منصب معالي الوزير

الثقافة العراقية بين المقاهي ودور النشر المتواضعة في المتنبي

طالب كاظم

هل وزارة الثقافة ضرورة للمثقف العراقي الذي يتعرض للإقصاء والتهميش وتحجيم دوره التنويري إثر صعود طبقة المقاولين الجدد؟

نقلب السؤال، هل وزارة الثقافة صانعة للثقافة ومنتجة لها؟

طالما الأمر يتعلق بدار نشر أو اثنتين مع مجلات فصلية تُعد على أصابع يد واحدة، تُطبع بنسخ محدودة بسبب غياب التمويل المنصف الذي تستحقه، فهي ما زالت تعمل وفق مبدأ التمويل الذاتي، والأمر يتعلق إلى حد بعيد بجهود مدير عام دار الشؤون الثقافية الاستثنائية، الذي نال تمويلاً بسبب قربه من سلطة إصدار القرار،

فإن الجواب يبدو شاخصاً أمامنا، ماذا لو لم يكن احدهم قريباً من الدائرة الضيقة التي تحيط برئيس الوزراء؟

فالقضية هنا ليست في إناطة المهمة بفلان أو علان، أو تلك الترشيحات التي يسوقها مثقفنا الحصيف بعد تسليط الضوء على هذا الاسم أو ذاك، طالما المنصب غير معد للاقتراع الحر المباشر، فالكرسي مخصص سلفاً للبعض كاستحقاق انتخابي كما يروج له في أروقة المحاصصة التي غاب عن صناديقها الخاوية الجمهور الانتخابي الذي قاطع التمثيلية السقيمة، لأنه يدرك بانه، كما في التنويع على قصيدة كفافي، يمثل دور ناخب حصيف يضع قصاصة اقتراعه في مسرحية عنوانها صندوق ديمقراطي.

إن الإشكالية تكمن في جوهر المؤسسة الثقافية الرسمية، التي تحولت بمرور الوقت إلى جهاز إداري ثقيل الحركة مهمته تسويق السلطة واستعراض أمجادها، وزارة تعنى بالتسويق الإعلامي أكثر من اهتمامها بالثقافة الرصينة، جهاز لا يواكب الديناميكية التي يمتلكها المثقف العراقي الفرد، فالثقافة الحقيقية هي فعل فردي حر ينمو خارج جدران الدوائر الموصدة، بينما تكتفي الوزارة الحصيفة بدور الموثق أو المؤرشف في أحسن الأحوال، من خلال انشغالها بالأنطولوجيا التي لا تجيد سوى استعادة الماضي دون القدرة على إنتاج رؤية للمستقبل تحصن المجتمع بالمعرفة الخلاقة بدءاً من النشء والجيل الواعد، بل إن جوائزها نفسها باتت أسيرة المجاملات والفهم أحادي الجانب الذي ينظر إلى المنجز بوجهة نظر يعوزها الكثير لكي تكون صائبة.

إن ما نحتاجه اليوم ليس وزير ثقافة يحمل لقب المثقف فحسب، بل نحن بحاجة إلى استراتيجية ثقافية تتحرر من قيد الاستحقاق الانتخابي، استراتيجية تدرك أن دور الدولة هو الرعاية، فالمثقف العراقي الذي نال جوائز وتقديرات عالمية بجهود فردية، لا ينتظر من الوزارة أن تعلمه كيف يكتب أو يبدع، بل ينتظر منها أن تخلق بنية تحتية حقيقية، من دور نشر قوية ومسارح ومراكز فنية، ودعم سخي لبرامج الطفولة بعيداً عن كشوفات الببلوغرافيا الجامدة التي تعمل كماسح ضوئي لتراث وجد راحة البال على رفوف الأقبية المهملة.

الحقيقة المرة أن الثقافة في العراق لا تزال تُعامل كـ هامش ترقيعي لتجميل المشهد السياسي، بينما هي في الواقع الجبهة الأخيرة التي تمنع المجتمع من الانهيار، ولن يتغير هذا الواقع طالما ظل المثقف نفسه يشارك في لعبة الترشيحات والترويج للأسماء، متناسياً أن العلة ليست في الاسم، بل في النظام الذي يختزل الثقافة في الأشخاص والميول تحت مسوغات مثل: الكاريزما، الشخص الأفضل، والقيادي الحصيف الذي سينقذ قارب دجلة الثقافي من الغرق.

لماذا لا يذهبون إلى دعم المثقف العراقي لكي يستطيع مواجهة المتطلبات التي تفاقمت فوق رأسه وهو يعيش بمرتب ستمئة ألف دينار عراقي، وهو أقل من نصف صرفيات يوم واحد لمكتب رئيس الوزراء مقابل نفقات الشاي الرئاسي؟