رياض سعد
كلما دخل مِهْنَدٌ الحمامَ، مكث فيه أطولَ مما ينبغي… ؛ ففي كثير من الأحيان يدخله للتبول فحسب، وتلك عمليةٌ بيولوجية لا تستغرق أكثر من دقيقتين اثنتين، غير أنه يطيب له المقام، ويهوى الجلوس على المرحاض الغربي، كأنه متعبِّدٌ في محرابه السري … ؛ فالزمن هناك يتباطأ، كأنّ عقارب الساعة تخجل من الدوران في حضرة الماء …
لم يكن المرحاض بالنسبة إليه مجرّد موضعٍ لقضاء حاجة بيولوجيّة ملحة ، بل غرفةً سرّيّة تُفتح فيها أبوابٌ أخرى …
هناك، في ذلك المكان الضيق، تتوارد عليه الأفكارُ طائعةً، وتنهال على ذهنه الرؤى متتابعة، وتنساب في خاطره الذكرياتُ كأنها شريطٌ سينمائيٌّ قديم، لا يُعرض إلا في هذه القاعة المائية…
أفكارٌ تتوالد، ذكرياتٌ تتدفق، وأسئلةٌ تخرج من عتمتها كطيورٍ حبيسة وجدت فجأةً نافذة …
كان يجلس، لا ليريح جسده فحسب، بل ليُنصت إلى ضجيج داخليّ لا يسمعه في أيّ مكانٍ آخر …
هناك، في ذلك الحيّز الضيّق، تتحوّل الحياة إلى شريطٍ صامت: وجوه، مواقف، خيبات، وأحلامٌ مؤجّلة … ؛وكأنّ العالم كلّه لا يُعرض إلا على هذا المقعد البارد …!!
في الحمّام، يشعر مهند أنّه يتخلّص من كل فضلات الجسد وزوائده، ومن كل سموم الروح وهمومها… ؛ وإذا ما أغدق الماء على جسده، أحسَّ كأنه يغسل روحَه قبل بشرته، فينظفها من أدران الحياة العالقة بها كالصدأ…
نعم , هو يتوهّم—وربما يعتقد —أنّ كلّ همٍّ يمكن أن يُغسل، وأنّ الماء لا يمرّ على الجلد فحسب، بل ينساب خفيًّا إلى الروح، فينقّيها من أدرانٍ لا تُرى …
وحين يفتح الصنبور، يتركه جاريًا طويلًا، كأنّه يريد أن يطيل عمر الطهارة، أو يؤجّل عودته إلى الخارج …
لطالما سأل نفسه :
لماذا أجد نفسي في الحمام؟!
ألأنه ضيقٌ يشبه صومعة الكهنة والزهاد، يصلح للاختلاء بالنفس والانفراد بالروح، هرباً من وحشة البشر وضجيجهم؟
أم لأنه يذكّر الإنسانَ بكهفه الأول، ذلك الرحم الكوني الذي لفظه يوماً إلى هذا العالم الصاخب؟
كان يرى في هذا الركن ملاذًا لا يُحاسبه أحد فيه …
لا نظرات، لا توقّعات، لا أقنعة …
فقط هو، وصوته الداخلي، وماءٌ لا يسأل …
لكن المفارقة التي أرهقته كانت هذه :
إذا كان المكان الضيق ملاذاً يلوذ به الإنسان من ضوضاء الحياة، فلماذا يُعاقَب المجرمون بوضعهم في زنزانةٍ لا تزيد مساحةً عن هذا الحمام؟!
أليس التناقض بعينه أن نبحث عن الخلاص في زنزانة، ونهرب من السماء إلى بالوعة؟!
أيكون الفارق الوحيد في حرية الدخول والخروج؟!
في الإرادة التي نملكها أو تُنتزع منا؟!
يتساءل مهند: هل يجلس المرء هاهنا باختياره فيكون الفضاءُ ملكوتاً متسعاً، أم يُقحَم فيه رغماً عنه فيكون قبراً ضيقاً؟!
العبرة، إذن، ليست في نوعية المكان ولا في أبعاده، بل في كيفية جلوس الإنسان فيه، وفي قبضة حريته التي تسبق الباب أو تلحقه … ؛فمن دخل مختارًا، خرج أخفّ ؛ومن مكث مكرهًا، ثقل حتى في أوسع الأمكنة… .
يدخل مهند الحمامَ تسعَ مراتٍ في اليوم. أحياناً لا لشيء إلا ليغسل وجهه، أو ليتوضأ للصلاة فيجدد الماءُ عهدَه مع الطهارة… ؛ وهو مفرطٌ في استخدام الماء، يفتح الصنبور فينساب الماء منهمراً لا ينقطع، فيحدّق فيه طويلاً، ويتمنى لو أنه قطرةٌ واحدةٌ في نبعٍ بقمة جبل، تنحدر مع الوديان وتسفح على الأعشاب والصخور، ولا تصل إليها أكف البشر العابثة …
لكن الجسد، بخلاف الروح، لا يحتمل الفلسفة طويلًا … ؛ فلكثرة ما يمكث مهند في الحمام، أصيب بداء البواسير، وأجرى ثلاث عمليات جراحية لاستئصالها، غير أنها تعود في كل مرة، كأن جسده يأبى إلا أن يذكره بأن لكل خلطةٍ روحانية ضريبةً جسدية، وأن اللوذ بالماء لا يعني النجاة من الجسد، وأن الروح قد تتعالى لكن الجسد يظل مشدوداً إلى حمولته الأرضية … ؛ أو كأنها رسالة جسدية تقول: لن تخرج من هنا كما دخلت… ؛ لن تنتهي المعركة بانتصارك على زوائدك، فأنت نفسك زائدة في مكان لا يليق بك …
وفي يومٍ ما، حين طال به الجلوس كعادته، انتبه فجأةً إلى شيءٍ بسيط :
أنّ الباب يمكن فتحه في أيّ لحظة …
نهض ببطء، نظر إلى المرآة، ولم يرَ سوى وجهٍ تعلّم أخيرًا أن العزلة ليست خلاصًا دائمًا،وأنّ الماء، مهما جرى، لا يحمل الإنسان معه … ؛بل يتركه ليواجه نفسه، خارج الصومعة .