الولاية.. حين يتحول الإيمان إلى موقف

الولاية.. حين يتحول الإيمان إلى موقف

أحلام الصوفي

لا يمكن النظر إلى ذكرى الولاية باعتبارها مناسبة دينية منفصلة عن واقع الأمة وما تعيشه من صراعات وتحولات كبرى، لأن الولاية في جوهرها لم تكن يومًا قضية وعظية محدودة، بل مشروع وعي متكامل يرتبط بالحق والعدل ورفض الخضوع للطغيان.
فعندما أعلن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ولاية الإمام علي عليه السلام في غدير خم، لم يكن يؤسس لعلاقة عاطفية عابرة، بل كان يضع للأمة معيارًا واضحًا في القيادة والمسؤولية، ويؤكد أن الأمة التي تريد الحفاظ على قوتها ووحدتها لا يمكن أن تُترك للفوضى أو لحسابات المصالح الضيقة.
ومن هنا بقيت الولاية حاضرة في وجدان الشعوب الحرة، لأنها تمثل الانحياز لقيم الكرامة والعدالة والاستقلال، وتمنح الإنسان حالة من الوعي تجعله قادرًا على التمييز بين مشروع يبني الأمة ومشروع يعمل على إضعافها وتمزيقها.
واليوم، تبدو هذه المعاني أكثر وضوحًا في ظل ما تعيشه المنطقة من محاولات إعادة تشكيل سياسي وثقافي تقوده قوى الهيمنة العالمية، التي لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل تعمل أيضًا على تفكيك وعي الشعوب وضرب هويتها من الداخل، حتى تصبح فاقدة للقدرة على المواجهة.
وفي اليمن، تأخذ ذكرى الولاية طابعًا مختلفًا، لأنها ترتبط بحالة شعب يعيش معركة وجود وسيادة منذ سنوات، ويرى في الولاية امتدادًا لقيم الصمود والثبات ورفض الارتهان للخارج. ولهذا يخرج اليمنيون لإحياء هذه المناسبة بروح تعبّر عن ارتباطهم العميق بقضية يعتبرونها جزءًا من هويتهم الإيمانية والوطنية في آن واحد.
فالولاية بالنسبة لكثير من اليمنيين ليست مجرد احتفال أو شعارات تُرفع في الساحات، بل ثقافة متجذرة تعزز روح التماسك الشعبي، وتربط بين الإيمان والموقف، وبين العقيدة والكرامة الوطنية. ولهذا بقيت هذه المناسبة حاضرة بقوة رغم كل الظروف والتحديات، لأنها تمس وجدان الناس وتعبّر عن إحساسهم بحقهم في الحرية والاستقلال.
لقد أثبتت الأحداث أن الشعوب التي تمتلك قضية واضحة وهوية راسخة تكون أكثر قدرة على الصمود في وجه الضغوط، بينما تسقط المجتمعات التي تُفرغ من قيمها في دوامة التبعية والانقسام. ومن هنا تبرز الولاية باعتبارها حالة وعي تتجاوز حدود المناسبة، وتتحول إلى موقف سياسي وأخلاقي وإنساني في مواجهة مشاريع الهيمنة والاستهداف.
وفي ظل عالم يموج بالصراعات والتقلبات، تبقى الولاية رسالة تؤكد أن الأمة التي تتمسك بمبادئها لا يمكن أن تُهزم بسهولة، وأن الشعوب التي تعرف طريقها جيدًا قادرة على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها مهما اشتدت العواصف.