د. فاضل حسن شريف
عن عصمة النبوة والامامة يقول السيد محمد باقر الصدر قدس سره: ومن هنا قد يثار اعتراض عام في المقام، وهو ان نفس النبوة والإمامة ظرف يميز المعصوم دائما عن غيره، فكيف يمكن ان نثبت الحكم على أساس فعل المعصوم. والجواب على ذلك: إن احتمال دخل هذا الظرف في الحكم المكتشف ملغي بقوله تعالى “ولكم في رسول الله أسوة حسنة” (الاحزاب 21) وما يناظره من الأدلة الشرعية الدالة على جعل النبي والامام قدوة، فان فرض ذلك يقتضي إلغاء دخل النبوة والإمامة في سلوكهما لكي يكون قدوة لغير النبي والامام، فما لم يثبت بدليل ان الفعل المعين من مختصات النبي والامام يبنى على عدم الاختصاص. دلالة السكوت والتقرير: واما السكوت فقد يقال: إنه دليل الامضاء وتوضيح ذلك، ان المعصوم إذا واجه سلوكا معينا، فاما ان يبدي موقف الشرع منه، وهذا يعني وجود الدليل الشرعي اللفظي، واما ان يسكت، وهذا السكوت يمكن ان يعتبر دليلا على الامضاء، ودلالته على الامضاء تارة تدعى على أساس عقلي، وأخرى على أساس الظهور الحالي. اما الأساس العقلي فيمكن توضيحا: إما بملاحظة المعصوم مكلفا، فيقال: إن هذا السلوك لو لم يكن مرضيا لوجب النهي عنه على المعصوم لوجوب النهي عن المنكر، أو لوجوب تعليم الجاهل، فعدم نهيه وسكوته مع عصمته يكشف عقلا عن كون السلوك مرضيا، واما بملاحظة المعصوم شارعا وهادفا، فيقال: إن السلوك الذي يواجهه المعصوم لو كان يفوت عليه غرضه بما هو شارع لتعين الوقوف في وجهه، ولما صح السكوت لأنه نقض للغرض، ونقض الغرض من العاقل الملتفت مستحيل.
وعن الخبر العادل يقول السيد محمد باقر الصدر قدس سره: ان خبر العادل لا حاجة إلى التبين بشأنه لأنه بين واضح، وهذا يعني افتراضه بمثابة الدليل القطعي، والامر بالتعامل معه على أساس أنه بين ومعلوم، وبهذا يخرج عن موضوع عموم التعليل، لان العموم في التعليل موضوعه عدم العلم. فإذا كان خبر العادل واضحا بينا بحكم الشارع، فهو علم ولا يشمله التعليل. ومنها آية النفر، وهي قوله تعالى: “وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلم يحذرون” (التوبة 122). وتقريب الاستدلال بها انها تدل على مطلوبية التحذر عنه الانذار بقرينه وقوع الحذر موقع الترجي بدخول لعل عليه، وجعله غاية للانذار الواجب، ومقتضى الاطلاق كون التحذر واجبا عند الانذار، ولو لم يحصل العلم من قوله المنذر، وهذا يكشف عن حجية اخبار المنذر. والجواب على ذلك: أولا: ان وجوب التحذر عند الانذار لا يكشف عن كون الحذر الواجب بملاك حجية خبر المنذر، وذلك لان الانذار يفترض العقاب مسبقا، وكون الحكم منجزا بمنجز سابق، كالعلم الاجمالي أو الشك قبل الفحص، ولا يصدق عنوان الانذار على الاخبار عن حكم لا يستتبع عقابا الا بسبب هذا الاخبار. وثانيا: لو سلمنا ان خبر المنذر بنفسه كان منجزا، فهذا لا يساوق الحجية بمعناها الكامل لما سبق من أن اي دليل احتمالي على التكليف. فهو ينجزه بحكم العقل، فغاية ما تفيده الآية الكريمة انها تنفي جعل أصالة البراءة شرعا في موارد قيام الخبر على التكليف، ولا تثبت جعل الشارع الحجية للخبر. نعم بناء على مسلك قبح العقاب بلا بيان يكشف ما ذكر عن الجعل الشرعي، إذ لولا الجعل الشرعي لجرت قاعدة قبح العقاب بلا بيان. وثالثا: ان الآية الكريمة لو دلت على حجية قول المنذر شرعا، فإنما تدل على حجيته بما هو رأي ونظر، لا بما هو اخبار وشهادة، لان الانذار يعني مزج الاخبار بتشخيص المعنى واقتناص النتيجة.
جاء في كتاب في شرح العروة الوثقى للسيد محمد باقر الصدر: ان الجنب لا تنفك جنابته في حال الاحتلام عن نجاسة في بدنه أو ثوبه، فتكون الاية دالة بالدلالة الالتزامية العرفية على المطهرية من الخبث أيضا. ولكن هذا التوهم لا مجال له بعد فرض عدم إمكان إحراز تشريع نجاسة المني في ذلك الوقت، ومع فرض عدم تشريعها في ذلك الوقت فلا ملازمة عرفا بين التطهير من حدث الجنابة والتطهير من الخبث. ومطهرية الماء من الحدث يمكن استفادتها أيضا من قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (المائدة 6) فان مقتضى الاطلاق في الغسل كفاية مطلق الماء، سواء قبل باختصاص صدق عنوان الغسل بالماء أو شموله لمطلقا لمائع. كما أن مقتضى الاطلاق المقامي لقوله “فاطهروا” (المائدة 6) هو كون المأمور به التطهير بالماء، لمركوزية مطهرية الماء عرفا، ويشهد لهقوله بعد ذلك “فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا” (المائدة 6). الدليل من الروايات: والاستدلال بالروايات يقع في جهتين: (الجهة الاولى) في الاستدلال بالروايات على طهارة الماء بتمام أقسامه، وقد استدل على ذلك بعدد من الطوائف: منها، ما ذكره السيد الاستاذ دام ظله من الروايات الذالة على أن الماء كله طاهر حتى تعلم أنه قذر، فانها تدل على الطهارة الواقعية لطبيعي الماء: أما بناء على تكفلها لاثبات الطهارة الواقعية ابتداء فواضح، وأما بناء على تكفلها لقاعدة الطهارة وتمحضها في ذلك، فانها تدل حينئذ على الطهارة الواقعية بالالتزام، إذ لو كان الماء نجسا واقعا فلا بعقل جعل قاعدة الطهارة ظاهرا. والتحقيق أنه بناء على نمحض هذه الروايات في قاعدة الطهارة: إما أن يبنى على شمولها للشبهة الحكمية للطهارة والشبهة الموضوعية معا، كما هو المعروف في قاعدة الطهارة، وإما أن يبنى على الاختصاص بالشبهة الموضوعية فان بنى على الاختصاص بالشبهة الموضوعية أمكن الاستدلال بروايات هذه القاعدة على الطهارة الواقعية الذاتية لطبيعي الماء مطلقا.
جاء في كتاب نشأة التشيع والشيعة للسيد محمد باقر الصدر: بولادة كلمة (الشيعة) أو (التشيع) كمصطلح واسم خاص لفرقة محددة من المسلمين، لان ولادة الاسماء والمصطلحات شئ ونشوء المحتوى وواقع الاتجاء والاطروحة شئ آخز، فإذا كنا لا نجد كلمة (الشيعة) الظاهر أن الشهيد الصدر رضوان الله عليه يذكر هذا من باب التنزل والتسامح، وإلا فإن هناك نصوصا نبوية تصرح بلفظ الشيعة مقرونة بعلي، جاء في مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور / ج 17 / ص 384: عن علي عليه السلام قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: (أنت وشيعتك في الجنة). وفي ج 18 / ص 14 منه رواية اخرى عن جابر. وراجع:: النهاية / لابن الاثير / مادة قمح: ج 4 / ص 106، (ستقدم أنت وشيعتك راضين مرضين) الخطاب لعلي عليه السلام. في اللغة السائدة في حياء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو بعد وفاته، فلا يعني هذا أن الاطروحة والاتجاء الشيعي لم يكن موجودا. غالبا إن لم يكن دائما يذم الكثرة في موارد كثيرة جدا، كما نجده يمدح القلة في موارد مثلها، فقد جاء مثلا قوله تعالى: “ولكن أكثرهم لا يشكرون” (النمل 73)، وجاء قوله تعالى: “وقليل من عبادي الشكور” (سبأ 13)، وجاء قوله تعالى: “وإن كثيرا من الناس لفاسقون” (المائدة 49)، وجاء قوله تعالى: “اولئك المقربون * في جنات النعيم * ثلة من الاولين * وقليل من الاخرين” (الواقعة 11- 14). هذا من وجه، ومن وجه آخر نجد القرآن الكريم ينبه في موارد كثيرة إلى إن الذين يتبعون الحق ويتبعون الرسل، وينقادون للتعاليم الالهية قليلون دائما بالقياس إلى الكثرة من المعاندين للحق، قال تعالى: “وأكثرهم للحق كارهون” (المؤمنون 70)، وقال تعالى: “وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين” (يوسف 103)، وفي كل ذلك إشارة إلى بطلان اعتماد معيار الكثرة لتقييم صحة الاتجاه وصحة الرأي في مثل هذه الامور. وراجع: المعجم لمفهرس الالفاظ القرآن / محمد فؤاد عبد الباقي / ص 597 وما بعدها.
وعن الحرص على الدعوة بين السيد محمد باقر الصدر قائلا: إن حرص النبي محمد صلى الله عليه وآله على دعوته المباركة وعلى وحدة الامة ومصير الاسلام، لابد أن يكون بالضرورة أكثر من حرص أصحابه وأشد، قال تعالى: “عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم” (التوبة 128). والاهم فإن توعيته للامة وتربيته لاصحابه في ضرورة تجنب الاختلاف، وممارساته العملية بهذا الشأن لا تحتاج الى دليل، فضلا عن كون القرآن قد طفح بعشرات الآيات التي تدعو الى نبذ الخلاف، والتنفير من أسبابه ودواعيه، فكيف يمكن تصور أن يترك النبي الرحيم أهم سبب يدعو الى التنازع وهو الرئاسة دون أن يضع ما من شأنه أن يعطله ويغلق الباب دون تفاعلاته، مع أن هذا الادراك كما يقولون دفع الخليفتين الاول والثاني الى الاستخلاف كما صرحوا به هم انفسهم / تاريخ الطبري / ج 2 / ص 580.