عالمية العراقي

عبد الجليل الزبيدي

حدث يستحق القراءة والتأمل حينما يعلن نواب محافظة البصرة عن (خلعهم ) لمرشح من ابناء مدينتهم لشغل منصل وزاري ( واعلان البيعة) لمرشح اخر بعيد جدا عن محافظتهم وربما لم يزرها طوال حياته .

هذا الحدث تكرر ويتكرر في اغلب المحافظات ومنذ اكثر من عقدين من عمر النظام الديمقراطي في العراق , لكن اهميته تكمن في ان سكان البصرة البالغ تعدادهم نحو 4 ملايين نسمة ومن تحت تربتهم يصدٌر العراق نحو 90 % من انتاجه النفطي , طالما كانوا ينادون بحصة لهم من تشكيلة الحكومة منذ عام 2003 , تتناسب مع ثقلهم السكاني والاقتصادي والحضاري .

الموضوع ,له اصل وجذر تاريخي بما فيه من ابعاد وتداعيات ايجابية وسلبية , ويفتح النقاش على مديات اوسع واشمل لان ظاهرة تعويم الولاء للاخر ,ظاهرة تكاد تكون عراقية بامتياز, ويعتقد انها ناجمة عن :

اولا : انها إرث ست امبراطوريات عراقية اجتاحت أمما واقواما وتلاقحت وتعايشت وتقبلت ثقافات الآخر المتنوعة .

ثانيا : انها نتيجة لكثرة الاحتلالات التي تعرض لها العراق خلال القرون التسعة الاخيرة .

ويسود اعتقاد ان الثقافة المدنية العراقية تشكلت نتيجة تعدد الثقافات التي شاعت في بغداد من تعدد الجنسيات والقوميات التي سكنتها , إما جائت عبر السبي والأسر والعبودية خلال ماسمي بعصر الفتوحات او انها قدمت الى بغداد لطلب العلم والبحث عن فرص عمل .

الذي نفهمه من وصف ابو عثمان بحر الجاحظ لاحوال بغداد والبصرة لغاية منتصف القرن الثالث الهجري ,تبدو لنا مدينة بغداد اشبه بمدينة نيويورك اليوم حيث يعيش فيها سكان ينحدرون من 195 جنسية .

استمراء ( حكم الغير ),شكل من اشكال العالمية العراقية بتقبل الآخر حاكما وذلك على الرغم من ان الولاء القبلي والانحياز للقريب القبلي كان هوالمبدأ الاساسي في اختيار الحاكم وشرعنة الحكم منذ أول حاكم نُصِبَ بعد مصرع نبي الاسلام سنة 632 والى سقوط بغداد بيد المغول سنة 1258 ميلادى ونهاية الحكم العباسي القرشي حيث تقوم نظرية اصالة الحاكم على اساس ( الإمرة في قريش ).

والمفارقة ان اهل خراسان واقوام ما وراء النهر تمسكوا بنظرية ( الإمرة في قريش ) رغم طابعها العنصري والقبلي الضيق وذلك طيلة العصر الاسلامي ,في حين استقبلت بغداد حكاما وسلاطين وشاهات من مختلف الاعراق والقوميات !!

ويؤَرٌخ للعراقيين انهم ليس فقط خرجوا عن قاعدة الاصالة العربية القرشية للحاكم , بل ايضا عن الاصالة العراقية بالمعنى القومي الوطني الديمغرافي , حينما تقبلوا حكاما من اصول واعراق شتى غير عراقية .

إذ حكم بغداد منذ تأسيسها سنة 762 ميلادي ولغاية الان 2026 حوالي 112 حاكما ( خليفة , سلطان , شاه , ملك , رئيس جمهورية و رئيس وزراء حائز الحاكمية ) .

من بين (112) حاكما , بينهم 12 فقط هم عراقيون اي بنسبة 9,2 بالمئة .والنسبة تنخفض الى ما دون 3 بالمئة اذا ادخلنا في الحسبة حكام بغداد الذي حكموها كولاية في فترات الاحتلال المغولي والعثماني والصفوي حيث يبلغ اجمالي عدد الذين حكموا بغداد (282 ) حاكما ,اغلبهم ولاة وأمراء وحكام عسكريين .

هذه العالمية , ادت الي تعويم الوطنية وخصوصية ( الجغرافيا الاجتماعية ) والحاق الضرر الجسيم ب ( الانثروبولوجيا الاجتماعية ) التي تعني الخصوصية القطرية وأُطر ومكونات الهوية الوطنية وبالتالي صار العراقي متعوما سياسيا ايضا وعابرا للقارات في افكاره وميوله السياسية وانتماءاته الثقافية والاجتماعية .

في انتخابات نقابة المعلمين بمدينة الكوت عام 1959 ,جرت العادة ان يصل المرشح الى مقر النقابة من خلال ( زفه ) يرافقه حشد من انصار حزبه , وصل المرشح الشيوعي ويحمل انصاره صور لينين وستالين , اما المرشح الثاني القومي العروبي فانصاره يحملون صور المصري عبد الناصر , اما المرشح الثالث فكان من الماركسيين المتاثرين بالثورة الصينية ,فمن الطبيعي يرفع انصاره صور الصيني ماو تسي تونغ وبعض الصور للكوبي فيدل كاسترو وهو يحمل خروفا على كتفه .

تسأل والدي حينها : متى نرى عراقيين يحملون صور زعيمهم العراقي ؟