون المشاريع والصفقات تذهب في الغالب للجهات الأكثر قدرة على الارتشاء لا الأكثر كفاءة في التنفيذ.
إن علاج هذا الوباء الثقافي يقتضي تبني استراتيجية وطنية شاملة تتجاوز المقاربات الأمنية التقليدية، لتركز على الإصلاح التربوي والقيمي. نحن بحاجة إلى إعادة صياغة الوعي الجمعي من خلال المناهج التعليمية والمؤسسات الإعلامية والدينية، للتشديد على أن الرشوة ليست وسيلة لتسيير الأمور بل هي معول لهدم الأوطان. كما يجب تفعيل أنظمة الرقابة الرقمية لتقليل التماس المباشر بين الموظف والمراجع، مما يحد من فرص الابتزاز.
ختاماً، إن الرشوة هي الرهان الخاسر الذي يستنزف طاقات المجتمع ويدمر مستقبله. إن استمراء المال الحرام وتغييب الضوابط المهنية والشرعية لا يمكن أن يؤدي إلى بناء دولة قوية أو مجتمع مستقر. إن المسؤولية تقع على عاتق الجميع لاستعادة هيبة الأمانة والنزاهة، والوقوف بحزم ضد كل من يحاول تحويل الحقوق المشروعة إلى صفقات مشبوهة، فبناء الأوطان يبدأ بتطهير الذمم وصيانة الضمير المهني من لوثة السحت.