د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز وجل “الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ” ﴿البقرة 197﴾ قوله تعالى: “الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج” ﴿البقرة 197﴾ إلى قوله: “في الحج”، أي زمان الحج أشهر معلومات عند القوم وقد بينته السنة وهي: شوال وذو القعدة وذو الحجة. وكون زمان الحج من ذي الحجة بعض هذا الشهر دون كله لا ينافي عده شهرا للحج فإنه من قبيل قولنا: زمان مجيئي إليك يوم الجمعة مع أن المجيء إنما هو في بعضه دون جميعه. وفي تكرار لفظ الحج ثلاث مرات في الآية على أنه من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر لطف الإيجاز فإن المراد بالحج الأول زمان الحج وبالحج الثاني نفس العمل وبالثالث زمانه ومكانه، ولولا الإظهار لم يكن بد من إطناب غير لازم كما قيل. وفرض الحج جعله فرضا على نفسه بالشروع فيه لقوله تعالى: “وأتموا الحج والعمرة لله” الآية، والرفث كما مر مطلق التصريح بما يكنى عنه، والفسوق هو الخروج عن الطاعة، والجدال المراء في الكلام، لكن السنة فسرت الرفث بالجماع، والفسوق بالكذب، والجدال بقول لا والله وبلى والله. قوله تعالى: “وما تفعلوا من خير يعلمه الله” ﴿البقرة 197﴾، تذكرة بأن الأعمال غير غائبة عنه تعالى، ودعوة إلى التقوى لئلا يفقد المشتغل بطاعة الله روح الحضور ومعنى العمل، وهذا دأب القرآن يبين أصول المعارف ويقص القصص ويذكر الشرائع ويشفع البيان في جميعها بالعظة والوصية لئلا يفارق العلم العمل، فإن العلم من غير عمل لا قيمة له في الإسلام، ولذلك ختم هذه الدعوة بقوله: “واتقوني يا أولي الألباب” ﴿البقرة 197﴾، بالعدول من الغيبة إلى التكلم الذي يدل على كمال الاهتمام والاقتراب والتعين.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ” ﴿البقرة 197﴾ خير الزّاد والمتاع:
تواصل هذه الآيات الشريفة بيان أحكام الحجّ وزيارة بيت الله الحرام وتقرّر طائفة من التشريعات الجديدة: 1 ـ تقول الآية “الحجّ أشهر معلومات” ﴿البقرة 197﴾. والمراد بهذه الأشهر: هي شوال، ذي القعدة، ذي الحجّة (شهر ذي الحجّة بكامله أو العشرة الأوائل منه) وهذه الأشهر تسمّى (أشهر الحجّ) لأنّ قسماً من أعمال الحجّ والعمرة لا يمكن الإتيان بها في غير هذه الأشهر، وقسماً آخر يجب الإتيان بها في اليوم التاسع إلى الثاني عشر من شهر ذي الحجّة، والسبب في أنّ القرآن الكريم لم يصرّح باسماء هذه الأشهر لأنّها معلومة للجميع وقد أكّد عليها القرآن الكريم بهذه الآية. ثمّ أنّ هذه الآية تستبطن نفياً لأحد التقاليد الخرافيّة في الجاهليّة حيث كانوا يستبدلون هذه الأشهر بغيرها في حالة حدوث حرب بينهم فيقدّموا ويؤخّروا منها كيف ما شاؤوا، فالقرآن يقول: (إنّ هذه الأشهر معلومة ومعيّنة فلا يصحّ تقديمها وتأخيرها). 2 ـ ثمّ تأمر الآية الكريمة فيمن أحرم إلى الحجّ وشرع بأداء مناسك الحجّ وتقول: “فمن فرض فيهنّ الحجّ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجّ” ﴿البقرة 197﴾. (رفث) بالأصل بمعنى الكلام والحديث المتضمّن ذكر بعض الاُمور القبيحة أعمّ من الاُمور الجنسيّة أو مقدّماتها، ثمّ بات كناية عن الجماع، ولكنّ البعض ذهبوا إلى أنّ مفردة (رَفَثَ) لا تطلق على هذا النوع من الكلام إلاّ في حضور النساء، فلوكان الحديث في غياب النساء فلا يسمّى بالرّفث. وذهب البعض إلى أنّ الأصل في هذه الكلمة هو الميل العملي للنّساء من المزاح واللّمس والتماس البدني الّذي ينتهي بالمقاربة الجنسيّة.
الازمنة والامكنة لها خصوصية كوقت الحج ومكانه البيت الحرام ومن الشعائر الطواف حوله والسعي بين الصفا والمروة “إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا” (البقرة 158) والاماكن المقدسة الاخرى كمنى وعرفات والمزدلفة ” فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ” (البقرة 198) وتبدأ من يوم التروية وتنتهي نهاية ايام التشريق. وهذا مما يضيف للشهر خصوصية اخرى تختلف عن بقية الاشهر الحرم”الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ” (البقرة 197) والجدال هو الكلام الذي فيه غضب ويلهي الانسان عن العبادة. وخلال هذه الفترة يتزود المؤمن بالتقوى” وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى” (البقرة 197). وعن ابي عبد الله عليه السلام (الحج اشهر معلومات شوال وذو القعدة وذو الحجة). ويتطلب في الحج العجلة كما جاء في الحديث الشريف (تعجلوا الى الحج فان احدكم لا يدري ما يعرض عليه).
كلمة شهر وردت في عدد من الآيات المباركة قال الله سبحانه وتعالى “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ” ﴿البقرة 185﴾، و”فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ” ﴿البقرة 185﴾، و”الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ” ﴿البقرة 194﴾، و”الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ” ﴿البقرة 197﴾، و”يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ” ﴿البقرة 217﴾، و”لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ” ﴿البقرة 226﴾، و”يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا” ﴿البقرة 234﴾، و”فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ” ﴿النساء 92﴾، و”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ” ﴿المائدة 2﴾، و”جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ” ﴿المائدة 97﴾، و”فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ” ﴿التوبة 2﴾، و”فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ” ﴿التوبة 5﴾، و”إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ” ﴿التوبة 36﴾، و”إحَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا” ﴿الأحقاف 15﴾، و”فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا” و ﴿المجادلة 4﴾، إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ” و ﴿الطلاق 4﴾، و”وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ” (سبأ 12)، و”لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” ﴿القدر 3﴾.
وقد ذكرت روايات ان اشهر السياحة المذكورة في القرآن هي الاشهر الحرم”فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ” (التوبة 2). وسمي شهر ذو القعدة لان العرب كانت فيه تقعد عن القتال وتقعد عن الرحيل لطلب الكلأ اي للراحة والسياحة و استعدادا للحج ولهذا سمي من الاشهر المعلومات وقبله شوال وبعده عشر ذي الحجة “الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ” (البقرة 197). و يكثر الذهاب لعمرة بيت الله في ذي القعدة حيث قال انس: اعتمر رسول الله اربع كلهن في ذي القعدة الا التي كانت في حجته، ومنها عمرة الحديبية التي حصل فيها الصلح في شهر ذي القعدة. وفي روايات ان ثلاثين ليلة التي وعد فيها موسى عليه السلام هي شهر ذو القعدة “وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ” (الاعراف 142).
جاء في کتاب الحج والعمرة في الكتاب والسنة للشيخ محمد الريشهري: التَّهَيُّؤ: قال الله تعالى “الحَجُّ أشهُرٌ مَعلوماتٌ فَمَن فَرَضَ فيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسوقَ ولا جِدالَ فِي الحَجِّ وما تَفعَلوا مِن خَير يَعلَمهُ اللهُ وتَزَوَّدوا فَإِنَّ خَيرَ الزّادِ التَّقوى واتَّقونِ يا أُولِي الأَلبابِ” (البقرة 197). قال ابن عبّاس: كان أهل اليمن يحجّون ولا يتزوّدون ويقولون: نحن المتوكّلون، فإذا قدموا مكّة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: “وتزوَّدوا فإنَّ خير الزَّاد التَّقوى” (البقرة 197). الإمام عليّ عليه السلام: إذا أرَدتُمُ الحَجَّ فَتَقَدَّموا في شِرَى الحَوائِجِ بِبَعضِ ما يُقَوّيكُم عَلَى السَّفَرِ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَقولُ: “ولَو أرادُوا الخُروجَ لأَعَدّوا لَهُ عُدَّةً” (التوبة 46).
وعن الحج جوهرة الايمان يقول السيد المدرسي في كتابه: روي أن الحج أفضل من الصلاة والصيام، لان المصلي إنما يشتغل عن أهله ساعة، وأن الصائم يشتغل عن أهله بياض يوم، وان الحاج يشخص بدنه ويضحى نفسه وينفق ماله ويطيل الغيبة عن أهله لا في مال يرجوه ولا الى تجارة. ذلك ان الحاج يواجه في الحج تلك الصعوبات؛ في عرفات، وعند الجمرات، او في الطواف وقد يواجه هناك الموت من شدة الحر والزحام، فهو حاسر الرأس امام اشعة الشمس اللاهبة، وهو هناك ليس فقط لا يجوز له ان يزاحم أحد او يدفعه، بل حتى الجدال بالحق لا يجوز له “الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِ” (البقرة 197) فهو لا يستطيع ان يقول لا والله، بلى والله. فهناك تسليم مطلق لله عز وجل. وهذا التسليم المطلق يربي في الإنسان جوهرة الايمان ويصقلها ويصبغ حياته صياغة ايمانية جديدة.