الفخ الامريكي: دفع دمشق ضد حزب الله

اسعد عبدالله عبدعلي

 يطلّ علينا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأسلوبه المعهود الذي يفيض بالخفّة والتهريج والمفاجآت، ليعلن صراحةً ومن دون مقدمات: أنه يملك في جعبته السحرية الحل الشامل والنهائي لإنهاء هجمات حزب الله.

ومن باب الحرص الإنساني الرفيع —كما يبدو طبعاً!— أوضح أنه يُفضّل أن تكون الغارات الإسرائيلية أكثر دقة وهدوءاً، بحيث تقتصر فقط على اصطياد القيادات الكبرى للحزب. ولم يتوقف كرمه عند هذا الحد، بل عرض بكل أريحية أن تضع أمريكا كل خدماتها الاستخباراتية والاستشارية في الخدمة لتسديد تلك الضربات بدقة متناهية.

لكن المفارقة الحقيقية والعبقرية الترامبية لا تقف عند حدود الدعم الفني؛ إذ يبدو أن الرجل نام ليلته واستيقظ بخطة جهنمية تفوق الخيال للقضاء على الحزب تماماً، تتلخص ببساطة في فكرة “التعهيد الخارجي” للمعارك. يقول ترامب بملء فمه إن سوريا الجديدة هي من يجب أن تتولى اليوم عبء ومهمة التعامل مع الحزب، معتبراً أن هذا الحل السحري سينقذ إسرائيل من ورطتها، ويحميها من الاضطرار لزج جنودها في أتون معارك برية شرسة، والأهم من ذلك كله، أنه سيُنقذ السمعة الدولية لإسرائيل التي بدأت تهتز وتعاني من صورة ذهنية سيئة للغاية في المجتمع الدولي بسبب استمرار غاراتها المكثفة. إنه يثق تماماً، وبفراسته السياسية الخاصة، أن الجار السوري سيتكفل بالملف بالنيابة عن الجميع، وينوب عنهم في ساحة الوغى.

·     امريكا وهندسة الخناق اللوجستي ضد المقاومة:

 تغيرت ملامح منطقة الشرق الأوسط بسرعة كبيرة بعد سقوط نظام الأسد في أواخر عام 2024. ومع بداية عام 2026، بدأت تظهر خطة أمريكية وغربية جديدة لا تهدف فقط إلى التعامل مع الوضع الجديد في دمشق، بل تسعى بوضوح إلى استخدام الحكومة السورية الجديدة كأداة أساسية لإضعاف نفوذ خط المقاومة وتفكيك خطوط إمداد حزب الله اللبناني.

وقد جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حزيران/يونيو 2026، لتكشف مع تقارير وتسريبات استخباراتية غربية عن “مخطط تعهيد” خطير, حيث تريد واشنطن من خلال هذا المخطط دفع دمشق لفرض طوق أمني وعسكري يحاصر حزب الله جرافيًا, ويقطع عنه كل المساعدات حتى يصبح في عزلة تامة.

وقد ظهر هذا التحول بشكل علني ومفاجئ خلال مقابلة أجراها ترامب مع شبكة “إن بي سي” (NBC) في السابع من يونيو 2026، حيث أثار جدلاً واسعاً حين قال بصراحة: إن سوريا هي الطرف الأنسب والأكثر أماناً لتتولى بنفسها مهمة التعامل مع ملف حزب الله، وذلك بهدف تخفيف العبء عن إسرائيل وحماية صورتها أمام المجتمع الدولي.

·     الهدف الاول: حماية الصورة الدولية لإسرائيل

انقلبت الطاولة في الشرق الأوسط بعد رحيل نظام الاسد، حيث التقطت الرادارات الأمريكية والغربية الأنفاس، ولم تكتفِ بالفرجة على “سوريا الجديدة”، بل قررت هندسة خطة عبقرية من نوع “ضرب عصفورين بحجر واحد”؛ حيث فكروا في تحويل الحكومة السورية الجديدة إلى مقصّ حديدي مخصص لقص أجنحة نفوذ خط المقاومة، وتفكيك خطوط إمداد حزب الله اللبناني، وكأن دمشق تملك فائضًا من الوقت والرفاهية لتصفية حسابات الآخرين.

ترامب طرح علنًا فكرة “التعهيد الخارجي” للمعارك، وكأنه يوزع عقود مقاولات؛ حيث اقترح بكل بساطة أن تتولى دمشق مهمة فرض طوق أمني وعسكري خانق حول حزب الله، وقطع الماء والكهرباء والإمدادات عنه حتى يجد نفسه في عزلة جغرافية تامة.

والجميل في حبكة ترامب الهزلية، أنه يرى في سوريا الطرف الأنسب والأكثر أمانًا لإنجاز هذه المهمة الصعبة، ليس حُبًا بالسوريين طبعاً، بل ليرفع العبء العسكري عن كاهل إسرائيل، ويحمي سمعتها وصورتها “الرقيقة” أمام المجتمع الدولي، في مشهد كوميدي أسود يوضح كيف تُدار كواليس السياسة العالمية على طريقة “اذهب أنت وقاتل.. ونحن هاهنا جالسون نراقب السمعة”.

·     الهدف الثاني: لغة المصالح و”الجزرة” الأمريكية

 لم تكن شطحات ترامب الكلامية وليدة الصدفة أو زلة لسان عابرة، بل جاءت مبنية على “طبخة” استخباراتية ودبلوماسية تمت خلف الكواليس؛ إذ فجّرت برقية دبلوماسية مسربة من السفارة الأمريكية في تل أبيب في شباط 2026 القنبلة، حين كشفت أن الجماعة في إسرائيل يعيشون حالة من الشك العميق واليأس الكبير, من قدرة الدولة اللبنانية أو جيشها “المسكين” على نزع سلاح حزب الله، خصوصاً وأن الحزب كان يرمم قدراته العسكرية بسرعة البرق وكأن شيئاً لم يكن.

هنا لمعت الفكرة الصادمة في رأس واشنطن، ورأت أن مفتاح الحل السحري لقطع شريان الحياة عن الحزب لا يمر عبر بيروت، بل يقبع في دمشق تحديداً، فقررت اللجوء إلى الخطة الكلاسيكية الشهيرة “العصا والجزرة”. ولأن الجزرة يجب أن تكون مغرية، شحذت أمريكا كرمها الحاتمي خلال عام 2025 وبدايات 2026، وبدأت برفع وتخفيف حزم واسعة من عقوبات “قانون قيصر” وغيرها التي أرهقت السوريين طوال عهد الأسد؛ وكل هذا الدلال لم يكن لسواد عيونهم، بل كحافز ومكافأة للإدارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، لتشجيعها على الانخراط في النادي الدولي والمنظومة العربية، والقيام بالدور المطلوب منها في تصفية الحسابات الإقليمية.

·     السيادة مقابل الدعم:

 وفي سياق هذه المقايضات السياسية، رُبطت ملفات إعادة إعمار المدن السورية المدمرة وتقديم الدعم الاقتصادي لإنقاذ ليرتها المنهارة, بمدى جدية السلطات السورية الجديدة في السيطرة المحكمة, وفرض سيادتها الكاملة على طول الحدود، مع ضمان منع تدفق أي إمدادات عسكرية أو أموال ساخنة, تمر عبر أراضيها باتجاه الأراضي اللبنانية.

هذا التوجه أكده تقرير إستراتيجي صادر عن معهد “ذا ميديا لاين”، والذي أوضح أن المخطط الأمريكي لا يهدف بالضرورة إلى زج الجيش السوري في معركة عسكرية مفتوحة, أو حرب نظامية مباشرة ومكلفة داخل العمق اللبناني، بل يركز بذكاء على إجبار دمشق على فرض خناق لوجستي صارم, وإغلاق كامل لكل المنافذ والمعابر غير الرسمية، وهو ما يمثل في المنظور العسكري ضربة قاضية لخطوط إمداد حزب الله التقليدية, والتي عاش عليها لسنوات طويلة.

·     الواقع الميداني: دمشق تبدأ بتفكيك شبكات الحزب

 تشير التقارير الصادرة عن مراكز الأبحاث الغربية، إلى أن المخطط الأمريكي لم يظل مجرد أفكار على ورق، بل بدأ يتقاطع ويلتقي بالفعل مع رغبة حقيقية لدى الإدارة السورية الجديدة. هذه الإدارة تسعى جاهدة لإثبات حضورها وتأكيد استقلال قرارها السياسي أمام العالم، والأهم من ذلك، تطهير البلاد من نفوذ خط المقاومة المسلح الذي تغلغل فيها لسنوات طويلة.

ولم يتأخر هذا التقاطع في المصالح حتى ظهرت نتائجه واضحة على أرض الواقع خلال النصف الأول من عام 2026، من خلال بيانات رسمية ومؤشرات ميدانية أعلنت عنها وزارة الداخلية السورية. فقد بدأت السلطات السورية حملة صارمة لتفكيك الخلايا النائمة ومصادرة مستودعات السلاح، وأعلنت بالفعل عن إحباط عدة مخططات تخريبية (كما تسميها سلطة الشرع)، وصادرت مخازن ضخمة للأسلحة والصواريخ التابعة لحزب الله في مناطق حيوية مثل ريف دمشق والمناطق الساحلية في طرطوس (كما تدعي سلطة الشرع).

بالتزامن مع ذلك، نفذت القوات السورية عمليات تمشيط واسعة لضبط الحدود البرية وإغلاق الممرات الحيوية، مما قطع الطريق أمام عمليات التهريب وحدّ بشكل غير مسبوق من حرية الحركة والعبور اللوجستي التي تمتع بها الحزب طوال العقد الماضي.

·     التحديات والسيناريوهات المستقبلية

 رغم كل المغريات المالية وحزم الدعم الاقتصادي التي تلوّح بها واشنطن لإنعاش الخزينة السورية، ورغم الضغوط السياسية المكثفة، إلا أن الخبراء والمحللين الغربيين يقفون بكثير من الحذر ليرسموا خطوطًا حمراء تحت هذا المشهد المعقد؛ فهم يدركون جيدًا أن دفع دمشق نحو صدام عسكري مباشر وشامل مع حزب الله يشبه اللعب بالنار وسط حقل من الألغام، ويحمل في طياته مخاطر كارثية قد تعصف بالاستقرار الهش للدولة السورية الجديدة، خاصة وأن الحزب لم يفقد كامل أوراقه داخل سوريا, ولا يزال يمتلك شبكات وخلايا نائمة قادرة على هزّ الأمن الداخلي السوري, وإدخال البلاد في دوامة من التفجيرات والاغتيالات الانتقامية.

أمام هذه المخاوف المبررة، يبرز في الأفق السيناريو الأكثر واقعية وترجيحًا للمخطط الأمريكي، وهو ما يمكن تسميته بـ “الحرب الأمنية الصامتة”. في هذا السيناريو الذكي، تتجنب واشنطن المواجهات العسكرية المفتوحة، وتكتفي بلعب دور المايسترو خلف الستار، مستمرة في تقديم حوافزها الاقتصادية والدبلوماسية لدمشق، لتواصل الأخيرة عملها الهادئ والتدريجي في خنق حزب الله جرافيًا، وتفكيك بنيته التحتية، ومصادرة مستودعاته دون ضجيج.

هذه الإستراتيجية الخفية تسعى في نهاية المطاف إلى وضع الحزب بين فكي كماشة حارقة؛ ضغط عسكري إسرائيلي عنيف ومباشر يأتيه من الجبهة الجنوبية، وحصار أمني واستخباراتي سوري صارم يطوقه من الشمال والشرق، وهو تحول إستراتيجي صامت يملك القوة الكافية, لإعادة رسم موازين القوى والتوازنات الإقليمية برمتها في الشرق الأوسط الجديد.

·     ختاما:

وهكذا، يسدل الستار على فصْلٍ جديد من فصول الكوميديا السوداء التي تُصاغ خلف كواليس السياسة الدولية، حيث تحوّلت دمشق—في مخيلة البيت الأبيض وخرائط البنتاغون—إلى مجرد “مقاول أمني” يُراد منه إنجاز ما عجزت عنه الآلة العسكرية الإسرائيلية طيلة عقود. وبين جزرة رفع العقوبات المفخخة برغيف الخبز، وعصا التهديد بزعزعة الاستقرار الهش، تجد الإدارة السورية الجديدة نفسها تقف على حبل مشدود؛ تداعب رغبتها في نيل الرضا الدولي والتحلل من أعباء النفوذ الإقلمي، لكنها تصطدم بحقيقة أن خنق “حزب الله” ليس نزهة عابرة، بل مغامرة أمنية محفوفة بالخلايا النائمة والألغام الموقوتة.

وفي نهاية المطاف، يبقى الشرق الأوسط ساحة مفتوحة لهذه “الحرب الأمنية الصامتة”، حيث يخطط المايسترو الأمريكي لالتقاط الصور التذكارية برداء صانع السلام، بينما تُركت شعوب المنطقة لتدفع وحدها ضريبة “فكي الكماشة”، بانتظار ما ستؤول إليه لعبة الكبار في إعادة رسم موازين القوى، وتحديد من سينجو في محراب الدهشة السياسية، ومن سيتحول إلى مجرد قربان جديد يُقدم على عتبات التوازنات الإقليمية الجديدة.