عمر العبيدي
لم تكن معركة كوت الامارة سنة 1916 مجرد معركة بين الدولة العثمانية وبريطانيا بل كانت واحدة من اعظم صفحات المقاومة في تاريخ العراق الحديث يوم توحدت العشائر العراقية العربية الاصيلة مع الجيش العثماني دفاعا عن الارض والهوية والدين بوجه التوسع البريطاني الذي جاء من الجنوب يريد السيطرة على العراق وتحويله الى قاعدة تحكم بطريق الهند والنفط والخليج.
فالروايات الغربية حاولت طويلا ان تختصر ما جرى بانه انتصار عثماني عسكري بينما الحقيقة ان البريطانيين اصطدموا بارض عراقية ثائرة وبرجال عرفوا معنى الدفاع عن الوطن والكرامة وكانت العشائر العراقية من العمارة والمنتفك والفرات الاوسط وديالى والكوت تقاتل الى جانب الجيش العثماني في الاهوار والانهر والصحارى وتقطع طرق الامداد وتهاجم القوات البريطانية بشكل متواصل حتى تحولت الحملة البريطانية الى جحيم حقيقي.
منذ دخول العراق تحت الحكم العثماني في القرن السادس عشر بقيت بغداد والبصرة والموصل ذات اهمية كبيرة بسبب موقع العراق الاستراتيجي بين الخليج وبلاد الشام والاناضول ولان نهري دجلة والفرات كانا شريان الحياة والتجارة والحرب ومع نهاية القرن التاسع عشر بدأت بريطانيا تنظر الى العراق باعتباره مفتاح حماية الهند خصوصا بعد اكتشاف النفط في عبادان وظهور مشروع سكة حديد برلين بغداد الذي دعمه السلطان عبد الحميد الثاني بالتعاون مع المانيا وهو ما اثار خوف بريطانيا من تمدد النفوذ العثماني الالماني في المنطقة.
وقبل الحرب العالمية الاولى ارسلت بريطانيا عددا من الرحالة والجواسيس بغطاء علمي وسياسي وكان اشهرهم المستشرقة البريطانية جرترود بيل التي جابت العراق والجزيرة العربية وتعلمت العربية وزارت شيوخ العشائر وجمعت معلومات دقيقة عن الطرق والقبائل ومصادر المياه وموازين القوى وقدمت تقارير مفصلة الى الحكومة البريطانية عن طبيعة المجتمع العراقي وكيف يمكن التعامل معه عند بدء الحرب.
ومع اندلاع الحرب العالمية الاولى سنة 1914 دخلت الدولة العثمانية الحرب الى جانب المانيا فقررت بريطانيا ارسال حملة عسكرية من الهند نحو العراق لحماية النفط وخطوط الملاحة وفي السادس من نوفمبر 1914 نزلت القوات البريطانية في الفاو ثم احتلت البصرة بعد اسابيع وكانت القيادة البريطانية تعتقد ان العراق سيكون لقمة سهلة بسبب ضعف الدولة العثمانية .
لكن ما لم تدركه ان العراقيين بدأوا ينظرون الى التقدم البريطاني باعتباره احتلالا اجنبيا يهدد البلاد والعقيدة والعشائر العربية.
وعندما شعرت القيادة العثمانية بخطورة الغزو البريطاني ادركت ان الجيش النظامي وحده لا يكفي فبدأت باستنهاض العشائر العراقية العربية الاصيلة ودعت شيوخ القبائل الى الجهاد والدفاع عن العراق فلبت العشائر النداء ووقف رجالها في ساحات القتال بكل شجاعة وكان من بين العشائر التي شاركت في القتال بني لام وزبيد وشمر والخزاعل وربيعة وعشائر العمارة والفرات الاوسط وغيرها من القبائل التي كتبت اسماءها بالدم والتضحية.
لقد لعب شيوخ العشائر ووجهاؤها دورا بطوليا كبيرا في تعبئة الرجال وارسال المقاتلين ومهاجمة خطوط الامداد البريطانية وكان ابناء العشائر يعرفون طبيعة الارض والممرات المائية والاهوار ولذلك استطاعوا استنزاف القوات البريطانية بصورة مرعبة عبر الهجمات المباغتة وقطع التموين ومراقبة التحركات العسكرية حتى اصبحت القوات البريطانية محاصرة بالخوف والجوع والتعب.
كانت العشائر العراقية ولا تزال عنوانا للشرف والكرامة فلم تفرط بارضها ولم تنحن للمحتل ووقف رجالها ببنادق بسيطة بوجه واحدة من اعظم امبراطوريات العالم فكتبوا تاريخا من البطولة ما زال العراقيون يفتخرون به جيلا بعد جيل.
وبعد احتلال البصرة اندفع البريطانيون شمالا باتجاه بغداد بقيادة الجنرال تشارلز تاونسند وتحت اشراف الجنرال جون نيكسون لكن الطريق نحو بغداد لم يكن سهلا فكل خطوة كانت تواجه بحرارة قاسية واهوار ومستنقعات وهجمات عشائرية متواصلة ونقصا حادا في المؤن بينما كان العثمانيون يتراجعون ببطء لاستدراج البريطانيين بعيدا عن قواعدهم.
وفي نوفمبر 1915 وصلت القوات البريطانية الى سلمان باك جنوب بغداد وهناك وقعت المعركة التي غيرت مجرى الحملة البريطانية عندما شن القائد العثماني نور الدين باشا ومعه خليل باشا هجوما عنيفا على البريطانيين بمشاركة المقاتلين العراقيين من ابناء العشائر الذين نفذوا عمليات التفاف وضربات موجعة على خطوط الامداد فتحولت المعركة الى استنزاف دموي اجبر البريطانيين على الانسحاب نحو الكوت.
وهناك بدأت النهاية الحقيقية للجيش البريطاني ففي الكوت فرضت القوات العثمانية حصارا خانقا استمر 146 يوما ولم يكن الحصار عثمانيا فقط بل شاركت فيه العشائر العراقية بصورة مباشرة من خلال السيطرة على ضفاف دجلة ومنع وصول الطعام والذخيرة ومهاجمة القوات القادمة لفك الحصار حتى اصبح الجنود البريطانيون يعيشون الجوع والمرض والياس داخل المدينة.
ومع مرور الايام تحولت الكوت الى سجن كبير وانتشرت المجاعة بين الجنود حتى اضطروا الى اكل الخيول والحمير بينما فشلت كل المحاولات البريطانية لفك الحصار بسبب الضربات المتواصلة التي كانت تنفذها القوات العثمانية وابناء العشائر العراقية الذين قاتلوا بعناد دفاعا عن وطنهم.
وفي التاسع والعشرين من ابريل سنة 1916 اعلن الجنرال تاونسند استسلامه الكامل بعد ان فقد الامل بالنجاة واسر اكثر من ثلاثة عشر الف جندي بريطاني وهندي في واحدة من اكبر الهزائم العسكرية التي تعرضت لها بريطانيا في تاريخها الحديث بينما دخل خليل باشا الكوت معلنا نصرا دوى صداه في العالم كله.
لقد انتصر العراقيون لانهم كانوا يقاتلون فوق ارض يعرفونها ويؤمنون بها بينما كان البريطانيون يقاتلون من اجل التوسع والسيطرة .
وكان للعشائر العراقية الدور الاكبر في استنزاف العدو وتحطيم معنوياته واثبات ان العراق لم يكن ارضا مستباحة بل وطنا يدافع عنه ابناؤه بكل قوة وشرف.
ورغم ان بريطانيا عادت واحتلت بغداد سنة 1917 فان معركة كوت العمارة بقيت شاهدا خالدا على بطولة العراقيين والعشائر العربية الاصيلة التي وقفت قبل اكثر من مئة وعشر سنوات دفاعا عن العراق وكرامته وسجلت اسماءها في صفحات المجد والتاريخ وستبقى تلك التضحيات وساما على صدور ابناء العراق جيلا بعد جيل.
ومن الواجب اليوم ان يتذكر العراقيون ذلك التاريخ المشرف وان ينصفوا شيوخ ووجهاء العشائر العربية الذين حملوا السلاح دفاعا عن وطنهم يوم كان الاحتلال البريطاني يعتقد ان العراق سيكون طريقا سهلا نحو الهيمنة والسيطرة لكن رجال العراق كتبوا بدمائهم رسالة واضحة مفادها ان هذه الارض لا تنحني للغزاة مهما بلغت قوتهم وهي رسالة ما زالت حاضرة في ذاكرة الوطن حتى اليوم.
المصادر![]()
ـ The Siege للمؤرخ راسل برادون
ـ Kut 1916 للمؤرخ باتريك كراولي
ـ مذكرات الجنرال تاونسند عن حصار الكوت
ـ وثائق الحرب العالمية الاولى البريطانية والعثمانية
ـ دراسات تاريخ العراق الحديث الخاصة بالحملة البريطانية على بلاد الرافدين