إيهاب مقبل
يُعد مشروع 858 السري واحدًا من أبرز مشاريع استخبارات الإشارات (SIGINT) التي أنشأها العراق خلال حقبة الثمانينيات والتسعينيات، في سياق إقليمي اتسم بالحروب والتوترات الأمنية، خصوصًا خلال الحرب العراقية–الإيرانية وما تلاها. وقد شكّل هذا المشروع جزءًا مهمًا من البنية الأمنية للدولة العراقية آنذاك، إذ ارتبط مباشرة بمستويات صنع القرار العليا، وعمل ضمن شبكة استخباراتية مركزية تهدف إلى مراقبة الاتصالات في البلاد والمنطقة وتحليلها وتوظيفها لأغراض أمنية وعسكرية.
التأسيس والبنية التنظيمية
ظهر مشروع 858، ويسمى أيضًا مشروع الهادي 858، في أوائل الثمانينيات، في مرحلة شهدت توسعًا كبيرًا في أجهزة الأمن والاستخبارات العراقية. وقد أنشئ المشروع تحت إشراف مباشر من السلطة الرئاسية، خارج الأطر التقليدية للأجهزة الاستخباراتية الأخرى، بما منحه طابعًا مركزيًا شديد الارتباط بمكتب الرئاسة.
اتخذ المشروع من منطقة الراشدية شمال بغداد مقرًا رئيسيًا له، مع شبكة من المحطات الأرضية المنتشرة في مناطق مختلفة من العراق. وقد عمل على مدار الساعة بنظام الورديات، مع طاقم يُقدّر بنحو 800 موظف من الاختصاصات الفنية والاستخباراتية. وتميزت بنيته التنظيمية بكونها غير تقليدية، إذ لم يكن يخضع بالكامل للتسلسل الإداري المعتاد داخل أجهزة الدولة، بل كان يتلقى توجيهاته بشكل مباشر من الرئاسة العراقية.
القدرات التقنية ومصادر التجهيز
اعتمد مشروع الهادي 858 على مزيج متنوع من التقنيات المستوردة، شملت معدات من الاتحاد السوفيتي واليابان، إضافة إلى تقنيات غربية ذات استخدام مزدوج جرى الحصول عليها عبر قنوات تجارية خلال الثمانينيات، بما في ذلك معدات أمريكية وسويدية وألمانية الصنع.
وقد شملت هذه المنظومة أجهزة اعتراض الاتصالات اللاسلكية والراديوية، وأنظمة تحليل الإشارات، وتقنيات تحديد مواقع البث. وتشير التقديرات إلى أن المشروع كان يمتلك قدرة تشغيلية على اعتراض وتحليل الاتصالات بكفاءة جيدة ضمن المعايير الإقليمية في تلك الفترة، ما جعله عنصرًا مهمًا في منظومة جمع المعلومات الاستخباراتية آنذاك.
وفيما يتعلق بالبنية التشغيلية، ضمّت تجهيزات المشروع أنظمة حوسبة وتحليل متطورة، من بينها معدات تم الحصول عليها من اليابان خلال عامي 1983 و1984، واُستخدمت في معالجة وتحليل حركة الاتصالات المحلية والدولية.
كما كانت محطات المراقبة التابعة للمشروع قادرة على تحديد مواقع أجهزة الإرسال اللاسلكية السرية خلال وقت قصير من بدء البث، وهو ما عزز قدراته في مجال الرصد الميداني.
وفي سياق توسع عمليات المراقبة، ابتداءً من أواخر عام 1995، حظر العراق خدمة الاتصال الدولي المباشر عبر الهاتف، حيث أصبحت جميع المكالمات تُحوَّل عبر مقسم هاتفي مركزي بمساعدة مشغلين في الراشدية. وتمت إحالة تسجيلات المكالمات إلى لجنة مشتركة تضم عناصر من أجهزة المخابرات والاستخبارات والأمن الخاص، حيث كانت تُراجع وتُحلل ضمن إطار أمني أوسع.
كما تمت مراقبة الاتصالات الهاتفية عبر الأقمار الصناعية ذات الوصلات المباشرة من قبل مشروع 858، إلى جانب تركيز خاص على الاتصالات العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الاتصالات المرتبطة بعملية “Provide Comfort” بين قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا ومركز التنسيق العسكري في زاخو شمال العراق.
الدور الاستخباراتي قبل عام 2003
لعب مشروع الهادي 858 دورًا مهمًا في مراقبة الاتصالات الداخلية والخارجية على حد سواء. داخليًا، كان يُستخدم في تتبع نشاطات المعارضة السياسية. أما خارجيًا، فقد امتدت مهامه إلى مراقبة الاتصالات العسكرية في المنطقة، خصوصًا في المناطق الحدودية وفي سياق التوترات الإقليمية.
كما ارتبط المشروع بما يمكن وصفه بشبكة استخبارات مركزية تعمل على دعم اتخاذ القرار في المستويات العليا، حيث كانت المعلومات التي يجمعها تُرفع إلى الدوائر الرئاسية بعد تحليلها، لتكون جزءًا من منظومة صنع القرار الأمني والعسكري.
الاستهداف العسكري والتراجع التدريجي
تعرضت البنية التحتية الاستخباراتية العراقية، بما فيها مرافق مرتبطة بالاتصالات والمراقبة، إلى أضرار خلال حرب الخليج عام 1991، ثم خلال الضربات الجوية عام 1998. وقد أثرت هذه العمليات على جزء من قدرات الدولة التقنية، إلا أن مشروع الهادي 858 تمكن من استعادة جزء من إمكانياته لاحقًا عبر الحصول على معدات جديدة بطرق مختلفة.
ومع ذلك، فإن العقوبات الدولية والضربات العسكرية المتكررة أدت إلى تراجع تدريجي في كفاءة البنية التكنولوجية مقارنة بسنوات ذروتها في الثمانينيات.
مصير المشروع بعد عام 2003
مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، شهدت المنظومة الاستخباراتية العراقية انهيارًا شبه كامل. فقد تعرضت العديد من المنشآت الأمنية والعسكرية للتدمير أو التفكيك، وتفكك معها الهيكل المؤسسي الذي كان يشكل إطار عمل مشروع 858.
وبعد انهيار الدولة السابقة، انتهى وجود المشروع بصيغته المركزية، وتمت إعادة تشكيل بعض وظائفه لاحقًا ضمن مؤسسات أمنية جديدة، لكن ضمن سياقات مختلفة تمامًا من حيث البنية والرقابة والقدرات التقنية.
الشركات والمصادر التقنية
لم يعتمد مشروع الهادي 858 على شركة واحدة أو جهة منفذة محددة، بل جرى بناؤه عبر قنوات متعددة من الاستيراد والتجهيز. وقد شملت هذه القنوات معدات سوفيتية ويابانية، إضافة إلى تقنيات غربية جرى الحصول عليها عبر أسواق تجارية، خصوصًا في مجال الإلكترونيات والاتصالات ذات الاستخدام المزدوج. هذا النمط من التزويد يعكس طبيعة المرحلة السياسية والاقتصادية التي كان يعيشها العراق آنذاك، حيث كانت عمليات الشراء تتم غالبًا بشكل غير مباشر أو سري.
مقارنة مع الأجهزة الاستخباراتية العالمية (NSA، GCHQ، FRA)
عند مقارنة مشروع الهادي 858 بأجهزة استخبارات الإشارات في الدول المتقدمة مثل وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA)، ومقر الاتصالات الحكومية البريطانية (GCHQ)، وهيئة الدفاع الإشاري السويدية (FRA)، يظهر أن هناك تشابهًا في الوظيفة التقنية الأساسية، لكن مع فروقات عميقة في البنية والدور السياسي والتكنولوجي.
تُعد NSA واحدة من أكبر وأقوى أجهزة الاستخبارات في العالم، إذ تتمتع بقدرات سيبرانية ضخمة، وبنية عالمية لجمع وتحليل البيانات من شبكات الاتصالات والكابلات البحرية والأقمار الصناعية. وتعمل ضمن منظومة استخبارات أمريكية واسعة، مع قدرات متقدمة في التشفير والهجمات السيبرانية، لكنها تخضع في الوقت نفسه لرقابة قانونية وقضائية جزئية عبر الكونغرس ومحاكم خاصة.
أما GCHQ، فهو الجهاز البريطاني المكافئ، ويعمل بشكل وثيق ضمن تحالف “العيون الخمس”، ما يمنحه قدرة على تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين. ويتميز GCHQ بتطور كبير في مجال تحليل الإنترنت والبيانات الضخمة، مع التزامه بإطار رقابي برلماني وقانوني، رغم طبيعته السرية العالية.
في المقابل، تمثل FRA نموذجًا مختلفًا، إذ يعمل ضمن دولة صغيرة نسبيًا وبنهج دفاعي أكثر من كونه جهازًا هجوميًا عالميًا. يركز FRA على اعتراض الإشارات الخارجية لحماية الأمن القومي السويدي، ويخضع لقيود قانونية صارمة تمنعه من التوسع في المراقبة الداخلية، مما يجعله أكثر انضباطًا من حيث نطاق العمل والخصوصية مقارنة بنظرائه الأكبر.
أما مشروع 858، فكان أقرب إلى نموذج “الاستخبارات المركزية المرتبطة بالسلطة السياسية”، حيث امتزجت فيه الوظيفة التقنية مع الهدف الأمني الداخلي، خصوصًا مراقبة المعارضين السياسيين وتأمين النظام. وعلى عكس الأجهزة الغربية، لم يكن يخضع لرقابة مؤسساتية مستقلة، كما أن نطاق عمله كان إقليميًا ومحليًا أكثر منه عالميًا، مع قدرات تقنية أقل تطورًا من حيث البنية السيبرانية والتحليل الضخم للبيانات.
الفروقات الجوهرية في الفلسفة والاستخدام
تكشف المقارنة بين هذه النماذج الأربعة عن اختلافات جوهرية في فلسفة العمل الاستخباراتي. ففي حين تمثل NSA وGCHQ نموذج “الدولة الاستخباراتية العالمية” القائمة على التفوق المعلوماتي، وتمثل FRA نموذج “الاستخبارات الدفاعية المقيدة بالقانون”، يعكس مشروع 858 نموذج “الاستخبارات المركزية المرتبطة بالسلطة السياسية المباشرة”.
وبينما تركز الأجهزة الغربية الحديثة على التوازن بين الأمن القومي والرقابة القانونية، كان مشروع الهادي 858 جزءًا من منظومة أمنية موجهة بشكل أساسي نحو حماية النظام السياسي وإدارة المخاطر الداخلية والخارجية ضمن إطار مركزي شديد الانضباط الرئاسي.
خاتمة
يمثل مشروع الهادي 858 مرحلة مفصلية في تاريخ تطور الاستخبارات التقنية في العراق، حيث يعكس توجه الدولة في تلك الفترة نحو دمج التكنولوجيا في إدارة الأمن والسياسة. ورغم أن المشروع انتهى فعليًا بعد عام 2003، إلا أنه يظل شاهدًا على مرحلة تاريخية اتسمت بتداخل الأمن والسياسة والتكنولوجيا في إطار مركزي شديد الخصوصية.
وفي المقابل، تُظهر المقارنة مع NSA وGCHQ وFRA الفجوة الكبيرة بين نماذج الاستخبارات المختلفة، سواء من حيث الحجم أو مستوى التطور التكنولوجي أو الأطر القانونية والتنظيمية التي تحكم عملها، لكن بصورة عامة فإن جميع هذه الأجهزة تؤدي دورًا محوريًا في دعم الأمن القومي وحماية المصالح الاستراتيجية للدول التي تتبع لها.
المراجع
المجلس الوطني للاستخبارات؛ كيفن إم. وودز وويليامسون موراي؛ كتاب جنرالات صدام: رؤى حول الحرب العراقية–الإيرانية؛ (2013).
جون أندرياس أولسن، كتاب القوة الجوية الاستراتيجية في عاصفة الصحراء، (2013).
ك. لي ليرنر (محرر)، كتاب موسوعة التجسس والاستخبارات والأمن: الجزء 002 – (2003).
هل يمكن لأجهزة الأمن العراقية إنقاذ صدام؟”، مجلة Jane’s Intelligence Review، نوفمبر تشرين الثاني 2002. متاح عبر:
https://www.globalsecurity.org/intell/world/iraq/summary.htm
داخل شبكة الأمن العراقية، مجلة Jane’s Intelligence Review، المجلد 9، العددان 7 و8، يوليو تموز وأغسطس آب 1997. متاح عبر:
https://irp.fas.org/world/iraq/hadi/index.html
انتهى