الفساد إدمان

الفساد إدمان
كامل سلمان
من أغرب الطباع لهذا الكائن الذي أسمه إنسان هو أنه كل ممارسة جسدية أو روحية أو نفسية أو عقلية يقوم بها عدة مرات متتالية بشعور متلذذ يُدمن عليها ويصبح من الصعب جداً التخلي عنها ، والفساد واحدة من الأشياء التي تنطبق عليها هذه القاعدة سواء أكان فساد أخلاقي أو فساد إداري أو حتى فساد عقائدي ، في مقابل ذلك فأن الأفعال التي يمارسها هذا الإنسان كُرهاً دون رغبة يستطيع التخلي عنها بسهولة متى ما شاء مهما تكررت ممارستها ، لذلك في المفهوم الديني هناك التوبة للذين يفعلون السوء بجهالة والجهالة هي ليست نفس السوء التي يفعلها الإنسان عن عمد وعن تلذذ ورغبة فهي تكون أسهل عند التوبة وعدم تكرارها . الفساد كأي ممارسة سيئة ، فيها أنواع ودرجات لكن أسوئها هو الفساد الذي ينعكس سوءه على المجتمع وعلى الناس كافة ، وليس هناك أسوأ من فساد المسؤول في الدولة الذي يترك أثره على الأمن والأمان والتطور والخدمات لجميع الناس وللبلد . الهدف النهائي من فساد المسؤول هو سرقة المال دون النظر لنتائج هذا الفساد . بعض المفسدين في الدولة نطلق عليهم مصطلح ( لا يشبعون من السرقات ) والحقيقة هي مفردة غير صحيحة لأنهم يشبعون و يُتخمون شبعاً وتفيض أموالهم المسروقة عن حاجاتهم الف ضعف لكنهم أدُمنوا عليها ولم يعودوا قادرين على التوبة فقد سرت في دمائهم وتعفنت دماؤهم وعقولهم وأنفسهم بالفساد . لا يمكن للفساد أن يظهر فجأة فهو سلوك متأصل وقد يكون سلوكاً مكبوتاً لكن الأدمان عليه يُجبر فاعله بعد أن يقوم بتكرار فعلته دون وازع ودون عقاب من إظهاره للعلن ، وهنا تبرز المشكلة الأكثر تعقيداً لأن هذا الفاسد يتحول إلى وحش كاسر مالم يُشبع رغباته بأستمرار فيصبح شره أكثر ضرراً ويصبح عدواني الطبع يتحدى المجتمع . الفاسد في حقيقته شخص مريض مليء بالعقد النفسية وحاقد على المجتمع وجاهل ويحب الانتقام لكنه لا يدري بأنه بنفس الوقت ينتقم من نفسه وعائلته لأن أول نتيجة يحصل عليها في حياته هي عائلة مفككة منحرفة إضافة إلى أن جزءاً كبيراً من المال المسروق يذهب إلى الجانب السيء من فعاليات حياته يعني أنه يصبح مغذي للسلوكيات الاجتماعية السيئة . أكثر شيء يزعج المدمن على الفساد بل ويزعج المدمنين عامة هو مصادفتهم لإنسان نزيه عصامي لا يرتخي أمام المغريات ولا يلين للشهوات ، هنا يود الفاسد أن يجذب مثل هذا الإنسان لنفس الطريق الذي وقع فيه هذا المدمن وإذا استحال هذا الأمر فالإنتقام هو البديل لذلك فأن المسؤول الفاسد يندر أن يكون فاسد فقط وإنما تجتمع فيه الفساد والأجرام والنوايا القذرة فهي مراحل مترابطة لأن السوء لا يتوقف عند حد معين بل ينتج الأسوأ فهذه هي تركيبة الفاسد ، هي الدنيا تعاقب السيء وتهلكه إذا ظن بأنه قادر على الافلات من عقاب القانون وعقاب المجتمع والتجارب أمامنا كثيرة ومتكررة لكن للأسف بعض منها تكون فيها الصفعة الموجعة تأتي متأخرة عن زمانها لكن مهما تأخرت الصفعة فهي ستكون مؤلمة وثمنها كبير ، ولا عزاء لمن ساقته نفسه للموبقات ولم يحكم سيطرته عليها .