يمكنني أن أسمي سعدي يوسف شاعراً حزبياً إلى حدٍّ ما، فقد أحاطه الحزب الشيوعي العراقي بهالة كبيرة من التقدير والاحتفاء. وحين اشتريت ديوانه الأخضر بن يوسف ومشاغله في أواسط السبعينيات، لم أجد فيه آنذاك ما كان يراه فيه نقاد جريدة طريق الشعب الذين كتبوا عنه بإعجاب بالغ خلال سنوات التحالف بين البعثيين والشيوعيين. لكن المشكلة لم تكن في الشاعر بقدر ما كانت في القاريء. ففي تلك الأيام كنت مسحوراً بلغة مظفر النواب السهلة الممتنعة، ومفتوناً بقصائد عريان السيد خلف القريبة من القلب والناس. لذلك لم أكن قد دخلت بعد إلى العوالم الداخلية للشعر الحديث، ولم أتعرف على جمالياته الخفية، ولا على ذلك النوع من الشعر الذي يحتاج إلى قراءة أكثر صبراً وعمقاً واتساعاً في التجربة. ومع مرور السنوات أدركت أن بعض الشعر لا يفتح أبوابه من القراءة الأولى، بل يحتاج إلى ذائقة تنضج مع الزمن، وإلى قارئ يتعلم كيف يتذوق اللغة والصورة والإيقاع وما وراء الكلمات. عندها فقط بدأت أكتشف عالم سعدي يوسف الشعري، وأفهم سر المكانة الكبيرة التي احتلها في الشعر العربي الحديث.
أما في المنفى فقد بدا لي سعدي يوسف شاعراً مدللاً من حزبه. كنت أراه يعيش في دمشق حياة لا تشبه حياة كثير من المنفيين العراقيين الذين كانوا يحسبون ثمن رغيف الخبز وسندويشة الفلافل ذات الليرة الواحدة. كان الحزب الشيوعي يحيطه برعاية سخية، بينما كنا نحن نحلم أحياناً بوجبة متواضعة تسد الجوع. وكان يرتاد مطاعم ومقاهي لم نكن نجرؤ حتى على الاقتراب من عتباتها، ونحن الذين كنا نعيش على هامش المدن والمنفى.
لكن ما أثار دهشتي أكثر أن هذا الشاعر الذي أحاطه حزبه بكل ذلك الاهتمام، انقلب لاحقاً على الحزب وعلى كثير من قناعاته القديمة، وراح يغازل قوى هي على النقيض الكامل من تاريخه الفكري والسياسي. وقد بدا الأمر لكثير من محبيه لغزاً يصعب فهمه. وربما كان ذلك من أعراض خريف العمر، أو من تحولات الإنسان حين يثقل عليه الزمن وتتكاثر خيباته.ومع كل ذلك، ظللت أميز بين الشاعر والإنسان. فقد اختلفت معه في مواقفه وآرائه، لكنني لم أستطع أن أنكر موهبته الشعرية الكبيرة. كنت أدافع عنه شاعراً، حتى عندما أعجز عن الدفاع عنه إنساناً أو سياسياً.
في الثالث عشر من حزيران عام 2021، رحل الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف في العاصمة البريطانية لندن عن عمر ناهز السابعة والثمانين عاماً، بعد معاناة مع المرض في سنواته الأخيرة. وبرحيله طُويت صفحة واحدة من أغنى التجارب الشعرية العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، لكن القصائد التي تركها خلفه ما زالت حية، تنبض بالأسئلة والأحلام والحنين والاحتجاج.
كان سعدي يوسف من أولئك الشعراء الذين يصعب اختصارهم في لقب واحد. فهو شاعر العراق، وشاعر المنفى، وشاعر التفاصيل اليومية، والمترجم، والمثقف الذي ظل منحازاً إلى الحرية والإنسان طوال حياته. وقد استطاع أن يبني مشروعاً شعرياً متماسكاً امتد لأكثر من ستين عاماً، أصدر خلالها عشرات الدواوين التي جعلت منه أحد أكثر الشعراء العرب غزارة وتأثيراً.
ولد سعدي يوسف عام 1934 في قرية أبي الخصيب بمحافظة البصرة، تلك المنطقة التي ستظل حاضرة في شعره حتى آخر أيامه. فالنخيل والأنهار والبيوت الجنوبية والوجوه البسيطة لم تكن مجرد ذكريات طفولة، بل أصبحت جزءاً من نسيجه الشعري وهويته الإبداعية. وحين يقرأ المرء قصائده يشعر أن البصرة كانت وطنه الأول والأخير، حتى وهو يعيش بعيداً عنها آلاف الكيلومترات.
درس الأدب العربي وعمل في التدريس والصحافة والثقافة، لكن حياته لم تكن مستقرة. فقد عرف السجون والملاحقات السياسية والتنقل بين البلدان، وعاش في الجزائر واليمن وسوريا ولبنان وقبرص وفرنسا وبريطانيا وغيرها. وتحول المنفى مع مرور السنوات إلى قدر شخصي وإلى موضوع أساسي في شعره.
ومع أن كثيراً من الشعراء يكتبون عن الوطن من بعيد، فإن سعدي يوسف عاش الوطن بوصفه جرحاً يومياً. لم يكن الحنين عنده بكاءً رومانسياً على الماضي، بل وعياً مؤلماً بالفقدان. لذلك امتلأت قصائده بصور السفر والمرافئ والقطارات والفنادق والحقائب، وكأن حياته كلها كانت رحلة طويلة بحثاً عن مكان يستحق أن يسمى وطناً.
تميز سعدي يوسف بلغته الخاصة التي تجمع بين البساطة والعمق. فقد ابتعد عن الزخرفة اللفظية والمبالغات البلاغية، واختار لغة شفافة قريبة من الحياة اليومية. لكنه استطاع من خلال هذه اللغة البسيطة أن يصنع شعراً بالغ الجمال والتأثير. وكان يؤمن أن الشعر الحقيقي لا يحتاج إلى التعقيد، بل إلى الصدق والرؤية والقدرة على اكتشاف الشعر في الأشياء الصغيرة.
ومن أشهر أعماله الشعرية: الأخضر بن يوسف ومشاغله، ونهايات الشمال الإفريقي، والساعة الأخيرة، وجنة المنسيات، ويوميات الجنوب يوميات الجنون، وغيرها من الدواوين التي شكلت علامات بارزة في الشعر العربي الحديث.
كما كان مترجماً بارعاً نقل إلى العربية أعمال عدد من كبار الشعراء العالميين، وعلى رأسهم الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس، إضافة إلى شعراء إنكليز وأميركيين وآخرين. وقد أسهمت ترجماته في توسيع أفق القصيدة العربية وتعميق الحوار بين الثقافات.
كان سعدي يوسف شخصية مثيرة للجدل أحياناً بسبب مواقفه السياسية الصريحة، لكنه بقي في نظر محبيه شاعراً كبيراً لم يتخل عن حقه في التعبير عن قناعاته مهما كانت كلفة ذلك. وقد دفع ثمن استقلاله الفكري كثيراً من العزلة وسوء الفهم، لكنه ظل وفياً لصوته الخاص حتى النهاية.
وحين ننظر اليوم إلى منجزه الشعري الضخم ندرك أننا لا نتحدث عن شاعر أصدر عشرات الكتب فحسب، بل عن تجربة إنسانية كاملة وثقت نصف قرن من التحولات العربية. ففي شعره نجد العراق والمنفى والحب والثورة والهزيمة والأمل والإنسان البسيط الذي ظل مركز اهتمامه الأول.
رحل سعدي يوسف بعيداً عن العراق الذي أحبه وكتب له أجمل قصائده، لكنه ترك إرثاً أدبياً سيبقى حاضراً في ذاكرة الثقافة العربية طويلاً. لقد كان واحداً من آخر الشعراء الكبار الذين عاشوا الشعر باعتباره أسلوب حياة، لا مجرد كتابة. ومع رحيله خسر الأدب العربي صوتاً فريداً، لكن قصائده ستبقى شاهدة على موهبة استثنائية صنعت مكانتها بين كبار شعراء العصر.