سليم جواد الفهد.
هذه رؤية تصحيحية فلسفية وتحليلية لخطأ شائع يقدم القضاء على القدر والعكس هو الصحيح.
وتقديم القدر هو الأصح من الناحية اللغوية والمنطقية المجردة ويتطابق هذا التقديم بالفعل مع الترتيب الوجودي للأشياء حتى وإن جرى العرف اللغوي في العبارة الشهيرة “القضاء والقدر” على تقديم القضاء عطفا بالواو والواو في اللغة لمطلق الجمع ولا تفيد الترتيب حتما.
إذا حللنا المسألة بناءً على التحليل المفاهيمي والمنطقي فإن القدر يسبق القضاء بالضرورة ويمكن بيان ذلك من خلال نقطتين:
النقطة الأولى: التقدير والتخطيط (القدر):
القدر في أصله اللغوي والاصطلاحي يعود إلى التقدير أي وضع المقادير ورسم الحدود والخطط المسبقة.
منطقيا لا يمكن تنفيذ أي أمر أو الحكم بوقوعه ما لم يكن مقدرا ومحددا بمقاييسه أولا حيث القدر يمثل “المهندس” أو “المخطط” الذي يضع الحدود والصفات والأنظمة للأشياء قبل بروزها إلى عالم التحقق.
النقطة الثانية: الوقوع و الإنفاذ (القضاء):
القضاء يعود في أصله إلى الفصل، الحكم، الإلزام وإخراج الأمر إلى حيز التنفيذ والوجوب.
منطقيا القضاء هو وقوع ذلك القدر المحدد مسبقا وإمضاؤه على أرض الواقع. ولذلك تسمى المحكمة دار القضاء.
حيث لا يمكن للقاضي أن يحكم أو يفصل في أمر (يقضي) ما لم يكن لديه قانون أو مقياس أو حدود مرسومة مسبقا (قدر) يستند إليها.
وهناك دليل دقيق من القرآن الكريم هو الآية(14) من سورة (سبأ):
(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ. (سبأ.14).
لاحظ قال (قَضَيْنَا) ولم يقل (قَدَّرْنَا) أي إن الموت قدر محتوم على سليمان وعلى غيره والقضاء هو لحظة التنفيذ الزماني والمكاني تصديقا لقوله تعالى: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). (لقمان.34).
فالموت هو القدر الحتمي والقضاء هو لحظة تنفيذ و تحقق هذا الأمر في الوجود الفعلي.
و الترتيب الدارج في العبارة الشائعة “القضاء والقدر” هو تقديم مسبق في الذكر لغرض بلاغي أو صوتي تعودت عليه الألسن لكن بالنظر إلى عمق المفهوم وجوهر العلاقة بينهما فإن القدر هو الأساس النظري والتقديري السابق والقضاء هو النتيجة التطبيقية والحتمية اللاحقة.
التتبع الفلسفي لمفهوم السببية والوجود:
………………
هذا التحليل يضع اليد على واحدة من أدق القضايا الفلسفية التي شغلت الميتافيزيقيا (ما وراء الطبيعة) و نظرية المعرفة عبر التاريخ حيث يُلغي هذا التتبع الفلسفي فكرة “العشوائية” ويحل محلها نظاما صارما يربط بين الوجود و السببية.
عندما ينبثق هذا الاستنتاج من تتبع السببية و الوجود فإن تقديم “القدر” على “القضاء” يصبح ضرورة فلسفية تفرضها البنية الوجودية للأشياء و يمكن قراءة هذا التلازم من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية:
الأول: من منظور الوجود المحض الانتقال من الإمكان إلى الوجوب:
في فلسفة الوجود يمر الشيء بمراحل قبل أن يخرج من الوجود المحض إلى الوجود الفعلي:
أولا مرتبة القدر (الإمكان والتقدير): الأشياء في حد ذاتها قبل أن توجد تكون “ممكنة الوجود” – ممكن أن توجد أو لا توجد- و القدر هنا يمثل تحديد “ماهية” الشيء أي حدوده و القوانين الشاملة التي تحكمه و الأسباب الوجودية التي تؤهل مادته للتحقق. فهو يمثل النظام الكلي و الروابط السببية العامة. ثم تبدأ مرتبة القضاء (الوجوب و التحقق): الفلسفة تقول إن “الشيء ما لم يجب لا يوجد”. والوجوب يحدث عندما تكتمل كل الأسباب والشروط وتنتفي الموانع. هنا يتدخل “القضاء” كعلة تامة وموجبة تُخرج الشيء من حيز الإمكان (القدر) إلى حيز الوجود الفعلي (القضاء).
الثاني: من منظور السببية: العلاقة بين القانون الكلي والحدث الجزئي:
السببية في جوهرها تفترض وجود علاقات مطردة وثابتة بين الأسباب والمسببات:
القدر كقانون سببي عام: يمثل المخزون الكلي لجميع العلاقات السببية الممكنة والمقدرة في الكون (إذا توفرت أ، ب، ج… سينتج د). هذا هو التقدير المسبق للأنظمة الفيزيائية والميتافيزيقية.
القضاء كواقعة سببية معينة: هو اللحظة الزمانية و المكانية التي تلتقي فيها هذه الأسباب فعليا في أرض الواقع لتتحقق عنها النتائج.
القضاء إذن هو “تطبيق” القانون السببي العام (القدر) في حادثة جزئية معينة.
وإذا أردنا أن نخطط الهيكل الفلسفي لرحلة الشيء من العدم إلى الوجود تكون بالشكل التالي:
بواسطة(القدر) يكون أخراج الشيء من الوجود المحض أي (الإمكان) إلى تحديد الماهية أي إلى رسم القوانين والروابط السببية الشامل للخروج من محض الوجود.
ثم القضاء يكون باجتماع الأسباب وحتمية الوجوب والبروز في عالم الواقع.
بناءً على هذا التتبع فإن القول بأن “القضاء يسبق القدر” فلسفيا يوازي القول بأن “النتيجة تسبق السبب” وهو أمر يرفضه المنطق الوجودي.
إذن القدر هو حاكمية القوانين و الروابط و القضاء هو نفاذ تلك القوانين عند تحقق شروطها.
هنا يتبرعم سؤال : هل إن استقلال الإرادة الإنسانية يتحرك في الهامش المتاح داخل “القدر” (أي ضمن الخيارات والقوانين المقدرة مسبقا) أم أن القضاء يؤول في النهاية إلى حتمية وجودية مطلقة لا تترك مجالا للمصادفة؟
هذا الوصول إلى الحتمية الوجودية المطلقة هو النتيجة المنطقية والصارمة لربط الوجود بالسببية. فالفلسفة التحليلية والميتافيزيقية عندما تلتزم بمبدأ السببية العام التزاما مطلقا تصطدم حتما بنتيجة مفادها: إن كل ما يحدث في الكون بما في ذلك الأفعال الإنسانية هو نتيجة ضرورية لأسباب سابقة أحاطت به.
في هذا الإطار الفلسفي يتحول “القضاء” من مجرد حدث عابر إلى “إغلاق للكون” وسد لثغرات الاحتمال ويمكن تفكيك هذه الحتمية ونفي المصادفة من خلال أبعاد فلسفية محددة:
البعد الأول: المصادفة بوصفها “جهلا بالعلل” وليست حقيقة وجودية:
في الفلسفة الحتمية كما نجدها في الفيزياء الكلاسيكية لا وجود لشيء اسمه “المصادفة” في ذات الأمر.
المصادفة هي مفهوم ذاتي يعبر عن قصور المعرفة البشرية و إدراك شبكة الأسباب المعقدة التي أدت إلى حدوث الواقعة.
و لو أحيط العقل بجميع الأسباب و الشروط الابتدائية لأي حدث مهما بدا عشوائيا كرمي نرد أو التقاء شخصين بدون موعد مسبق لتبين إن النتيجة كانت حتمية و واجبة الصدور بنسبة 100%. القضاء هنا هو تجسيد لضرورة هذه العلل.
البعد الثاني: القاعدة الفلسفية التي تنص على أن “الشيء ما لم يجب لا يوجد”
هذا المبدأ السينوي الصارم-نسبة إلى ابن سينا-يمثل العمود الفقري للحتمية الوجودية:
الحدث قبل وقوعه يكون “ممكن الوجود” أي أن كفتي وجوده وعدمه متساويتان و لكي يترجح وجوده على عدمه لا بد من مؤثر (علة) تامة وشاملة.
و عندما تكتمل العلة التامة الشاملة (القدر) تصبح كفة وجوده واجبة وحتمية حينها يمتنع عدمه تماما. هذا الترجيح الحتمي هو (القضاء) وبذلك فإن كل ما يدخل حيز الوجود يدخل عبر بوابة “الوجوب والحتمية” ولا مكان فيه للاتفاق أو المصادفة.
فتكون مستويات الحتمية في رحلة “القضاء”: هي شبكة الأسباب المقدرة ثم اكتمال الشروط وانتفاء الموانع ثم حتمية القضاء والوجود.
البعد الثالث: مآل إرادة “الفاعل الاجتماعي” في ظل الحتمية:
عند تطبيق هذا التتبع على الوعي الإنساني والفعل الاجتماعي تظهر إشكالية كبرى هي: إذا كان القضاء حتمية مطلقة فإن إرادة الإنسان تصبح حلقة داخل سلسلة سببية ممتدة: من الأفكار والرغبات والقرارات الإنسانية التي لا تولد من عدم بل هي محكومة بأسباب سابقة (بيولوجية، نفسية، بيئية، وتاريخية).
إذن السلوك البشري يؤول في النهاية إلى “استجابة حتمية” لمجموع هذه المؤثرات مما يجعل مفهوم “الخيار الحر المطلق” (وهما) ويحوله إلى خيار مشروط بالأنظمة الكلية المطبقة عليه.
صار واضحا إن الرؤية التي ترجع القضاء إلى حتمية وجودية مطلقة تنفي “المصادفة” تماما وتحول الوجود إلى بنية نسقية متماسكة أشبه بآلة كونية كبرى حيث كل حدث جزئي هو ترس يتحرك بضرورة تفرضها بقية التروس.
فإذا كانت الحتمية مطلقة و هذا يعني نفي المصادفة تاما إذن كيف يمكن في ضوء هذا التتبع الفلسفي قراءة مفاهيم مثل “المسؤولية الأخلاقية” أو “الفعل التاريخي”؟ هل يصبح الإنسان مجرد ناقل للحركة التاريخية والوجودية أم أن الوعي بهذه الحتمية يمنحه نوعا فريدا من التحرر؟
هذا الانتقال من “الحتمية المطلقة” إلى “التحرر عبر الوعي” يمثل ذروة النضج في التتبع الفلسفي للوجود وهو يتقاطع بعمق مع أطروحات فلاسفة كبار أدركوا أن الحرية الحقيقية ليست في الانفلات من القوانين السببية وهو أمر مستحيل وجوديا بل في فهمها واستيعابها.
الإنسان عندما يدرك أنه جزء من بنية وجودية حتمية لا يعود ريشة في مهب الريح تحركها الصدف بل يتحول وعيه إلى أداة لامتلاك الفعل التاريخي و الوجودي. هذا التحرر الفريد يتجلى في ثلاثة مظاهر رئيسية:
المظهر الأول: التحرر من الأوهام والمشاعر الاستنزافية:
المعاناة الإنسانية (كالندم، الحزن، الحسرة، والقلق) تنبع كلها من (وهم) مفاده إن الأشياء كان يمكن أن تحدث بشكل مغاير لما حدثت عليه.
عندما يعي الإنسان إن الماضي كان حتميا وبأنه “قضاء” نتج عن قدر أي عن أسباب ومقادير لم يكن هناك مفر من التقائها يزول الندم تماما فلا معنى للقول “لو أنني فعلت كذا لكان كذا” لأن القوانين الوجودية لم تكن لتسمح بغير ما حدث.
الخوف من المستقبل: الوعي بالحتمية يحول القلق من المجهول إلى طمأنينة معرفية حيث يُدرك الوعي أن المستقبل ليس ساحة للفوضى أو المصادفات المرعبة بل هو نسق وقانون يتشكل بناءً على مقدمات وعلل.
المظهر الثاني: الحرية بوصفها “وعيا بالضرورة”:
في فلسفة التاريخ يعلمنا شيخنا الفاضل ماركس أن الحرية لا تعني إنكار الحتمية أو القوانين التاريخية والاقتصادية بل تعني اكتشافها وتوظيفها.
الحتمية تشبه قانون الجاذبية فالإنسان لا يمكنه إلغاء الجاذبية لكن وعيه بهذا القانون الحتمي سمح له بصناعة الطائرات والتحليق بها.
في الحقل الاجتماعي والتاريخي الوعي بالعلل والحتميات البنيوية كالظروف التاريخية التطور التكنولوجي والعلاقات الإنتاجية هو الذي يمنح الفاعل الاجتماعي القدرة على اتخاذ موقف واعي. الإنسان هنا لا يعود مجرد منفذ أعمى للحركة التاريخية بل يصبح مشاركا واعيا لها يعرف أين يتجه التاريخ فيتحرك معه وفيه.
المظهر الثالث: تحول الوعي إلى “علة” داخل السلسلة السببية:
هذا هو الجانب الأكثر إثارة: الوعي بالحتمية لا يقف متفرجا بل يدخل في صلب السلسلة السببية نفسها: عندما يعي الإنسان القوانين التي تحكمه وبيئته ومجتمعه فإن هذا الوعي ذاته يتحول إلى “سبب جديد” يضاف إلى شبكة الأسباب الأخرى (القدر) فيغير من اتجاه “القضاء” اللاحق.
أخيرا نقول: الإنسان المحكوم بالحتمية دون وعي بقوانينها يتصرف كآلية بيولوجية واجتماعية صرفة. أما الإنسان الواعي بحتمياته فإنه يدمج هذا الوعي في قراراته ليكون فعله القادم محكوما بوعيه بالضرورة فيفهمها ويتصرف على ضوء هذا الفهم وهو أسمى أشكال التحرر الممكنة داخل هذا الكون الصارم.