العراق .. جدلية التسمية بين التاريخ واللغة ومدونات الواح سومر

أسامة عبد الأمير البدران

“ليست أسماء الأوطان مجرد ألفاظ عابرة، بل خرائط مختزلة للذاكرة والسلطة والحضارة، تختزن في حروفها تاريخ الشعوب وتحولات الجغرافيا عبر الزمن”.

في زمنٍ تتسارع فيه المعلومات عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبحت كثير من الروايات التاريخية تُتداول من دون تمحيص علمي أو مراجعة دقيقة للمصادر. وما إن يُطرح سؤال يتعلق بأصل تسمية العراق، حتى تتزاحم الإجابات المقتضبة والمتناقضة؛ فيختلط الرأي بالنقل، والأسطورة بالحقيقة، بعيداً عن القراءة التاريخية الرصينة التي تستند إلى اللغة والآثار والمصادر القديمة.

إن تقييم العلماء والباحثين لا يقوم على الانطباعات العابرة، بل على معايير علمية راسخة، من أهمها:

1. الشهادات العلمية التي حصل عليها الباحث، والمراحل الدراسية التي اجتازها، وما تركته من أثر في تكوينه المعرفي.

2. الدراسة الأكاديمية خارج البلاد، وما تمنحه من رصانة علمية واحتكاك بالمناهج العالمية الحديثة.

3. الرسائل الجامعية والأطاريح العلمية التي قدمها في مجال اختصاصه.

4. المناصب العلمية والإدارية التي تسنمها خلال مسيرته الأكاديمية، وما تعكسه من مكانة علمية وثقة مؤسساتية.

5. المؤلفات التي انفرد بتأليفها وأسهمت في سد فراغ معرفي في حقل تخصصه.

6. المصادر والمراجع التي اعتمد عليها في مؤلفاته وأبحاثه.

7. الشهادات التقديرية والأوسمة العلمية التي نالها لقاء جهوده في تطوير اختصاصه.

ومن هنا، فإن من أهم الأسباب التي دفعتني إلى كتابة هذه الكلمات المتواضعة بحق واحد من أعلام الثقافة العراقية والعربية، هو ما أراه من انتقادات مؤدلجة تُوجَّه إلى قامة علمية كبيرة، من بعض الجهات المحسوبة على الوسط الثقافي أو الديني، وما يرافق ذلك من تلقين فكري يفتقر أحياناً إلى المنهجية العلمية الرصينة.

طه باقر.. سيرة عالمٍ كرّس حياته للحضارة العراقية

يُعد طه باقر واحداً من أبرز علماء الآثار والمؤرخين العراقيين في القرن العشرين، وقد أسهم بصورة كبيرة في تعريف الأجيال بتاريخ العراق القديم وحضاراته العريقة.

تسنم عضوية الهيئة التأسيسية لجامعة بغداد بين عامي (1957 – 1958)، ثم شغل منصب نائب رئيس جامعة بغداد بين عامي (1960 – 1963). كما درس في جامعة شيكاغو – المعهد الشرقي – متخصصاً في علم الآثار، وعمل أميناً للمتحف العراقي، ومديراً عاماً للآثار، فضلاً عن عمله خبيراً ومستشاراً للشؤون الثقافية والآثارية في ليبيا حتى عام 1970.

ومن أبرز مؤلفاته:

• “مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة”.

• “من ألواح سومر”.

• ترجمته الشهيرة لـ”ملحمة كلكامش”.

• “أدب العراق القديم”.

• “الصلات التاريخية بين أقطار الشرق الأدنى القديم”.

وقد عُرف طه باقر بقدرته الفريدة على قراءة الرقم المسمارية وترجمتها، حتى أصبح مرجعاً مهماً للباحثين في تاريخ العراق القديم وحضارات وادي الرافدين. كما أسهمت مؤلفاته في ربط الماضي العراقي السحيق بالحضارات الإنسانية الأخرى، وأعادت تقديم الإرث السومري والبابلي والآشوري بلغة علمية رصينة وقريبة من القارئ العربي.

ولعل جانباً من الانتقادات التي وُجهت إليه يعود إلى تناوله الحضارات القديمة بوصفها حقائق تاريخية وآثارية، بعيداً عن القراءات العقائدية الضيقة؛ الأمر الذي جعل بعض المتلقين يخلطون بين دراسة التاريخ بوصفه علماً، وبين الحكم على معتقدات الشعوب القديمة.

أصل تسمية العراق

تطرقتُ إلى هذا الموضوع لغاية معرفية أجدها ضرورية؛ إذ كثيراً ما يتكرر سؤال أصل تسمية العراق في مواقع التواصل الاجتماعي، وتأتي أغلب الإجابات بصورة مقتضبة أو منسوخة، من دون تحقيق أو تمحيص.

ومن المهم الإشارة إلى أن الإجابة العلمية عن الأسئلة التاريخية لا تكون بنقل الرأي مجرداً، بل بعرض الآراء المختلفة، وتمحيصها، ومناقشة أدلتها، ثم ترجيح ما يبدو أقرب إلى الصواب.

وقد تناول العلامة طه باقر هذا الموضوع في كتابه “مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة”، وذكر أن أصل تسمية العراق يدور حول ثلاثة احتمالات رئيسية:

1. أن اسم “العراق” عربي الأصل.

2. أن الاسم معرّب من أصل فارسي.

3. أن أصل الكلمة يعود إلى جذور لغوية قديمة أسبق من العربية والفارسية.

ومن الضروري التنويه إلى أن طه باقر لم يطرح هذه الآراء بوصفها حقائق نهائية أو آراء شخصية خالصة، بل نقلها عن مصادر لغوية وتاريخية متعددة، منها:

• “تاج العروس”.

• “معجم البلدان” لياقوت الحموي.

• “مفاتيح العلوم” للخوارزمي.

• كتابات حمزة الأصفهاني.

• آراء الباحث الآثاري الألماني إرنست هرتسفلد.

العراق في اللغة العربية

من التفسيرات الشائعة أن كلمة “العراق” تعني “سفح الجبل” أو “شاطئ البحر”، وهي تفسيرات وردت في بعض المعاجم العربية القديمة. وقد استند أصحاب هذا الرأي إلى استعمالات لغوية تشير إلى الأراضي المنخفضة القريبة من المياه.

إلا أن هذا الرأي، وإن كان متداولاً، لا يمثل بالضرورة رأي طه باقر الشخصي، بل هو منقول عن مصادر لغوية أقدم.

الأصل الفارسي للتسمية

أما الرأي الآخر، فيربط التسمية بكلمة “إيراك” أو “إيرانشهر”، ويرى أن معناها يشير إلى “الأراضي السفلى” أو “الساحل”، وهو رأي تبناه بعض المستشرقين والباحثين، ومنهم هرتسفلد.

غير أن هذا التفسير بقي محل نقاش بين الباحثين، ولا سيما أن كثيراً من أسماء المدن والأقاليم في بلاد الرافدين أقدم تاريخياً من الحقبة الساسانية والفارسية المتأخرة.

ومن المعروف تاريخياً أن العراق كان مركزاً لحضارات سومر وأكد وبابل وآشور قبل قرون طويلة من قيام الدولة الساسانية؛ مما يجعل حسم أصل التسمية بحاجة إلى أدلة لغوية وآثارية أكثر دقة.

تسمية العراق وعلاقتها بأور وأوروك

ذهب بعض الباحثين إلى أن اسم العراق ربما يرتبط بأسماء مدن سومرية قديمة، مثل:

• أور.

• أوروك (الوركاء).

• لارسا.

وقد استند هذا الاتجاه إلى التشابه الصوتي بين تلك الأسماء وكلمة “عراق” أو “إيراك”.

إلا أن طه باقر ضعّف هذا الرأي؛ لأن تلك التسميات كانت تخص مدناً محددة، ولم تكن تعبّر عن كامل بلاد الرافدين بوصفها وحدة جغرافية وسياسية واحدة.

وهذا الرأي يبدو منطقياً من الناحية التاريخية؛ إذ إن المدن السومرية كانت تمثل دويلات مستقلة نسبياً، لكل منها حدودها ونظامها السياسي الخاص، ولم يكن اسم إحداها يُطلق على كامل البلاد.

إشكالية الربط بين العراق وأوروك

من النقاط التي تستحق التوقف عندها بعمق، تلك الفرضية التي تربط اسم العراق بمدينة “أوروك” السومرية، أو “الوركاء”، استناداً إلى التشابه الصوتي واللساني بين الكلمتين.

ورغم أن هذا الرأي تداولته بعض الدراسات اللغوية والآثارية، إلا أن الإشكال التاريخي فيه يتمثل في أن أوروك لم تكن تمثل العراق بوصفه كياناً جغرافياً واسعاً، بل كانت مدينة – مملكة تقع في جنوب بلاد الرافدين، شأنها شأن أور ولارسا ولكش وأريدو.

فحضارات العراق القديم لم تكن دولة موحدة بالمفهوم السياسي الحديث، وإنما كانت مدناً مستقلة أو متحالفة، تتوسع أحياناً وتنكمش أحياناً أخرى بحسب القوة العسكرية والاقتصادية. ولذلك فإن اشتقاق اسم العراق كله من مدينة بعينها يواجه إشكالاً منطقياً وتاريخياً؛ لأن أوروك لم تكن تشمل المجال الجغرافي الممتد الذي أصبح لاحقاً يُعرف بالعراق.

ومن هنا، يمكن القول إن التشابه اللفظي بين “أوروك” و”عراق” لا يكفي وحده لحسم أصل التسمية؛ لأن التطور اللغوي للأسماء لا يعتمد على التشابه الصوتي فحسب، بل على الامتداد الجغرافي والسياسي والثقافي للاسم عبر الزمن.

إن العراق، بوصفه مفهوماً حضارياً، أكبر من أن يُختزل بمدينة واحدة مهما بلغت عظمتها؛ لأن أرض الرافدين كانت تتكون من فسيفساء حضارية واسعة تشمل سومر وأكد وبابل وآشور والحضر والحيرة والموصل والمدائن، وغيرها من المراكز التي تشكلت منها هوية العراق التاريخية.

العراق كمصطلح إداري في العصر الإسلامي

ومن النقاط التاريخية المهمة التي كثيراً ما يُغفل ذكرها، أن لفظ “العراق” في العصر الإسلامي لم يكن يشير دائماً إلى العراق بحدوده الجغرافية المعروفة اليوم، بل كان يُستخدم أحياناً بوصفه مصطلحاً إدارياً وسياسياً يدل على مناطق النفوذ التابعة للولاة.

فقد درجت الدولة الأموية، ثم العباسية، على تقسيم البلاد إلى أقاليم وولايات، وكانت البصرة والكوفة تمثلان أهم المراكز الإدارية فيما كان يسمى “العراق”. أما الموصل والجزيرة والمدائن وغيرها، فقد كانت ترتبط أحياناً إدارياً بالعراق، وأحياناً تنفصل عنه تبعاً للظروف السياسية.

ولهذا نجد في المصادر الإسلامية تعبيرات مثل “عراق العرب” و”عراق العجم”، وهي تسميات لم تكن تعني دولة قومية مستقلة، بل تشير إلى نطاقات إدارية وجغرافية ذات طابع سياسي وثقافي.

وقد وردت هذه الاستعمالات عند عدد من الجغرافيين والمؤرخين المسلمين، ومنهم ياقوت الحموي، والمسعودي، والطبري، فضلاً عن إشارات متفرقة في كتب الأدب والتاريخ الإسلامي.

وعندما كان بعض الولاة أو الخلفاء يستخدمون عبارة “يا أهل العراق”، كما نُقل عن الحجاج بن يوسف الثقفي في قوله: “يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق”، فإنه لم يكن يقصد سكان العراق بمفهومه الحديث وحدوده الدولية الحالية، بل كان يخاطب السكان الواقعين ضمن نطاق سلطته الإدارية والسياسية آنذاك، وغالباً ما كانوا يمثلون أهل الكوفة والبصرة وما جاورهما.

وهذا يدل على أن مصطلح “العراق” كان يحمل، في كثير من الأحيان، دلالة وظيفية وإدارية، أقرب إلى استعمال كلمة “المِصر” في التراث العربي الإسلامي؛ حيث كان يقال: “مصر من الأمصار” للدلالة على الحاضرة أو الإقليم الإداري الكبير.

ومن هنا، فإن فهم التسمية يحتاج إلى التفريق بين:

• العراق بوصفه مصطلحاً لغوياً.

• والعراق بوصفه إقليماً إدارياً.

• والعراق بوصفه هوية حضارية ممتدة عبر آلاف السنين.

إن الخلط بين هذه المستويات الثلاثة أدى إلى كثير من الالتباس في تفسير أصل التسمية وتاريخها الحقيقي كما إن البحث في أصل تسمية العراق ليس مجرد نقاش لغوي عابر، بل هو بحث في عمق الهوية التاريخية والحضارية لوطنٍ كان مهداً لأقدم الحضارات الإنسانية.

ومن الإنصاف العلمي التعامل مع آراء الباحثين الكبار، ومنهم طه باقر، بوصفها اجتهادات قائمة على البحث والتحقيق والقراءة المتخصصة، لا بوصفها نصوصاً قطعية أو أهدافاً للانتقاص والتسفيه.

لقد قدم طه باقر للعراق وللمكتبة العربية خدمة علمية جليلة، حين أعاد قراءة حضارات وادي الرافدين بلغة عربية رصينة، وربط الماضي بالحاضر، وفتح الباب أمام أجيال كاملة لفهم تاريخ العراق القديم بعيداً عن التبسيط أو التهويل.

ويبقى العراق، مهما اختلفت الآراء حول أصل تسميته، اسماً راسخاً في ذاكرة التاريخ الإنساني، ووطناً حمل على أرضه أولى خطوات المدنية والكتابة والقانون.

فالعراق لم يكن اسماً وُلد من الجغرافيا وحدها، بل تكوَّن من تراكم الذاكرة الإنسانية على ضفاف دجلة والفرات، ومن تعاقب الحضارات التي جعلت من هذه الأرض شاهداً دائماً على بدايات الإنسان الأولى.