الانقلابات العسكرية جسر الشعارات نحو الاستبداد

رحيم الحلي

لم يكن موقفي الرافض للانقلابات العسكرية موقفاً انفعالياً، ولا هو اصطفافاً مع قوى رأسمالية أو إقطاعية كما قد يتوهم البعض، ولا خذلاناً لفكرة العدالة الاجتماعية التي حملتها شعارات تلك الانقلابات. بل هو موقف تشكّل عبر قراءة عميقة لتلك التجارب المريرة، رأيت فيها كيف تحولت الشعارات البراقة إلى أدوات للهيمنة، وكيف استُخدمت فكرة “الثورة” لتصبح جسراً نحو الاستبداد.
لقد بدأت الحكاية مع انقلابات رفعت شعارات براقة، من القاهرة في 23 يوليو 1952، إلى بغداد في 14 تموز 1958، ثم دمشق في 8 آذار 1963. يومها، بدت هذه التحولات في أعين كثيرين، خاصة في أوساط اليسار العالمي، كأنها فجر جديد يبشر بانتصار الفقراء وانكسار الإقطاع، فحظيت بدعم واسع من قوى رأت فيها امتداداً لمشروع العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني.
ولا يمكن إنكار أن بعض تلك التجارب قدّمت بالفعل إجراءات أنصفت فئات مهمشة، ولامست أحلام البسطاء، كما في تجربتي جمال عبد الناصر وعبد الكريم قاسم. لكن تلك الإنجازات، على أهميتها، لم تخلُ من العنف والفوضى والقسوة، إذ انتشرت فيها السجون، وتحولت قصور الزهور إلى معتقلات، وغابت حريات التعبير، وانتشر المخبرون والوشاة. إنها لوحة امتزجت فيها الطموحات الفردية بالصراعات الإيديولوجية، وتداخلت فيها حسابات القوى الدولية مع نزعات الضباط الذين لم يكونوا كتلة واحدة، بل فسيفساء من التوجهات المتناقضة.
سرعان ما انكشف التصدّع في داخل هذه “الثورات”، فبدلاً من أن تتجه نحو بناء دولة حديثة، دخلت في صراعات دموية بين رفاق الأمس، حيث تحوّلت البنادق التي رُفعت باسم الشعب إلى صدور بعضهم البعض. وشهدت الساحات مشاهد مأساوية من التصفيات والانقلابات المضادة، حيث سجن الضباط الصغار في مصر زعيمهم اللواء محمد نجيب، وفي العراق انتهى الزعيم عبد الكريم قاسم مقتولاً على يد أعوانه داخل استوديو إذاعة بغداد، في مشهد جسّد قسوة الصراع على السلطة حين يغيب القانون.
أما القوى الكبرى، فلم تكن يوماً بريئة في دعمها لتلك الانقلابات، إذ لم يكن همّها تحقيق العدالة الاجتماعية لشعوبنا، بقدر ما كان ترسيخ نفوذها في مناطق استراتيجية، وتحويل بلداننا إلى ساحات حرب خسرنا فيها مواردنا في صراع دولي لا مصلحة لنا فيه. وفي المقابل، انصرف همّ القادة العسكريين إلى الدفاع عن الحاكم لا عن الوطن، فقمعوا المواطنين حين خرجوا في مظاهرات سلمية ضد الفساد والاستبداد، وانتفعوا من الحروب وأثروا على حساب فقر الناس، حتى غدوا تجار حرب. وهكذا تبخرت مواردنا المالية في تلك الحروب العبثية، وصارت بلداننا سوقاً لشراء السلاح، وقنواتٍ لنقل أموالنا إلى حساب شركات السلاح في الدول العظمى، بدلاً من أن تُسخَّر لبناء المساكن والمشافي والمدارس.
وفي ظل هذا الواقع، تراجعت الدولة بوصفها مؤسسة، وتقدّم الحاكم بوصفه قدراً. عُطلت الدساتير، وأُفرغت القوانين من مضمونها، وغابت الحياة السياسية الحقيقية، لتحل محلها أنظمة تقوم على الفرد الواحد، وعلى خطاب تعبوي يخلط بين القومية المتشددة والدين المؤدلج، ما عمّق الانقسامات وأعاق تشكّل هوية وطنية جامعة.
إن رفضي للانقلابات العسكرية لا يعني رفضي للعدالة الاجتماعية، بل هو دفاع عنها في صورتها الأعمق والأكثر ثباتاً. فالعدالة لا تُفرض بالدبابة، ولا تُحمى بالبيانات العسكرية، بل تُبنى عبر مؤسسات راسخة، وقوانين عادلة، ومجتمع يشارك في صنع قراره. ما نحتاجه اليوم هو قوى تؤمن بالدولة المدنية، وتُسخّر ثروات البلاد للبناء لا لصناعة الجيوش وشراء السلاح، وأن نسعى نحو السلام والحفاظ على حياة الإنسان باعتبارها أعلى قيمة، وأن نجعل الموارد المالية جسراً لسعادته ورفاهيته، فالسلطة التي تؤسسها الدبابة لا تبني حكماً مدنياً ديمقراطياً ولا دولة ناجحة.
لقد آن الأوان أن نتحرر من وهم “المنقذ العسكري”، وأن نعيد تعريف الثورة بوصفها عملاً تراكمياً يبدأ من وعي الإنسان، وينتهي ببناء دولة تحترم مواطنيها لا تخشاهم. لقد أدت تلك التجارب إلى تراجعات وانتكاسات خطيرة، حيث تراجعت شعبية الأفكار الاشتراكية، وتزايد نفوذ الأحزاب الدينية والطائفية والقومية الانفصالية، واشتد الفقر في بلداننا، وضاعت حقوق المرأة، وانتشرت الأفكار المتطرفة المعادية للعدالة والمساواة التي تنبش في مقابر التاريخ، وتمزقت أوطاننا وشعوبنا.