العائد من معركة المحمرة

رياض سعد

في خريف عام 1980، كانت الأرض حول المحمرة تشتعل كأنها آخر خرائط الجحيم… ,  لم يعد الجنود يعدّون الأيام، بل صاروا يعدّون من بقي حيًّا عند الغروب.

كانت معركة المحمّرة قد التهمت كل شيء، حتى ملامح الشهور… ,  وقف الجندي إياد الربيعي في خندقه الموحل، يتأمل السكون الثقيل الذي يسبق العاصفة… ؛ وهو يخلط  طعم الملح بطعم التراب على شفتيه.

كان الجندي إياد الربيعي جالسًا داخل الخندق، يحدّق في السماء الرمادية.

قال له زميله حسن وهو يمسح التراب عن وجهه:

إياد… إذا انتهت الحرب، ماذا ستفعل أولًا؟

ابتسم إياد ابتسامة متعبة وقال:

سأذهب إلى بغداد… , وأجلس عند قدمي أمي ساعة كاملة دون أن أقول كلمة.

ضحك الجنود.

قال آخر:

وأنا سأبحث عن سرير أنام فيه أسبوعًا.

لكن الضحكة سرعان ما ابتلعها صوت المدفعية.

مرّت الشهور ثقيلة… ,  سقط رفاق كثيرون، واختفت أسماء أخرى في قوائم المفقودين… ,  وفي كل مرة كان إياد ينجو، كان يشعر أنه يحمل فوق كتفيه جزءًا من أعمار الذين رحلوا.

“الى متى يبقى العذاب في الفرقة المدرعة الثالثة … الله يستر”، تمتم محدثاً نفسه.

كان زملاؤه يدعون الله ، وآخرون يكتبون وصاياهم على قصاصات ورق مهترئة… ؛  فالحرب لا ترحم، والموت يقف على مسافة خطوة من كل رجل هنا.

“إياد!”، ناداه الرائد سعد العزاوي، آمر الفوج ، بماذا تفكر يا اياد ؟

رفع إياد رأسه: “بأمي، سيدي. تأخرت الإجازة أربعة أشهر. كانت دمعتها على خدها يوم ودعتني”.

اقترب الرائد ووضع يده على كتفه: “كلنا هنا لنا أمهات، لكن انتبه لنفسك… , المعركة القادمة لا اجازات فيها ولا مساعدات “.

صمت قليلًا، ثم أردف الآمر:

لديك إجازة ثلاثة أيام.

لم يصدق إياد ما سمع.

خرج من الجبهة كأن أحدًا أعاده فجأة إلى الحياة.

في الباص المتجه إلى بغداد، ظل ينظر من النافذة.

كانت الأشجار تركض إلى الخلف، أما أفكاره فكانت تركض إلى الأمام.

تخيّل أمه جالسة قرب الباب.

تخيّل دمعة قديمة عالقة على خدها منذ أشهر.

تخيّل أنها تسمع طرقًا مفاجئًا فتنهض مذعورة.

ثم هاجمه سؤال لم يستطع طرده:

“ماذا لو اعتادت غيابي؟”

كان سؤالًا مؤلمًا.

فالحرب لا تقتل الأجساد وحدها؛ أحيانًا تقتل مكان الإنسان في قلوب الآخرين.

وصل إلى بغداد مع الغروب.

وما إن نزل في حي الأعظمية حتى استقبله الجيران والأصدقاء بفرح عارم… , ونادوه :  “أبو تحرير! إياد رجع!”.

إياد!

الحمد لله على السلامة!

رجع أبو تحرير!

كانت الأصوات تتدافع حوله كأسراب حمام.

لكن قلبه كان يسبق خطواته نحو البيت… ؛ وقد كانت الكلمات تدخل قلبه كالرصاص، لكنها رصاص من نور هذه المرة.. , اقترب من باب الدار القديم.. ,  توقف.. ,  قلبه يخفق بعنف.. ,  الحرب لم ترهبه، لكن هذه اللحظة أرعبته.

في تلك الأثناء، داخل المنزل، كانت الأم جالسة قرب النافذة.

قالت لابنتها:

لا أدري لماذا أشعر أن إياد قريب اليوم.

ابتسمت البنت بحزن.

تقولين هذا كل يوم يا أمي.

أطرقت الأم رأسها.

الأم لا تتقاعس عن الانتظار.

وفي الغرفة المجاورة كان أخوه الأصغر قد أعد كاميرا تصوير بسيطة.

قال له أخوه الأكبر مازحًا:

لمن ستصور؟

إذا عاد إياد فجأة أريد أن أوثق اللحظة.

ضحك الجميع.

فالأمل حين يطول يتحول عند الناس إلى نوع من الخيال الجميل.

وقف إياد أمام الباب.

ارتجفت يده.

“بسم الله…”، همس وهو يفتح الباب.

لم يكد يتجاوز العتبة حتى سمع صوتاً يعرفه: “أخي!”.

كان أخوه الأصغر مصطفى يحمل كاميرا قديمة، يصور لحظة الدخول التي انتظروها شهوراً. رفعها بعناية، كأنه يرفع كنزاً، ووجَّهها نحو الباب.

وقف إياد في منتصف الدار… ؛  دخل رجل نحيل، متعب، أسمر الوجه، يغطي الغبار ملامحه.

ساد الصمت.

ثانية واحدة فقط.

نظرته تجوب باحة البيت باحثة… ؛  فرآها.

أمه… تجلس في ركن الصالة قرب النافذة ، بجانبها أخته مريم… , كانت دمعتها على خدها تماماً كما تخيلها في الخندق… , لكنها الآن دموع فرح لا دموع وداع.

“أمي!”، نادى بصوت مختنق.

ثم صرخت الأم:

إياد!

سقطت العصا من يدها.

وركضت نحوه.

ألقى نفسه بين ذراعيها كما لو أنه عاد طفلًا في السابعة.

كانت تبكي وتضحك في آن واحد.

تتحسس وجهه وكتفيه ويديه.

كأنها تريد التأكد أن الحرب لم تأخذه منها على هيئة شبح.

قالت وهي تنتحب:

الحمد لله… الحمد لله الذي أعادك.

أما أخته فكانت تبكي بصمت.

وأخوه ما زال يصور المشهد بيد مرتجفة.

قال له إياد ضاحكًا وسط دموعه:

ماذا تفعل؟

أجاب:

أخاف أن يقال بعد سنوات إن هذه اللحظة لم تحدث.

في المساء، اجتمع الجيران والأقارب.. ,  الكل يريد أن يسمع، والكل يريد أن ينسى.. , جلس إياد وسطهم، وعيناه تحملان أسئلة لا تقال.

تحدث أحد الجيران المسنين: “الحرب… الحرب تأخذ كل شيء”.

أجاب إياد بصوت هادئ: “بل الحرب تكشف كل شيء.. , في الخندق، تعرف معدن الرجال.. ,  البعض يصلي، البعض يبكي، الكل يخاف… لكن الشجاع من يمضي رغم خوفه”.

سأل مصطفى: “هل ستعود؟”

صمت إياد طويلاً.. ,  نظر إلى الكاميرا التي صورته، إلى أمه، إلى أخته: “ثلاثة أيام فقط… ,  ثم أعود.. ,  المعركة لم تنته بعد”.

قالت أمه بصوت خافت: “لكلٍ أجل كتاب.. ,  لكن قلبي…؛  قلبي يخبرني أنك ستعود”.

“كلنا سنعود يا أمي… أو سنذهب حيث لا حرب”.

ثم سأله أخوه الاكبر غسان :

هل كنت خائفًا هناك؟

نظر إياد طويلًا إلى كوب الماء أمامه.

ثم قال:

كل إنسان يخاف.

وكيف كنتم تقاتلون إذن؟

ابتسم.

الشجاعة ليست غياب الخوف… الشجاعة أن تحمل خوفك وتسير به.

ساد الصمت.

ثم أضاف بصوت خافت:

أصعب ما في الحرب ليس الموت.

فما هو؟

رفع رأسه نحو أمه.

كانت تراقبه بعينين دامعتين.

قال:

أن تبقى حيًّا بينما يغيب الذين كانوا يجلسون إلى جوارك بالأمس.

عند الفجر، استيقظت الأم لتجده جالسًا في الحديقة.

اقتربت منه.

لماذا لم تنم؟

قال:

أفكر بالشهداء.

جلست إلى جواره.

وهل ينفع التفكير؟

أجاب:

لا يعيدهم… , لكنه يمنعنا من نسيانهم.

ثم نظر إلى السماء المضيئة وقال:

الإنسان لا ينتصر حين يعود من الحرب حيًّا فقط، بل حين يبقى قلبه إنسانًا بعد كل ما رآه.

أمسكت أمه بيده.

وفي تلك اللحظة شعر إياد أن البيت ليس جدرانًا وسقفًا.

البيت هو المكان الذي يعيد للإنسان اسمه بعد أن كادت الحرب تحوله إلى رقم في قائمة طويلة من الغائبين.

ولهذا، عندما غادر بعد ثلاثة أيام عائدًا إلى جبهته، لم يكن يحمل زادًا أو متاعًا كثيرًا.

كان يحمل شيئًا واحدًا فقط:

صورة أمه وهي تبتسم.

وكان يعلم أن بعض الصور أقوى من البنادق، وأطول عمرًا من الحروب.

كان الجنود في الخندق يسألوه: “كيف كان البيت؟”

أجاب إياد: “كان كما الجنة.. , البيت… ؛ ليس جدراناً.. , البيت وجه أمي”.

نعم , انتهت الإجازة، لكن المعركة لم تنته… ,  بقي إياد يقاتل، وصورة الدخول في ذهنه، وصوت أمه في قلبه، وكل شهيد يذكره بأن الحياة ليست بعدد السنين، بل بعدد اللحظات التي نحب فيها.