ولاية الإمام علي.. حين تنهض الأمة إلى ميادين النصر

ولاية الإمام علي.. حين تنهض الأمة إلى ميادين النصر

وفاء الكبسي

في الأزمنة التي تتكاثر فيها الفتن، وتشتد فيها حملات التضليل والحصار، تحتاج الأمة إلى بوصلةٍ لا تخطئ الاتجاه، وإلى منهجٍ يعيد تشكيل وعيها بعيدًا عن الخوف والهزيمة والانكسار. ومن هنا تتجلى ولاية الإمام علي عليه السلام كخطٍّ ربانيٍّ يصنع الإنسان الحر، المؤمن بعدالة قضيته، الواثق بوعد الله، الثابت في مواجهة الطغيان مهما بلغت التحديات.
لقد أراد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الغدير أن يحفظ للأمة امتدادها الرسالي، وأن تبقى القيادة مرتبطةً بالحق والعدل والهداية، لأن الأمة حين تفقد قيادتها الربانية الواعية تتحول إلى جسدٍ ممزق تتلاعب به قوى الهيمنة والاستكبار. وما تعيشه الأمة اليوم من استهدافٍ أمريكيٍّ وصهيونيٍّ شامل يكشف حجم الحاجة إلى العودة الصادقة إلى ثقافة الولاية التي تربط الإنسان بالله، وتزرع فيه روح المسؤولية والجهاد والكرامة.

أمريكا وإسرائيل لم تخوضا حربهما ضد شعوب المنطقة بالسلاح وحده؛ فالمعركة بدأت منذ سنوات طويلة على مستوى الوعي والثقافة والإعلام والاقتصاد والسياسة، بهدف صناعة أمةٍ خائفة، فاقدة للثقة بالله، منشغلة بخلافاتها الداخلية، عاجزة عن نصرة مقدساتها وقضاياها الكبرى. ولهذا كان أخطر ما عمل عليه أعداء الأمة هو فصلها عن ثقافة القرآن وعن النماذج العظيمة التي تمثل الامتداد الحقيقي للإسلام المحمدي الأصيل.

وفي المقابل، تتشكل اليوم في الأمة حالةٌ إيمانية متصاعدة، عنوانها الواضح: رفض الهيمنة، والوقوف إلى جانب فلسطين، ومواجهة المشروع الصهيوني الأمريكي مهما كانت التضحيات. ومن غزة إلى لبنان، ومن اليمن إلى إيران، ترتفع رايات الصمود بثباتٍ أدهش العالم، وأسقط كثيرًا من أوهام القوة التي حاول العدو ترسيخها لعقود طويلة.

غزة المحاصرة تقاتل بإيمانٍ لا ينكسر، وتحوّلت إلى مدرسةٍ عالمية في الصبر والثبات والتضحية. ولبنان المقاوم يواصل حضوره في معادلة الردع، مؤكدًا أن الاحتلال لم يعد قادرًا على فرض معادلاته كما يشاء. واليمن، رغم الحصار والحرب، خرج بموقفٍ تاريخي مشرّف في نصرة فلسطين، فكان صوته حاضرًا في البحر، وفي الميدان، وفي الوعي الشعبي، معلنًا أن الأمة ما تزال تمتلك القدرة على التحرك حين تتسلح بالإيمان والبصيرة.
أما إيران، فقد أصبحت جزءًا أساسيًا من محور المواجهة مع المشروع الأمريكي الإسرائيلي، لأنها اختارت منذ انتصار ثورتها أن تقف في صف القضية الفلسطينية، وأن تدعم قوى المقاومة في المنطقة، رغم كل الضغوط والعقوبات والحروب التي استهدفتها على مدى عقود.

إن معركة الأمة اليوم معركة وعيٍ وإرادةٍ وهوية، والعدو يدرك جيدًا أن أخطر ما يواجهه هو الإنسان المؤمن بقضيته، المتحرر من الخوف، المستعد للتضحية في سبيل الله. ولهذا يخشى ثقافة الولاية، لأنها تبني أجيالًا ترى في الجهاد كرامة، وفي الصمود شرفًا، وفي نصرة المستضعفين واجبًا إيمانيًا وأخلاقيًا.

وسننتصر بإذن الله، لأننا لم نختر طريق الخضوع، وإنما طريق الولاية والجهاد والكرامة؛ الطريق الذي بدأ من غدير الإمام علي عليه السلام، وامتد في خط أعلام الهدى حتى وصل إلى مواقف العزة والثبات التي يحمل رايتها اليوم السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، حفيد الإمام علي، الذي أعاد للأمة روح المواجهة والبصيرة في زمن الانكسار. ومن بركة هذا التولي الصادق، والارتباط بالقرآن، والثبات في نصرة فلسطين وغزة ولبنان وكل قضايا المستضعفين، يتجدد اليقين بأن وعد الله آتٍ، وأن أمريكا وإسرائيل إلى زوال مهما بلغ طغيانهم وجبروتهم.

وحين تتوحد الأمة حول قضاياها الكبرى، وتتحرر من مشاريع التفرقة والتطبيع والتبعية، فإن موازين القوة تتغير مهما امتلك العدو من سلاح وإعلام ونفوذ. فكم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله، وكم من طغاةٍ ظنوا أن قوتهم أبدية ثم سقطوا تحت أقدام الشعوب المؤمنة.
إن القادم للأمة ليس زمن الهزيمة كما يريد الأعداء تصويره، بل زمن التحولات الكبرى. وما يجري اليوم في فلسطين ولبنان واليمن وإيران يكشف أن محور المقاومة يزداد حضورًا وثباتًا، وأن الاحتلال الإسرائيلي يعيش واحدةً من أكثر مراحله ارتباكًا وخوفًا، بعدما سقطت صورته التي حاول تسويقها كقوةٍ لا تُهزم.

ستنتصر غزة لأنها تحمل قضية حق، وسينتصر لبنان لأنه لم يتخلَّ عن خياره المقاوم، وسينتصر اليمن لأنه وقف في الموقف الصحيح حين صمت كثيرون، وستنتصر إيران لأنها حملت مشروعًا رافضًا للهيمنة والاستسلام.
أما النصر الأكبر، فهو أن تستعيد الأمة وعيها، وأن تعود إلى القرآن منهجًا للحياة، وإلى خط الولاية سبيلًا للعزة والكرامة والتحرر.