جديد

ترميم قبر الحاخام إسحاق غاون في بغداد فتح بوابة التطبيع الثقافي مع إسرائيل

إيهاب مقبل

أُعلن في مايو أيار العام الماضي 2025 عن ترميم موقع يُنسب إلى الحاخام إسحاق غاون (Isaac Gaon) في محلة قنبر علي ببغداد ضمن سلسلة من المشاريع التي تُقدَّم رسميًا وإعلاميًا باعتبارها جزءًا من إحياء التراث اليهودي في العراق. ويأتي هذا الترميم في سياق اهتمام متزايد بإعادة الاعتبار للمواقع الدينية والتاريخية التي تعود إلى الجالية اليهودية العراقية التي غادرت البلاد بشكل شبه كامل في منتصف القرن العشرين.

وفي هذا السياق، أُشير في الإعلام العبري إلى أن الموقع قد حظي أيضًا بزيارات من شخصيات إسرائيلية خلال الثلث الأول من عام 2026، من بينها الصحفي والباحث الإسرائيلي يتسحاق هوروفيتس، وكذلك المغامر الإسرائيلي بني فاكسلر، ما أعاد تسليط الضوء على البعد الرمزي والسياسي المحتمل لمثل هذه الزيارات، وليس فقط البعد التراثي.

ورغم أن الخطاب المعلن يركز على البعد الثقافي والتراثي، إلا أن هذا النوع من المشاريع يثير قراءات نقدية ترى فيه أكثر من مجرد عمل ترميم أثري، إذ يُنظر إليه بوصفه جزءًا من إعادة تشكيل الذاكرة التاريخية، وفتح مساحات تواصل رمزية تتجاوز الحدود السياسية التقليدية.

الترميم كفعل انتقائي وإعادة توجيه للذاكرة
لا يمكن التعامل مع مشاريع الترميم في المواقع الحساسة باعتبارها أعمالًا محايدة بالكامل، إذ غالبًا ما تتسم بالانتقائية في اختيار المواقع التي تُعاد تأهيلها. فترميم قبر يُنسب إلى إسحاق غاون في قلب العاصمة العراقية بغداد، في مقابل إهمال مواقع أخرى قد لا تقل أهمية تاريخية، يعكس طبيعة الأولويات الثقافية والإعلامية التي تحكم هذه العمليات.

هذا الانتقاء يؤدي عمليًا إلى إعادة توجيه الذاكرة التاريخية، حيث يتم إبراز عناصر محددة من الماضي وإعادة تقديمها كرموز مركزية، في حين تبقى عناصر أخرى أقل حضورًا أو خارج دائرة الاهتمام العام.

التمويل الخارجي وإشكالية ملكية الذاكرة
من الجوانب اللافتة في هذا النوع من المشاريع اعتمادها على تمويل خارجي، خصوصًا من جهات مرتبطة بالشتات اليهودي العراقي. ورغم أن هذا التمويل يُقدَّم باعتباره مساهمة في حفظ التراث، إلا أنه يثير أسئلة حول من يحدد أولويات الترميم، ومن يملك سلطة تعريف هذا التراث وتوجيهه.

عندما يكون التمويل والاهتمام الأساسي قادمين من خارج الدولة، يتحول الموقع التراثي إلى مساحة مشتركة بين ذاكرة محلية وذاكرة الشتات، وهو ما قد يؤدي إلى اختلاف في قراءة معنى المكان ودلالته التاريخية.

إشكالية التوثيق: بين القبر التاريخي والمقام المنسوب
تُعد مسألة التوثيق من أبرز الإشكاليات في هذا الملف. فالقبر المنسوب إلى إسحاق غاون يدخل ضمن فئة المواقع التي لا يُحسم فيها دائمًا الفصل بين الحقيقة التاريخية والتقليد الديني. فعدد من هذه المواقع يُصنف في الدراسات التاريخية ضمن “المقامات المنسوبة”، أي أماكن اكتسبت هويتها عبر التقاليد الشفوية أو المعتقدات الدينية المتوارثة، دون وجود دليل أثري أو وثائقي قاطع يؤكد النسبة بشكل نهائي.

كما أن لقب “غاون” في حد ذاته لم يكن اسمًا لشخص واحد، بل لقبًا دينيًا أُطلق على عدد من كبار العلماء ورؤساء المدارس الدينية في بابل، ما يزيد من تعقيد عملية تحديد الهوية التاريخية بدقة.

من الترميم إلى إعادة إنتاج السرد التاريخي
لا يقتصر أثر الترميم على البنية المادية للموقع، بل يمتد إلى إعادة تشكيل السرد التاريخي المرتبط به. فإعادة إحياء مواقع يهودية في العراق تُقدَّم غالبًا في الإعلام العبري ضمن سردية أوسع حول الحضور اليهودي التاريخي في البلاد، وهو حضور حقيقي وموثق، لكن طريقة تقديمه في بعض السياقات الإعلامية لا تكون دائمًا متوازنة من حيث الانتقاء والتركيز، إذ يتم أحيانًا تكثيف عناصر معينة من هذا التاريخ وإبرازها بصورة أكبر من حجمها النسبي داخل السياق الديموغرافي العام.

كما يُلاحظ أن السرديات الإسرائيلية يُرافقها أحيانًا استخدام لأرقام تاريخية مثيرة للجدل أو غير محسومة علميًا بشكل نهائي، مثل الادعاء بأن “اليهود شكّلوا 40% من سكان بغداد في فترات معينة”. غير أن أغلب الدراسات الديموغرافية والتاريخية الأكاديمية تشير إلى أن هذه النسب، في حال ثبوتها في بعض التقديرات المحلية أو الفترات الضيقة، تبقى أقل بكثير وتتفاوت حسب الحقبة والمصدر، وغالبًا ما تكون في نطاقات أدنى من ذلك بكثير، مع غياب إحصاءات دقيقة ثابتة تغطي جميع الفترات.

الترميم كبوابة محتملة للتطبيع الثقافي غير المباشر
إلى جانب الأبعاد الثقافية، يفتح ترميم مثل هذه المواقع الباب أمام بُعد آخر أكثر حساسية يتمثل في ما يمكن وصفه بـ”التطبيع الثقافي غير المباشر”. فإعادة تأهيل مواقع دينية يهودية في العراق، خصوصًا تلك المرتبطة بذاكرة الشتات، قد تتيح لاحقًا مسارات لزيارات رمزية أو دينية من خارج البلاد، بما في ذلك من أوساط مرتبطة بما يسمى “إسرائيل” أو بالجاليات المرتبطة بها.

ورغم أن هذه الزيارات تُقدَّم غالبًا في إطار ديني أو تراثي، إلا أن منتقدي هذا المسار يرون أنها تحمل دلالات سياسية رمزية، إذ قد تسهم في خلق أشكال من التواصل الثقافي والتاريخي غير المباشر بين أطراف ما تزال العلاقات السياسية بينها معقدة أو غير قائمة.

نفي ادعاء “خازن مال الإمام علي”
تجدر الإشارة إلى أن بعض الروايات غير الموثقة التي يتم تداولها أحيانًا في مواقع أو نقاشات غير أكاديمية تزعم أن إسحاق غاون كان “خازن مال للإمام علي”. هذا الادعاء غير صحيح تاريخيًا ولا يستند إلى أي مصدر إسلامي أو يهودي موثوق.

كما أن بعض المواقع الإخبارية العراقية قد تقع أحيانًا في أخطاء تتعلق بنقل الاسم عند الترجمة أو التعريب، حيث يُترجم الاسم من العبرية إلى العربية بصيغة “إسحاق غاون”، بينما قد يظهر في بعض السياقات بصيغ غير دقيقة مثل “إسحاق جاؤون”، وهو اختلاف ناتج عن النقل الصوتي وليس عن اختلاف في الشخص المقصود.

فمن الناحية التاريخية، الإمام علي بن أبي طالب عاش في القرن السابع الميلادي (توفي 661م)، بينما لقب “غاون” ظهر لاحقًا كلقب ديني مؤسسي في المدارس اليهودية خلال فترات متأخرة. كما لا توجد أي مصادر تاريخية مبكرة، إسلامية أو يهودية، تشير إلى وجود شخصية بهذا الاسم ارتبطت بالإمام علي أو عملت في جهازه الإداري أو المالي.

وبالتالي فإن هذا النوع من الروايات يُصنف ضمن الخلط بين الذاكرة الشعبية والأسطورة، وليس ضمن التاريخ الموثق.

التراث كمساحة لإعادة تعريف الماضي
يظهر من خلال هذا النوع من المشاريع أن التراث لا يقتصر على كونه مادة للحفظ، بل يتحول إلى مساحة لإعادة تعريف الماضي وإعادة بناء علاقات رمزية معه. فاختيار مواقع معينة، وإعادة تأهيلها، وتقديمها إعلاميًا، كلها عناصر تسهم في تشكيل صورة جديدة للتاريخ، قد لا تكون دائمًا مطابقة لتعقيداته الأصلية.

وهنا يصبح السؤال الأساسي ليس فقط حول قيمة الترميم، بل حول كيفية توظيفه في بناء سرديات أوسع تتعلق بالهوية والذاكرة والانتماء.

خاتمة
إن ترميم قبر يُنسب إلى الحاخام إسحاق غاون في بغداد يتجاوز كونه مشروعًا أثريًا بسيطًا، ليصبح جزءًا من منظومة أوسع تتداخل فيها الذاكرة التاريخية مع الاعتبارات الثقافية والسياسية. وبينما يُقدَّم على أنه خطوة لإحياء التراث اليهودي في العراق، فإنه يفتح في الوقت ذاته نقاشًا حول دقة التوثيق، وانتقائية الترميم، وإعادة صياغة السرديات التاريخية، إضافة إلى ما قد يترتب عليه من فتح مسارات تواصل رمزية يمكن قراءتها ضمن سياق أوسع من “التطبيع الثقافي غير المباشر” مع الكيان الصهيوني.

انتهى